يأتي هذا العدد من بانوراما الإعلام العربي في لحظة إقليمية ودولية تتكثف فيها محاولات إعادة ضبط الصراعات لا عبر إنهائها، بل من خلال إدارتها بأدوات أكثر تعقيدًا ومرونة، تجمع بين الضغط السياسي، والتدخل القانوني، والحرب الإعلامية، والهياكل الإدارية العابرة للسيادة. وقد عكست تغطيات وتحليلات الإعلام العربي خلال الأسبوع المنصرم هذا التحول بوضوح، من خلال مقاربات تناولت كيف يُعاد إنتاج الأزمات بصيغ جديدة، وكيف تُستبدل الحلول السياسية الشاملة بترتيبات مؤقتة سرعان ما تتحول إلى وقائع مستقرة.
يرصد هذا العدد مسارات متداخلة تبدأ من محاولات تدويل القضية الفلسطينية وإعادة هندسة فضائها السياسي والإداري، مرورًا باستمرار حرب الحسم الإسرائيلية بأشكالها المتغيرة في القدس والضفة والداخل المحتل، وصولًا إلى توظيف الاحتجاجات والتوترات الإقليمية في إيران ضمن حروب معلومات وضغوط جيواستراتيجية، وانعكاس ذلك على النظام الدولي ومواقف أقاليم كأفريقيا وأميركا اللاتينية من مشاريع الهيمنة الأميركية الجديدة. وفي خلفية هذه الملفات، تبرز معركة السردية بوصفها ساحة مركزية للصراع، لا تقل أهمية عن الميدان أو السياسة.
تندرج هذه القراءة ضمن المادة البانورامية الدورية التي يُعدّها مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، بهدف تتبع اتجاهات الخطاب الإعلامي العربي وتحليل مقارباته، ليس بوصفه انعكاسًا للأحداث فحسب، بل باعتباره فاعلًا في تشكيل الوعي العام وإعادة إنتاج الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسيادة، والتمثيل، ومستقبل الصراعات المفتوحة في مرحلة تتسم باضطراب بنيوي متصاعد في النظامين الإقليمي والدولي.
المرحلة الثانية وخطر الوصاية الدولية
احتلت "المرحلة الثانية" من خطة الإدارة الأميركية لما بعد الحرب على غزة حيزًا واسعًا في تغطية الإعلام العربي، بوصفها محطة مفصلية لا تتعلق بترتيبات التهدئة أو إعادة الإعمار فحسب، بل تمثل مدخلًا لإعادة تعريف القضية الفلسطينية برمتها، ونقلها من سياقها التحرري والسيادي إلى إطار الوصاية الدولية وإدارة الأزمة طويلة الأمد، وقد تلاقت قراءات عدد من الكُتّاب والمحللين على اعتبار أن ما يجري يتجاوز الشق الإنساني، ليؤسس لمسار سياسي جديد يعيد إنتاج منطق أوسلو بصيغة أكثر قسوة وتدويلًا.
في هذا السياق، كتب أحمد العطاونة، مدير مركز رؤية للتنمية السياسية، في مقال نُشر على موقع الجزيرة، أن إعلان تشكيل "مجلس السلام الدولي" خلال مؤتمر دافوس، إلى جانب طرح خطة الإدارة الأميركية التي قدّمها جاريد كوشنر، شكّل منعطفًا خطيرًا في مسار القضية الفلسطينية.
وأوضح أن المجلس بات يُطرح باعتباره الإطار الأعلى المتحكم بإدارة قطاع غزة ضمن رؤية شاملة للمنطقة، من دون أي تمثيل فلسطيني، وبمشاركة مباشرة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، ما يكشف مسارًا يضع غزة تحت وصاية دولية كاملة ويُخرجها من الصيغة الوطنية الفلسطينية عبر لجنة تكنوقراط بلا مرجعية سيادية.
وأشار العطاونة إلى أن هذا المسار يعيد إنتاج تجربة أوسلو، التي قيّدت الفلسطينيين سياسيًا وأمنيًا دون أن تفضي إلى دولة، فيما مكّنت الاحتلال من التملص من مسؤولياته، وتسريع الاستيطان والتهويد، وتقويض الكيانية السياسية الفلسطينية، وخلص إلى أن الفلسطينيين يدخلون مرحلة يمكن توصيفها بـ"أوسلو 3"، تبدأ بالوصاية على غزة وقد تمتد إلى الضفة الغربية بذريعة فقدان الفلسطينيين للأهلية في الحكم، مؤكدًا أن مسؤولية الفلسطينيين تكمن في عدم منح هذا المسار أي شرعية وطنية وتعزيز الوحدة الداخلية، لأن مصير هذه المشاريع لن يختلف عن محاولات تصفية القضية السابقة.
وبالتركيز على تفاصيل المرحلة الثانية ذاتها، تناول حسن لافي، الكاتب المختص في الشأن الإسرائيلي، في مقال نُشر على موقع الميادين، طبيعة هذه المرحلة باعتبارها مرحلة الحسم الأمني والسياسي. وأوضح أن فتح معبر رفح وفق ترتيبات إسرائيلية صارمة يحوّل المعبر من منفذ لحرية الحركة إلى بوابة خروج باتجاه واحد، بما يعزز أنماط "الهجرة العكسية"، في حين تُربط إعادة الإعمار ونزع السلاح بشروط إسرائيلية مسبقة، وتُفرغ المرحلة من مضمونها السياسي عبر تحويلها إلى عملية إدارية تقنية تُدار بلجنة تكنوقراط بلا سيادة.
وأشار لافي إلى أن المرحلة الثانية تُستخدم لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي والسياسي في غزة وفق الشروط الإسرائيلية، لا بوصفها جسرًا للاستقرار، بل أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض، مع إبراز فجوة بين الرؤية الأميركية العامة وآليات التنفيذ الإسرائيلية، ويخلص إلى أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب مقاربة فلسطينية استراتيجية متكاملة، تقوم على إعادة فرض المرحلة الثانية كحزمة مترابطة، وفصل نزع السلاح عن منطق الشرط المسبق، واستثمار التباين الأميركي–الإسرائيلي بدل الارتهان له.
في الاتجاه ذاته، كتب سعيد الحاج، الباحث السياسي، في مقال نُشر على شبكة قدس، أن المرحلة الثانية من خطة ترامب تُطرح عمليًا كمسار لتصفية القضية الفلسطينية، عبر فرض وقف إطلاق نار وفق الرؤية الأميركية، مع تحميل الفلسطينيين وحدهم الالتزامات، وتجاهل الخروقات الإسرائيلية الواسعة. وأوضح أن الخطاب الأميركي يركّز على ملف الأسرى والمساعدات الإنسانية، مقابل المطالبة بنزع سلاح المقاومة وإقصائها عن إدارة غزة، من دون أي التزام إسرائيلي بالانسحاب أو إنهاء الاحتلال.
وأشار الحاج إلى أن هذه المرحلة تهدف إلى تصفية المقاومة وتأمين الهدوء لإسرائيل، تمهيدًا لإعادة دمجها إقليميًا، مستندة إلى غطاء دولي وفّرته قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2803، بما يفتح الباب أمام تدويل غزة وفرض وصاية تفصلها عن الكيان الفلسطيني.
ومن زاوية أوسع، تناول خالد الحروب، الكاتب والأكاديمي الفلسطيني، في مقال نُشر على موقع الجزيرة، إنشاء "مجلس السلام" بوصفه تجليًا جديدًا للعقيدة الترامبية الهادفة إلى تقويض منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي. وأوضح أن إعادة إعمار غزة تُستخدم كرشوة سياسية لاستقطاب الدول نحو منظمة دولية بديلة تقودها واشنطن، تقوم على منطق "أميركا أولًا" وتوسيع النفوذ بالقوة أو الإكراه الاقتصادي. وأكد أن المجلس يبرئ الاحتلال من مسؤولية الإبادة، ويقصي الفلسطينيين عن حق تقرير المصير، معتبرًا أن دعوة نتنياهو لعضويته تكشف الطبيعة الاستعمارية للمشروع، محذرًا من أن أفكار ترامب قد تتحول إلى تيار دائم في السياسة الأميركية.
وفي قراءة داخلية نقدية، كتب هاني المصري، مدير مركز مسارات، أن المشروع الوطني الفلسطيني يمر بمأزق بنيوي شامل، في ظل رهان القيادة والنخب على خطة ترامب المعادية جوهريًا، والتي تختزل الشعب الفلسطيني إلى سكان، والأرض إلى مشروع عقاري، وتفرض وصاية استعمارية على غزة، فيما تواصل دولة الفصل العنصري استباحة الضفة الغربية. وأوضح أن القضية الفلسطينية جرى تفريغها من مضمونها السياسي وتحويلها إلى ملف إنساني إغاثي، مع تجاوز مؤسسات التمثيل الوطني وتغذية أوهام الإعمار وإدارة الأزمة بدل معالجة جذور الصراع.
ويخلص المصري إلى أن الخروج من هذا المأزق يتطلب مراجعة نقدية شاملة، وتحميل العامل الداخلي مسؤوليته، وإعلان انتهاء صلاحية أوسلو، وإعادة بناء منظمة التحرير، وإنهاء الانقسام، وصياغة استراتيجية تحرر وطنية شاملة، محذرًا من أن الفلسطينيين يقفون أمام مفترق وجودي بين إعادة إنتاج حركة وطنية جديدة أو الانزلاق نحو التفكك.
إعادة هندسة المجال الفلسطيني: القدس والضفة والداخل
أظهرت تغطيات الإعلام العربي خلال الأسبوع المنصرم أن انتقال الاحتلال من الحرب المفتوحة في غزة إلى ما يُسمّى "المرحلة الثانية" لم يحمل مؤشرات تهدئة، بل مثّل إعادة توزيع لجبهات الصراع، مع عودة مركز حرب الحسم إلى القدس والضفة الغربية، وتكثيف أدوات السيطرة والهندسة الديمغرافية والقانونية والاجتماعية في مختلف الجغرافيا الفلسطينية، بما فيها الداخل المحتل.
في هذا السياق، تناول زياد ابحيص، الباحث في شؤون القدس، في مقال نُشر على شبكة قدس، تحولات ما بعد حرب الإبادة، معتبرًا أن الاحتلال عاد للتفرغ لجبهتي الحسم المفتوحة في القدس منذ عام 2017، وجبهة الضم والتهجير في الضفة الغربية، بوصفهما مركز الصراع الحقيقي في هذه المرحلة. وأوضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية في القدس تقوم على الوصول إلى "حدود نهائية" عبر ضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وإقصاء أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وهو ما تجسد في سلسلة عمليات عسكرية وأمنية حملت اسم "درع أورشليم"، واستهدفت كفر عقب ومخيم قلنديا ومخيم شعفاط وأحياء مطار قلنديا وحزما خلال فترة زمنية قصيرة.
وأشار ابحيص إلى أن هدم أكثر من 70 عقارًا خلال يومين فقط، بما يعادل نحو 28% من مجمل عمليات الهدم خلال عام 2025، يشير بوضوح إلى عودة القدس إلى مركز معركة الحسم. كما لفت إلى هدم مقر وكالة الأونروا في الشيخ جراح، والشروع في بناء 9,400 وحدة استيطانية على أراضي مطار القدس الدولي، بوصفها خطوات تمهيدية لإقامة مستوطنة كبرى واستكمال مشروع الفصل والهندسة الديمغرافية. ويخلص المقال إلى أن الحرب لم تتجه نحو التهدئة، بل غيّرت شكلها وأدواتها، وأن حرب التصفية والإلغاء ستستمر ما لم تُواجَه بقوة مكافئة توقفها.
ويمتد هذا التحليل ليشمل قراءة أشمل للاستراتيجية الإسرائيلية، كما ورد في مقال راسم عبيدات، الخبير في شؤون القدس، المنشور على بوابة الهدف، الذي تناول المرحلة الثانية من خطة ترامب بوصفها غطاءً لاستمرار حرب الإبادة والتهجير بوتائر أقل حدّة ولكن أكثر انتظامًا، وأوضح أن الاحتلال يعمل على فرض وقائع جديدة في غزة والقدس والضفة عبر مزيج من الأدوات العسكرية والإدارية والتقنية، بما في ذلك تكثيف الاستيطان، وتوسيع حدود القدس لتصل إلى نحو 10% من مساحة الضفة الغربية، وتنفيذ سياسات هدم وطرد قسري في أحياء مثل سلوان وبطن الهوى والبستان والشيخ جراح.
وأشار عبيدات إلى أن المخططات الاستيطانية تشمل مطار القدس وبوابتها الشرقية، بهدف إنشاء مستوطنات ضخمة مرتبطة بمناطق صناعية وأمنية، وعزل كفر عقب وخلق اكتظاظ سكاني متعمّد، إلى جانب الفصل النهائي لبلدة حزما وتحويلها إلى ريف معزول بلا اتصال بالمدينة. كما لفت إلى استهداف مخيمات القدس عبر عمليات "درع العاصمة"، وقطع الخدمات عن مؤسسات الأونروا، وفرض غرامات وإغلاق مرافق حيوية، في سياق تهويد شامل لا يقتصر على الأرض، بل يشمل الوعي والأسرلة والتطويع القسري. ويخلص المقال إلى أن حرب التصفية لم تعد تقدمًا نقطيًا، بل باتت استراتيجية مستمرة متعددة الجبهات.
وبالتوازي مع الميدان، برزت أدوات قانونية وسياسية لإعادة هندسة المجال العام الفلسطيني تنتهجها السلطة الفلسطينية، ففي مقال نُشر على شبكة قدس، تناول عصام عابدين التعديلات على المادة (16) من قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية لعام 2025، محذرًا من مخاطرها الدستورية والسياسية. وأوضح أن الحق في الترشح هو حق دستوري أصيل تكفله القوانين الوطنية والمعايير الدولية، ولا يجوز تحويله إلى امتياز مشروط أو أداة إقصاء سياسي. وأشار إلى أن الصياغة الجديدة تعتمد ضبابًا تشريعيًا ومصطلحات غير معرّفة، تمنح سلطة تقديرية واسعة تُفرغ الحق من مضمونه، وتحوّل الانتخابات إلى أداة فرز سياسي مسبق، بما يقوّض مبدأ سيادة القانون ويعيد تعريف المواطنة ذاتها.
وفي الداخل الفلسطيني المحتل، حازت التحركات الجماهيرية ضد الجريمة المنظمة على اهتمام لافت، فقد تناول مقال نُشر على موقع عرب48، بقلم أريج صباغ-خوري وأسعد غانم، ظاهرة الاحتجاجات المتصاعدة في المجتمع الفلسطيني في الداخل، معتبرًا أنها تمثل لحظة سياسية مهمة لكنها غير كافية ما لم تتحول إلى تنظيم مجتمعي مستدام. وأوضح الكاتبان أن الجريمة ليست ظاهرة معزولة، بل نتيجة بنيوية لسياسات الدولة الاستعمارية والتمييز البنيوي، وأن مواجهة العنف تتطلب الانتقال من ردّ الفعل إلى بناء أطر تنظيمية دائمة، وتراكم المعرفة، وتحويل المطالب إلى أدوات مساءلة سياسية داخلية وخارجية.
وأشار المقال إلى أهمية ربط قضية الجريمة بالبنية الكولونيالية ونظام الفصل العنصري، بما يسمح بنقل مركز المواجهة إلى الحيز الإسرائيلي العام، وكسر منطق العزل، واستدعاء التضامن الداخلي والدولي. ويخلص إلى أن تحويل الاحتجاج إلى تنظيم طويل النفس قد يشكل مدخلًا لمشروع سياسي أوسع يعزز الصمود، ويزعزع أسس الهيمنة البنيوية المفروضة على الفلسطينيين في الداخل المحتل.
التدخلات الترامبية وحروب المعلومات
برز في تغطيات الإعلام العربي خلال الأسبوع المنصرم اهتمام متزايد بطبيعة الأدوات الجديدة التي تعتمدها الولايات المتحدة في إدارة الصراعات الدولية، ولا سيما في ظل عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، وتقدّم مقاربة تقوم على حروب المعلومات، وإدارة الإدراك، وإعادة توزيع النفوذ بدل الانخراط العسكري المباشر، وقد عكست المقالات المنشورة قراءة متقاطعة ترى أن واشنطن لم تنكفئ عن الهيمنة، بل أعادت تعريف أدواتها بما يتلاءم مع عالم يتجه نحو "ما بعد الغرب".
في هذا السياق، تناول مقال نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية آليات إدارة الولايات المتحدة لحرب المعلومات خلال أحداث إيران الأخيرة. وأوضح الكاتبان روان حرشي ومحمد حسن سويدان أن واشنطن أدارت ماكينة إعلامية منظمة هدفت إلى ضبط الرواية العامة وتهيئة الرأي العام لخطوات لاحقة، عبر تضخيم بعض الوقائع وتجاهل أخرى، وتقديم الاحتجاجات بوصفها "ثورة شعبية" ضد نظام فاقد للشرعية. وأشار المقال إلى أن التغطية الأميركية تجاهلت تظاهرات الدعم للنظام، وروّجت خطاب "المجزرة" و"الإبادة" لبناء غطاء معنوي يشرعن الضغط الخارجي ويضرب شرعية الدولة الإيرانية.
وبيّن التقرير، استنادًا إلى تحليل أكثر من 120 مادة إعلامية، أن الحرب المعلوماتية شكّلت أداة مركزية لزعزعة الداخل الإيراني بأقل كلفة مباشرة، عبر التأثير في الإدراك العام، وإعادة تشكيل مواقف الرأي العام الدولي، وتليين مواقف الحلفاء، بما يؤكد أن الصراع لم يعد يُدار فقط بالسلاح، بل بالسرديات والرموز والتحكم بالتدفق المعلوماتي.
وعلى مستوى أوسع، تناول الصادق الرزيقي، الكاتب والصحفي السوداني، في مقال نُشر على موقع الجزيرة، الموقف الأفريقي من التحولات في النظام العالمي واستراتيجية ترامب، مشيرًا إلى أن القارة الأفريقية تتعامل بحذر وفتور مع الطروحات الأميركية الجديدة، ولا تُظهر حماسة تُذكر لمشاريع مثل "مجلس السلام العالمي" أو إعادة إنتاج نظام دولي تقوده واشنطن. وأوضح أن العديد من الدول الأفريقية استطاعت خلال السنوات الماضية تقليص هيمنة الغرب، واتجهت نحو شراكات بديلة مع الصين وروسيا والهند، في ظل تراجع الدور الأوروبي–الأميركي نتيجة التدخلات الفاشلة في السودان، والقرن الأفريقي، وشرق الكونغو، وليبيا.
وأشار الرزيقي إلى أن السلوك الأميركي القائم على الإملاءات والتدخلات الاستفزازية عزّز حالة النفور الأفريقي، وجعل القارة أكثر ميلًا إلى تبني سياسات متباينة: بين القبول الحذر، والرفض الصريح، أو انتظار مآلات الصراع الدولي دون انخراط مباشر. ويخلص المقال إلى أن أفريقيا لم تعد ساحة طيّعة للهيمنة، وأن مشروع ترامب يواجه حدودًا واقعية في قارة تسعى لتعزيز استقلال قرارها وموقعها في النظام الدولي، بما في ذلك إصلاح الأمم المتحدة والحصول على تمثيل أوسع في مجلس الأمن.
ومن زاوية موازية، تناول حسن شاهين، في مقال نُشر على موقع العربي الجديد، الطموح الأميركي لاستعادة الهيمنة على أميركا اللاتينية عبر إحياء "مبدأ مونرو"، موضحًا أن هذا الطموح يصطدم بتحولات بنيوية عميقة في القارة. واستعرض الكاتب المسار التاريخي للهيمنة الأميركية، من مبدأ "الأميركيتين للأميركيين"، إلى التدخلات العسكرية والاقتصادية، وصولًا إلى النظام العالمي الذي تأسس بعد 1945. وأشار إلى أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة المعلنة نهاية 2025 تعكس إدراكًا بتكلفة الانتشار العالمي، وتوجّهًا نحو التركيز على "نصف العالم الغربي" بدل السيطرة الشاملة.
وبيّن شاهين أن ترامب، رغم اختلاف أسلوبه عن إدارة أوباما، يشترك معها في الاستنتاج الاستراتيجي نفسه: تراجع القدرة الأميركية على إدارة العالم كما في السابق. غير أن مقاربة ترامب أكثر صدامية، سواء في الملف الإيراني أو في تعاطيه مع أميركا اللاتينية، حيث يتعامل مع دولها بوصفها "حديقة خلفية"، متجاهلًا التحولات الاقتصادية والسياسية التي جعلت هذه الدول أكثر استقلالًا وقدرة على الرفض. ويخلص المقال إلى أن زمن "جمهوريات الموز" قد انتهى، وأن أحلام العودة إلى عصر مونرو تصطدم بواقع القرن الحادي والعشرين.
وفي سياق مكمّل، ركزت آمال موسى، وزيرة الأسرة التونسية السابقة، في مقال نُشر في صحيفة الشرق الأوسط، على آليات التأثير داخل الولايات المتحدة نفسها، معتبرة أن ميزان القوة لا يُحسم فقط في العواصم، بل في "مطبخ القرار" الأميركي. وأوضحت أن إسرائيل نجحت، منذ تأسيسها، في بناء نفوذ عميق داخل الاقتصاد والكونغرس والمؤسسات والإعلام، وتحويل العملية الانتخابية الأميركية إلى ساحة استثمار استراتيجي مباشر لأمنها ومصالحها.
في المقابل، انتقدت موسى غياب استراتيجية عربية فاعلة داخل الولايات المتحدة، رغم وجود جاليات عربية ومسلمة كبيرة ورأسمال بشري ومالي معتبر، معتبرة أن الاكتفاء بالمراقبة السلبية للانتخابات الأميركية خيار مكلف وخطير. وتخلص إلى أن امتلاك "امتياز التفاوض" مع واشنطن يتطلب تنظيمًا، واستثمارًا، وتوحيدًا للجهود، لأن الصراع مع الولايات المتحدة ليس تفصيليًا بل مسألة وجود ومصير.
خلاصة بانورامية
تعكس مواد هذا العدد تحوّلًا نوعيًا في إدارة الصراعات إقليميًا ودوليًا، حيث يجري الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى أنماط أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة الأزمات، وتطويع الوقائع، والتحكم بالسرديات السياسية والإعلامية. وتُظهر القراءات أن الاستقرار المطروح في أكثر من ساحة لا يُبنى على معالجة جذور الصراع، بل على إعادة تنظيمه ضمن أطر إدارية وقانونية وأمنية تُبقي موازين القوة على حالها، مع تخفيض كلفة المواجهة على الأطراف المهيمنة.
في هذا السياق، تتقاطع القضايا المطروحة عند نقطة مركزية مفادها أن أدوات "الاحتواء" و"التدويل" و"الحلول المؤقتة" تتحول تدريجيًا إلى بدائل دائمة، تُعاد من خلالها صياغة مفاهيم السيادة والتمثيل والحقوق، سواء عبر لجان ومجالس فوق وطنية، أو عبر حروب المعلومات، أو من خلال إعادة هندسة المجال السياسي والاجتماعي من الداخل. ويشير ذلك إلى أن التحدي الأعمق لا يكمن في طبيعة كل أزمة على حدة، بل في الإطار الكلي الذي تُدار ضمنه هذه الأزمات بوصفها ملفات قابلة للضبط لا قضايا قابلة للحل.
تخلص هذه القراءة إلى أن مواجهة هذا النمط الجديد من الصراع تتطلب تفكيك منطقه قبل الاكتفاء بمقاومة نتائجه، وربط أي استجابة سياسية أو إنسانية بأفق سيادي واضح، يمنع تحوّل الإدارة إلى بديل عن التحرر، والتهدئة إلى غطاء لإدامة الصراع بأدوات أكثر نعومة وأطول عمرًا.