المقدمة
في السابع من يناير/كانون الثاني 2026، فتحت سلطات الاحتلال باب العطاءات لمشروع "E1" الاستيطاني، الهادف إلى ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس المحتلة، في خطوة تمثل إحدى المحطات المفصلية في مسار إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية[1]. وجاء هذا القرار في سياق سلسلة إجراءات متراكمة شملت توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتطوير شبكات الطرق والبنية التحتية، ونقل صلاحيات واسعة من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، إلى جانب إطلاق عمليات تسوية وتسجيل للأراضي بإشراف وزارة العدل الإسرائيلية، بما يعكس تحولًا متسارعًا في طبيعة المشروع الاستيطاني وأدواته.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مركزية مفادها أن التطورات الجارية في الضفة المحتلة تعكس انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة جديدة تتجاوز التوسع العمراني والديمغرافي نحو إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين الأرض والسلطة والقانون. ويتمحور هذا التحول حول ترسيخ منظومة سيطرة إسرائيلية دائمة عبر نقل مراكز القرار والصلاحيات من المستوى العسكري المؤقت إلى مؤسسات مدنية تتولى إدارة الأرض والموارد والتخطيط والبناء، بما يؤدي إلى دمج أجزاء واسعة من الضفة الغربية تدريجيًّا في البنية الإدارية والقانونية الإسرائيلية.
تنبع خطورة هذا المسار من طبيعته التراكمية والمتدرجة، إذ تتكامل التشريعات والإجراءات الإدارية ومشاريع البنية التحتية والسياسات العقارية والاستيطانية في إنتاج وقائع جغرافية وقانونية جديدة على الأرض، تتجه نحو تكريس السيطرة الإسرائيلية وإعادة تشكيل الحيز الفلسطيني على نحو يجعل التراجعَ عنها أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت. كما تتيح هذه المقاربة للحكومة الإسرائيلية تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى عبر سلسلة خطوات متتابعة تتوزع على مستويات التخطيط والإدارة والتشريع والتنفيذ.
في ضوء ذلك، تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤال رئيس: ما البدائل الاستراتيجية المتاحة أمام النظام السياسي الفلسطيني والقوى الفلسطينية لمواجهة مسار الضم الصامت في الضفة الغربية؟ وما مدى قدرة هذه البدائل على الحد من آثاره أو إبطاء تقدمه أو رفع كلفته السياسية والقانونية؟ كما تبحث الورقة في طبيعة التحولات التي يشهدها المشروع الاستيطاني، وحدود الاستجابة الفلسطينية الراهنة، والخيارات الأكثر جدوى في التعامل مع هذا التهديد المتصاعد.
أهداف الورقة
الهدف الرئيسي
تهدف هذه الورقة إلى تقديم بدائل استراتيجية للنظام السياسي الفلسطيني والقوى الفلسطينية لمواجهة مسار الضم الصامت والانقلاب الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية، وترجيح المسار الأكثر جدوى في ضوء طبيعة التهديد القائم، بما يسهم في الانتقال من الاستجابة المتفرقة للإجراءات الإسرائيلية إلى مقاربة استراتيجية أكثر قدرة على التأثير ورفع الكلفة وإعاقة مسارات الضم الفعلي.
الأهداف الفرعية
ينبثق عن هذا الهدف الرئيسي عدد من الأهداف الفرعية المتكاملة:
أولًا، تحليل طبيعة التحولات التي يشهدها المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، ورصد انتقاله من التوسع الاستيطاني التقليدي إلى مسار يهدف إلى إعادة تشكيل السيطرة على الأرض والموارد والمؤسسات بصورة تفضي إلى تكريس الضم الفعلي.
ثانيًا، تفكيك الآليات القانونية والإدارية والجغرافية التي يقوم عليها الضم الصامت، وإبراز الكيفية التي تتكامل بها التشريعات ومشاريع البنية التحتية والسياسات العقارية والاستيطانية في إنتاج وقائع جديدة على الأرض.
ثالثًا، تقييم حدود الاستجابة الفلسطينية الراهنة، وقياس قدرتها على التعامل مع التحولات الجارية، ورصد الفجوات التي تحد من فعاليتها على المستويات السياسية والقانونية والميدانية.
رابعًا، عرض مجموعة من البدائل الاستراتيجية المتاحة أمام الفاعلين الفلسطينيين، ومحاكمتها وفق معايير محددة تشمل المشروعية والمقبولية والمعقولية والجدوى وميزان الربح والخسارة.
خامسًا، تقديم توصيات عملية تستند إلى نتائج المفاضلة بين البدائل، وتحدد الأدوار الممكنة لكل من المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والمجتمع المدني في إطار استراتيجية أكثر تكاملًا لمواجهة مسار الضم.
المشكلة السياساتية: طبيعة الضم الصامت وخصوصيته بوصفه تهديدًا استراتيجيًّا
يميل جزء مهم من الأدبيات السياسية والإعلامية إلى التعامل مع ما يجري في الضفة الغربية على أنه توسع استيطاني متسارع أو زيادة في أعداد المستوطنات والوحدات السكنية الاستيطانية. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإنها تعكس جانبًا واحدًا من التحولات الجارية، بينما تتجاوز طبيعة المشروع القائم حدود التوسع العمراني والديمغرافي نحو إعادة تشكيل منظومة السيطرة على الأرض والسكان والموارد[2]. فجوهر التحول الراهن يتمثل بانتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة بناء أسس سيادة إسرائيلية دائمة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية عبر أدوات قانونية وإدارية ومؤسسية متراكمة.
وتعكس السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا في مركز ثقل المشروع الاستيطاني. فإلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني، اتجهت الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى إعادة هندسة المنظومة الحاكمة للضفة الغربية من خلال نقل صلاحيات متزايدة من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، وتوسيع دور الوزارات والهيئات الحكومية في ملفات التخطيط والبناء والأراضي والبنية التحتية. ويمثل هذا التحول أحد أبرز المؤشرات على انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة التوسع الجغرافي إلى مرحلة مأسسة السيطرة المدنية طويلة الأمد على الأرض الفلسطينية.
ويتجسد هذا المسار في حزمة مترابطة من الإجراءات تشمل إعادة توزيع الصلاحيات داخل وزارة الحرب والإدارة المدنية، وإنشاء أطر مؤسسية جديدة لإدارة الاستيطان، وتوسيع صلاحيات الجهات المسؤولة عن التخطيط والتنظيم والأراضي، إلى جانب إطلاق عمليات تسوية وتسجيل للأراضي بإشراف وزارة العدل الإسرائيلية، وتكثيف استخدام التشريعات المدنية الإسرائيلية في إدارة شؤون الضفة الغربية. وتكتسب هذه الإجراءات أهميتها من كونها تتعامل مع الأرض كجزء من المجال الإداري الإسرائيلي، وتدفع نحو دمج المستوطنات تدريجيًّا في البنية القانونية والمؤسساتية لدولة الاحتلال[3].
انعكس هذا التحول المؤسسي انعكاسًا مباشرًأ على وتيرة التوسع الاستيطاني وحجمه. فشهدت الضفة الغربية في عهد الحكومة اليمينية الحالية، التي تولّت السلطة أواخر عام 2022، طفرة استيطانية غير مسبوقة، سواء من حيث أعداد المستوطنات والبؤر أو حجم البناء الاستيطاني. ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية الصادرة في 30 آذار/مارس 2026، بلغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية المنتشرة في الضفة الغربية نحو 542 موقعًا استيطانيًّا، تتوزع على 192 مستوطنة و350 بؤرة استيطانية، يقطنها أكثر من 780 ألف مستوطن. كما برزت البؤر الاستيطانية بوصفها إحدى الأدوات الرئيسية للتوسع، إذ جرى إنشاء أكثر من 165 بؤرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، من بينها 59 بؤرة خلال عام 2025 وحده، ما يعكس تسارعًا ملحوظًا في وتيرة فرض الوقائع الميدانية على الأرض[4].
وتؤكد المصادقات الصادرة عن مجلس التخطيط الأعلى التابع لما تُسمى "الإدارة المدنية" هذا الاتجاه التصاعدي، إذ ارتفع عدد الوحدات الاستيطانية المصادق عليها إلى مستويات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة. فبعد المصادقة على 12,349 وحدة استيطانية عام 2023 و9,884 وحدة عام 2024، قفز العدد إلى 27,941 وحدة عام 2025، وهو أعلى رقم يُسجل منذ انطلاق المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية[5]. وقد ارتبط هذا التسارع بجملة تعديلات أدخلتها حكومة نتنياهو–سموتريتش على آليات التخطيط والمصادقة، بما في ذلك تقليص القيود الإجرائية وتسريع إجراءات الإقرار، ما حوّل التوسع الاستيطاني إلى عملية أكثر انتظامًا وكثافة[6]. كما كشفت مخططات عام 2026 عن استمرار هذا الاتجاه من خلال الدفع بآلاف الوحدات الجديدة، بما يعزز إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية ويفرض وقائع أكثر التصاقًا بمسار الضم.
يترافق ذلك مع عملية متسارعة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية عبر توسيع شبكات الطرق الالتفافية، وتعزيز الترابط بين الكتل الاستيطانية، وتوسيع البؤر الرعوية والزراعية، وتكريس السيطرة على مساحات واسعة من المنطقة "ج"، بما يؤدي إلى زيادة عزل التجمعات الفلسطينية وتقليص إمكانيات التواصل الجغرافي بينها. وتبرز مشاريع مثل "E1"، ومشروعات ربط المستوطنات بالبنية التحتية الإسرائيلية، وخطط الفصل بين عدد من المحافظات الفلسطينية، بوصفها حلقات في مشروع أوسع يستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية للضفة الغربية بما يخدم متطلبات الضم الفعلي[7].
وتنبع خصوصية هذا التهديد من طبيعته التراكمية والمتدرجة، فالمسار الجاري يتشكل من سلسلة طويلة من إجراءات متتابعة تتوزع على مستويات التخطيط والتشريع والإدارة والبنية التحتية والسيطرة العقارية، ولا يرتبط بقرار واحد أو لحظة سياسية فاصلة يمكن حشد المواقف الدولية لمواجهتها. ومع مرور الوقت، تتكامل هذه الخطوات في إنتاج واقع جديد تتعاظم كلفته السياسية والقانونية على أي محاولة مستقبلية للتراجع عنه أو تفكيكه.
وتستفيد هذه المقاربة من حالة الانشغال الدولي بأزمات وصراعات متعددة، ومن محدودية الكلفة السياسية التي ترتبت حتى الآن على الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ما وفر هامشًا واسعًا لمراكمة الوقائع على الأرض بوتيرة متسارعة. وبذلك، يتحول الضم الصامت من مجموعة إجراءات متفرقة إلى استراتيجية متكاملة لإعادة تعريف العلاقة بين الأرض والسيادة والقانون في الضفة الغربية، بما يفرض تحديات جديدة على النظام السياسي الفلسطيني والقوى الفلسطينية تتجاوز أنماط الاستجابة التقليدية التي ارتبطت بمواجهة الاستيطان خلال العقود السابقة.
خريطة الفاعلين والرهانات
يفترض بناء بدائل فعالة لمواجهة الضم الصامت تحديد الفاعلين الرئيسيين المنخرطين في هذا المسار، وفهم مصالحهم وأدوارهم وحدود تأثيرهم، فالضم الجاري في الضفة الغربية يُدار عبر شبكة متداخلة من الفاعلين المحليين والدوليين الذين تتفاوت أدوارهم بين الدفع بالمشروع، وتوفير الغطاء له، والتأثر بنتائجه، أو امتلاك أدوات للتأثير في مساره.
في الدائرة الأولى، يقف المستوى السياسي الإسرائيلي اليميني بوصفه المحرك الأساسي للمشروع، وفي مقدمته تيار الصهيونية الدينية الذي يقوده بتسلئيل سموتريتش وحلفاؤه داخل الحكومة والمؤسسات الاستيطانية. ويتمثل رهانه المركزي بتحويل السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية إلى واقع دائم من خلال تكثيف الاستيطان، وإعادة هيكلة الإدارة المدنية، ونقل الصلاحيات إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، بما يؤدي إلى ترسيخ الضم الفعلي دون الحاجة إلى إعلان سياسي رسمي. وتساند هذا التوجه المجالس الاستيطانية والبؤر الرعوية وشبكات المستوطنين التي تحولت إلى أدوات تنفيذية فاعلة في السيطرة على الأرض وتوسيع النفوذ الاستيطاني[8].
وأما الدائرة الثانية فتتمثل بالولايات المتحدة والقوى الدولية الداعمة لـ"إسرائيل"، والتي توفر هامشًا سياسيًا ودبلوماسيًا يسمح بمواصلة المشروع الاستيطاني بوتيرة مرتفعة. وتكتسب هذه الدائرة أهمية خاصة لكونها تؤثر في سقف الحركة المتاح للحكومة الإسرائيلية، وفي مستوى الكلفة السياسية التي قد تترتب على إجراءات الضم والاستيطان.
وأما في الدائرة الثالثة فيأتي النظام السياسي الفلسطيني والقوى الفلسطينية بمختلف مكوناتها، بما يشمل السلطة الفلسطينية والفصائل السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والتجمعات الفلسطينية المهددة بالاستيطان والتهجير. وتمتلك هذه الدائرة مجموعة متنوعة من الأدوات السياسية والقانونية والشعبية والميدانية، إلا أن محدودية التنسيق وغياب استراتيجية موحدة يقلصان من القدرة على تحويل هذه الأدوات إلى تأثير تراكمي قادر على إعاقة المشروع الاستيطاني أو رفع كلفته.
وتضم الدائرة الرابعة الأطرافَ الدوليةَ التي تمتلك أدوات ضغط أو تأثير محتملة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، والاتحاد الأوروبي، والدول التي اعترفت بفلسطين دولة. وتنبع أهمية هذه الدائرة من امتلاكها أدوات قانونية واقتصادية ودبلوماسية قادرة نظريًّا على التأثير في السلوك الإسرائيلي، رغم أن جانبًا كبيرًا من هذه الأدوات ما يزال محدود التفعيل أو محكومًا باعتبارات سياسية مختلفة.
وتكشف هذه الخريطة عن ثلاث نقاط ضغط رئيسية يمكن البناء عليها في صياغة البدائل الاستراتيجية. فأما الأولى فتتمثل بالطبيعة المؤسسية للضم الصامت، وما يتيحه توثيق عمليات نقل الصلاحيات والتغييرات القانونية والإدارية من فرص لتحويلها إلى قضية سياسية وقانونية أكثر وضوحًا. وأما الثانية فترتبط بإمكانية تفعيل الأدوات الدولية المتاحة وتحويلها من مواقف رمزية إلى إجراءات عملية أكثر تأثيرًا. وأما الثالثة فتتعلق بقدرة الفاعلين الفلسطينيين على بناء استجابة أكثر تكاملًا وتنسيقًا، بما يسمح بتوظيف الأدوات السياسية والقانونية والميدانية ضمن إطار استراتيجي موحَّد.
تقييم الاستجابة الفلسطينية الراهنة
رغم اتساع نطاق التحولات التي يشهدها المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، ما تزال الاستجابة الفلسطينية تتحرك في إطار مقاربات تقليدية تشكلت في خلال مراحل سابقة من الصراع، ما حدّ من قدرتها على مواكبة التحول الجاري من إدارة الاحتلال إلى مأسسة السيادة المدنية الإسرائيلية. وقد أفرز هذا الواقع فجوة متزايدة بين طبيعة التهديد القائم والأدوات المستخدمة في مواجهته.
على المستوى القانوني والدبلوماسي، حقق الفلسطينيون في السنوات الأخيرة مجموعة إنجازات مهمة، في مقدمتها الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام [9]2024، وتوسع دائرة الاعترافات الدولية بفلسطين دولة، إلى جانب استمرار الجهود المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية والمؤسسات الأممية المختلفة. وأسهمت هذه المسارات في تعزيز المكانة القانونية للقضية الفلسطينية، وترسيخ توصيفات قانونية أكثر وضوحًا للاستيطان والضم. غير أن أثر هذه الإنجازات بقي محدودًا على مستوى الوقائع الميدانية، في ظل غياب آليات تنفيذ دولية قادرة على تحويل الشرعية القانونية المتراكمة إلى كلفة سياسية أو اقتصادية مباشرة على الاحتلال.
وعلى المستوى الميداني، تواصل التجمعات الفلسطينية في الأغوار والمنطقة "ج" والمناطق المستهدفة بالاستيطان أداء دور محوري في حماية الوجود الفلسطيني والحفاظ على الأرض، عبر التمسك بالبقاء ومواجهة محاولات التهجير والمصادرة. غير أن هذا الصمود يجري في ظل اختلال كبير في موازين القوة، وضمن بيئة تتسم بتصاعد عنف المستوطنين وتوسع البؤر الاستيطانية ومحدودية الموارد المتاحة، ما يجعل قدرته على إعاقة المشروع الاستيطاني مرتبطة بحجم الإسناد السياسي والقانوني والاقتصادي الذي يحظى به.
وأما على المستوى السياسي، فما تزال حالة الانقسام الفلسطيني تلقي بظلالها على مجمل أدوات المواجهة. فالتباينات القائمة بين القوى الفلسطينية، وتعدد المرجعيات السياسية، وغياب رؤية وطنية جامعة للتعامل مع التحولات الجارية في الضفة الغربية، أسهمت في بقاء كثير من الجهود ضمن إطار ردود الفعل المتفرقة، وأضعفت إمكانية بناء استراتيجية وطنية متكاملة تتعامل مع الضم الصامت بوصفه مشروعًا طويل الأمد يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والسيادة معًا.
يرتبط ذلك بجملة من القيود البنيوية التي تراكمت في خلال العقود الماضية، في مقدمتها استمرار العمل بترتيبات أوسلو وتقسيمات المناطق ("أ"، "ب"، "ج")، والاعتماد المالي والمؤسسي على بيئة سياسية واقتصادية يملك الاحتلال تأثيرًا واسعًا عليها، وقد أوجد هذا الواقع معادلة معقدة تجعل جزءًا من الأدوات الفلسطينية المتاحة محكومًا بسقوف سياسية وإدارية تحد من قدرته على الانتقال إلى مستويات أعلى من الفعل والمواجهة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التحدي الأساسي لا يتمثل بغياب الأدوات الفلسطينية، بمقدار ما يرتبط بقدرتها على العمل ضمن إطار استراتيجي موحَّد قادر على الربط بين المسارات القانونية والسياسية والميدانية. كما تكشف عن ثلاث فجوات رئيسية تشكل جوهر المشكلة السياساتية التي تعالجها هذه الورقة: فجوة ترجمة الإنجازات القانونية والدبلوماسية إلى كلفة فعلية على الاحتلال؛ وفجوة إسناد الصمود الميداني وربطه بمسار وطني أشمل؛ وفجوة توحيد القرار والجهد الفلسطيني في مواجهة مشروع يتقدم بصورة متراكمة ومنظمة.
البدائل الاستراتيجية ومحاكمتها
معايير المحاكمة
تُحاكَم البدائل وفق خمسة معايير: المشروعية (الاتساق مع القانون الدولي والحقوق الفلسطينية)؛ والمقبولية (القبول السياسي والاجتماعي الفلسطيني والعربي)؛ والمعقولية (التماسك المنطقي وواقعية الافتراضات)؛ والجدوى (القابلية الفعلية للتنفيذ)؛ والربح والخسارة (ميزان العائد مقابل الكلفة والمخاطر).
البديل الأول: تعظيم مسار التدويل القانوني والدبلوماسي
يقوم هذا البديل على توظيف المكانة القانونية والسياسية التي راكمتها القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، والبناء على القرارات والآراء الصادرة عن المؤسسات والمحاكم الدولية، بهدف رفع الكلفة السياسية والقانونية المترتبة على مسار الضم الصامت. وينطلق من فرضية مفادها أن المشروع الاستيطاني، رغم تقدمه الميداني، ما يزال يواجه تحديات تتعلق بشرعيته القانونية ومشروعيته السياسية على المستوى الدولي، ما يتيح فرصًا لتوسيع الضغوط على الاحتلال وإضعاف البيئة الداعمة لاستمرار سياسات الضم والاستيطان.
ويتضمن هذا المسار تكثيف التحرك أمام الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع دائرة الاعترافات الدولية بفلسطين دولة، والعمل على تفعيل آليات المساءلة القانونية، إلى جانب دفع الدول والمؤسسات الدولية نحو اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الأنشطة الاستيطانية والشركات والجهات المتورطة فيها. كما يشمل توظيف المواقف والقرارات الدولية في بناء رواية سياسية وقانونية متماسكة تعيد تقديم الضم الصامت بوصفه انتهاكًا متواصلًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
محاكمة البديل
يحظى هذا البديل بدرجة مرتفعة من المشروعية القانونية والسياسية، نظرًا إلى ارتكازه على قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والآراء القضائية الصادرة عن المؤسسات الدولية المختصة، كما ينسجم مع الإجماع الدولي الرافض للاستيطان وضم الأراضي بالقوة.
يتمتع البديل بمستوى عالٍ من المقبولية لدى قطاعات واسعة من الفاعلين الفلسطينيين والدوليين، كما يحظى بدعم متزايد من العديد من الدول والمنظمات الدولية التي تنظر إلى الأدوات القانونية والدبلوماسية بوصفها إحدى الساحات الرئيسية لمواجهة السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
يستند هذا البديل إلى أدوات ومؤسسات قائمة بالفعل، ويعتمد على مسارات يجري العمل عليها منذ سنوات، ما يجعله قابلًا للتنفيذ من الناحية العملية دون الحاجة إلى تغييرات جوهرية في البنية السياسية أو المؤسسية الفلسطينية.
ويساهم البديل في تعزيز العزلة القانونية والسياسية للاحتلال، ويوفر فرصًا لتوسيع الضغوط الدولية على المشروع الاستيطاني، إلا أن تأثيره المباشر على الوقائع الميدانية يبقى محدودًا في ظل غياب آليات تنفيذ دولية ملزمة، واستمرار الحماية السياسية التي تحظى بها "إسرائيل" في بعض الساحات الدولية المؤثرة.
كما يوفر هذا البديل مكاسب سياسية وقانونية مهمة بكلفة مادية وسياسية محدودة نسبيًّا، ويسهم في الحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية. في المقابل، ترتبط أبرز نقاط ضعفه بمحدودية قدرته على إبطاء مسار الضم الفعلي على الأرض إبطاءً مباشرًا، واعتماده بدرجة كبيرة على إرادة الأطراف الدولية واستعدادها للانتقال من المواقف إلى الإجراءات.
البديل الثاني: إعادة بناء وحدة القرار الوطني وتطوير استراتيجية فلسطينية موحدة
ينطلق هذا البديل من فرضية مفادها أن أحد أبرز عوامل تقدم مشروع الضم الصامت يتمثل بغياب إطار وطني موحَّد قادر على إدارة المواجهة بصورة متكاملة ومستمرة، فالتحدي الذي تفرضه التحولات الجارية في الضفة الغربية يتجاوز حدود الاستيطان بوصفه نشاطًا عمرانيًّا أو أمنيًّا، ويمس قضايا السيادة والتمثيل والولاية على الأرض والموارد، ما يستدعي استجابة فلسطينية تتسم بدرجة أعلى من التنسيق والانسجام بين مختلف الفاعلين.
ويقوم هذا البديل على تطوير استراتيجية وطنية مشتركة لمواجهة الضم الصامت، تتكامل فيها الأدوار السياسية والقانونية والدبلوماسية والميدانية، وتُحدَّد أولويات العمل الوطني تجاه المناطق الأكثر تعرضًا لخطر المصادرة والتهجير. كما يشمل تعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والتجمعات المحلية المستهدفة، وتطوير آليات مشتركة للرصد والتوثيق والتدخل القانوني والإسناد الميداني، بما يسهم في تحويل الجهود المتفرقة إلى مسار تراكمي أكثر قدرة على التأثير.
ويركز هذا البديلُ على بناء الحد الأدنى من التوافق الوطني حول مواجهة الضم والاستيطان، بوصفهما تهديدًا جامعًا يمس مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني، ولا يَفترض بالضرورة تحقيقَ توافق سياسي شامل أو إنهاءً كاملًا للانقسام كشرط مسبق للانطلاق.
محاكمة البديل
يستند هذا البديل إلى حاجة وطنية متفق عليها ترتبط بحماية الأرض والحقوق الوطنية الفلسطينية، كما ينسجم مع متطلبات تعزيز التمثيل الوطني وتطوير القدرة الجماعية على مواجهة التحديات الاستراتيجية التي تستهدف القضية الفلسطينية.
ويحظى البديل بدرجة مرتفعة من المقبولية على المستوى الشعبي والوطني، إذ تتقاطع غالبية القوى الفلسطينية حول أهمية تعزيز التنسيق الوطني وتطوير أدوات العمل المشترك في مواجهة المشروع الاستيطاني، رغم استمرار التباينات السياسية بين الأطراف المختلفة.
تتفاوت فرص تطبيق هذا البديل تبعًا لمستوى الطموح المرتبط به، فبينما تبدو فرص التوصل إلى إطار تنسيقي أو برنامج عمل مشترك أكثر واقعية، تواجه محاولات إعادة بناء الوحدة السياسية الشاملة تحديات داخلية وإقليمية معقدة تجعلها أكثر صعوبة على المدى المنظور.
يتميز هذا البديل بقدرته على معالجة إحدى أهم الفجوات البنيوية في الاستجابة الفلسطينية الراهنة، والمتمثلة بتشتت الجهود وتعدد المرجعيات. كما يوفر مظلة يمكن أن تعزِّز فعاليةَ المسارات القانونية والدبلوماسية والميدانية الأخرى، وتزيد من قدرتها على تحقيق أثر تراكمي طويل الأمد.
ويوفر البديلُ مكاسب استراتيجية كبيرة تتمثل برفع مستوى التنسيق الوطني وتحسين كفاءة توظيف الموارد والأدوات المتاحة، إلى جانب تعزيز القدرة على إدارة المواجهة بصورة أكثر اتساقًا. في المقابل، ترتبط أبرز نقاط ضعفه بالتعقيدات السياسية المرتبطة بحالة الانقسام وتباين الأولويات والبرامج بين القوى الفلسطينية المختلفة، ما قد يحد من سرعة تحقيق نتائجه.
يمثل هذا البديل أكثر البدائل ارتباطًا بجذور المشكلة السياساتية التي تعالجها الورقة، نظرًا إلى تركيزه على معالجة فجوة التنسيق ووحدة القرار، وتوفيره إطارًا قادرًا على تعظيم أثر البدائل الأخرى وربطها ضمن استراتيجية وطنية أكثر تكاملًا. كما يمنحه طابعه البنيوي أهمية خاصة في مواجهة مشروع يستند هو الآخر إلى رؤية طويلة الأمد وأدوات مؤسسية متراكمة، ما يجعله من أكثر البدائل قدرة على إنتاج أثر استراتيجي مستدام، رغم ما يحيط به من تحديات سياسية وتنفيذية.
البديل الثالث: تعزيز الصمود الميداني وحماية الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة
يقوم هذا البديل على أساس أن الصراع حول الضفة الغربية يُحسم بصورة متزايدة على مستوى السيطرة الفعلية على الأرض، وأن قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وجودهم في المناطق المستهدفة بالمصادرة والاستيطان تشكل أحد أهم عناصر إبطاء مسار الضم الصامت ورفع كلفته. وينطلق من فرضية مفادها أن كثيرًا من الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية تعتمد على خلق بيئات طاردة للسكان، وإضعاف قدرة التجمعات الفلسطينية على الصمود والاستمرار، بما يتيح توسيع السيطرة الاستيطانية بأقل قدر من الاحتكاك السياسي والدولي.
ويركز هذا البديل على توجيه الموارد والبرامج الوطنية نحو المناطق الأكثر تعرضًا لخطر المصادرة والتهجير، خصوصًا في المنطقة "ج"، والأغوار، ومحيط القدس، والمناطق المحاذية للبؤر الرعوية والاستيطانية. كما يشمل توفير الدعم القانوني والخدماتي والاقتصادي للتجمعات الفلسطينية المستهدفة، وتعزيز مشاريع حماية الأراضي، ودعم المبادرات المجتمعية والتنموية التي تسهم في تثبيت السكان وتعزيز قدرتهم على البقاء.
ويتضمن هذا المسار تطوير آليات أكثر فاعلية للتدخل السريع في مواجهة أوامر المصادرة والهدم والتهجير، وربط جهود الصمود الميداني بالمسارات السياسية والقانونية والإعلامية، بما يحوِّل التجمعات المستهدفة إلى نقاط ارتكاز في مواجهة المشروع الاستيطاني، بدل بقائها في موقع الدفاع المنفرد أمام الضغوط المتصاعدة.
محاكمة البديل
يحظى هذا البديل بدرجة عالية من المشروعية الوطنية والقانونية، لارتباطه بحق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم والدفاع عن ممتلكاتهم ومواردهم، كما ينسجم مع قواعد القانون الدولي التي تحظر الاستيطان والتهجير القسري والاستيلاء على الأراضي المحتلة.
ويتمتع البديل بمستوى مرتفع من المقبولية لدى مختلف الفاعلين الفلسطينيين، نظرًا إلى ارتباطه المباشر باحتياجات المجتمعات المتضررة من الاستيطان، وابتعاده عن الخلافات السياسية التي تعيق أحيانًا مسارات العمل الوطني الأخرى.
كما يستند هذا البديل إلى أدوات وآليات قائمة بالفعل، ويعتمد على برامج ومؤسسات وخبرات تراكمت في خلال العقود الماضية، ما يجعل تطبيقه ممكنًا من الناحية العملية. كما يرتبط جزء مهم من متطلباته بإعادة توجيه الموارد وتعزيز التنسيق أكثر من ارتباطه بإنشاء هياكل جديدة بالكامل.
يمتلك البديل قدرة مباشرة على التأثير في إحدى أهم ساحات الاشتباك المرتبطة بالضم الفعلي، من خلال الحفاظ على الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة وتقليص فرص فرض الوقائع الاستيطانية الجديدة. غير أن تأثيره يبقى مرتبطًا بحجم الموارد المتاحة، وبقدرته على مواجهة منظومة واسعة من الضغوط القانونية والأمنية والاقتصادية التي يستخدمها الاحتلال لدفع السكان نحو الرحيل أو تقليص حضورهم.
ويوفر البديل مكاسب ميدانية مباشرة تتمثل بتعزيز صمود التجمعات الفلسطينية وحماية الأراضي المهددة بالمصادرة، كما يساهم في إبطاء بعض مسارات التوسع الاستيطاني ورفع كلفتها. وفي المقابل، يتطلب استثمارات مالية وبشرية مستمرة، كما أن نتائجه قد تختلف من منطقة إلى أخرى تبعًا لطبيعة الضغوط التي تواجهها التجمعات المستهدفة.
يمثل هذا البديل خط الدفاع الأول في مواجهة الضم الفعلي على الأرض، ويتميز بقدرته على التأثير المباشر في المناطق التي تستهدفها السياسات الاستيطانية يوميًّا. كما يوفر قاعدة عملية يمكن أن تستند إليها المسارات القانونية والسياسية والدبلوماسية الأخرى، ما يمنحه أهمية خاصة ضمن أية استراتيجية فلسطينية شاملة لمواجهة الضم الصامت. غير أن قدرته على إحداث تحول استراتيجي واسع تبقى مرتبطة بوجود مظلة وطنية داعمة، وبمستوى التكامل بينه وبين البدائل الأخرى المطروحة في هذه الورقة.
البديل الرابع: بناء مسار ضغط دولي ومقاطعة موجهة ضد الاستيطان
يقوم هذا البديل على تحويل المواقف الدولية الرافضة للاستيطان والضم إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية أكثر تأثيرًا، بما يرفع كلفة استمرار المشروع الاستيطاني ويحد من قدرة الاحتلال على التعامل مع الضم الصامت بوصفه مسارًا منخفض الكلفة. وينطلق من فرضية مفادها أن الاستيطان يعتمد على شبكة مصالح واسعة تشمل التمويل، والبنية التحتية، والشركات، والتسهيلات التجارية، والعلاقات السياسية، ما يتيح استهداف هذه الشبكة عبر أدوات المقاطعة والمساءلة والعقوبات الموجهة.
ويركز هذا المسار على توسيع حملات المقاطعة الشعبية والمؤسسية، وتعزيز الجهود القانونية والحقوقية الرامية إلى عزل المستوطنات والجهات الداعمة لها، ودفع الدول التي تعترف بعدم شرعية الاستيطان إلى ترجمة مواقفها إلى إجراءات عملية. كما يشمل الضغط على الحكومات والبرلمانات والمؤسسات الدولية من أجل تقييد التعامل مع منتجات المستوطنات والشركات المتورطة في بنائها وتمويلها وتطوير بنيتها التحتية، وربط العلاقات السياسية والاقتصادية مع "إسرائيل" بمستوى التزامها بالقانون الدولي.
وتنبع أهمية هذا البديل من قدرته على استهداف البنية الداعمة للمشروع الاستيطاني، بدل الاكتفاء بإدانة نتائجه. كما يسمح بتحويل الاعترافات الدولية بدولة فلسطين والمواقف الرافضة للضم إلى التزامات عملية، من خلال مطالبة الدول بالتعامل مع الاستيطان بوصفه انتهاكًا مباشرًا لأرض دولة واقعة تحت الاحتلال، بما يستدعي إجراءات تتجاوز البيانات السياسية العامة.
محاكمة البديل
يتمتع هذا البديل بدرجة مرتفعة من المشروعية، لاستناده إلى قواعد القانون الدولي الرافضة للاستيطان والضم، وإلى حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في طلب الحماية والمساءلة. كما أن المقاطعة والعقوبات الموجهة ضد الأنشطة غير القانونية تمثل أدوات مشروعة في مواجهة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
يحظى البديل بمقبولية واسعة لدى قطاعات شعبية ومدنية فلسطينية ودولية، خاصة في ظل تنامي حضور حركات التضامن والمقاطعة حول العالم. غير أن مقبوليته الرسمية تختلف من دولة إلى أخرى، حسب طبيعة المصالح السياسية والاقتصادية التي تربط هذه الدول بـ"إسرائيل"، ومستوى استعدادها لتحمل كلفة الانتقال من الموقف السياسي إلى الإجراء العملي.
ويستند البديل إلى منطق واضح، إذ يفترض أن استمرار المشروع الاستيطاني مرتبط بانخفاض كلفته الدولية، وأن رفع هذه الكلفة قد يسهم في تقييد حركته أو إبطاء تقدمه. وتزداد معقولية هذا المسار عندما يستهدف الجهات والشركات والمؤسسات المتورطة مباشرة في الاستيطان، بدل الاكتفاء بخطاب عام ضد السياسات الإسرائيلية.
تتفاوت جدوى هذا البديل حسب مستوى التنفيذ. فعلى المستويين الشعبي والمؤسسي، تبدو فرصه أكبر لوجود شبكات تضامن ومقاطعة قادرة على العمل خارج القيود الحكومية. وأما على المستوى الرسمي، فتتوقف جدواه على قدرة الفلسطينيين وحلفائهم على دفع الحكومات إلى تبني إجراءات ملموسة، مثل حظر منتجات المستوطنات، أو تقييد التعاون مع الجهات المتورطة في مشاريع الضم والاستيطان.
فيما يوفر هذا البديل مكاسب مهمة تتمثل برفع كلفة الاستيطان سياسيًّا واقتصاديًّا، وتوسيع عزلة الجهات المنخرطة فيه، وتعزيز قدرة الفلسطينيين على تحويل الشرعية القانونية إلى ضغط عملي. في المقابل، يحتاج إلى عمل طويل النفس، وتنسيق واسع مع شبكات دولية متعددة، وقد يواجه حملات مضادة تسعى إلى تجريمه أو نزع الشرعية عنه في بعض الساحات الغربية.
التقدير العام
مفاضلة البدائل
تكشف محاكمة البدائل الأربعة أن أيًّا منها لا يكفي منفردًا لمواجهة مسار الضم الصامت، إذ يعالج كل بديل جانبًا محددًا من المشكلة السياساتية. فالمسار القانوني والدبلوماسي يعالج فجوة الشرعية والضغط الدولي، ومسار وحدة القرار يعالج فجوة التنسيق الوطني، ومسار الصمود الميداني يعالج فجوة تثبيت الوجود الفلسطيني على الأرض، بينما يستهدف مسار المقاطعة والضغط الدولي تحويل المواقف الرافضة للاستيطان إلى كلفة سياسية واقتصادية ملموسة.
وتشير المقارنة إلى أن البديل الأول يتمتع بمستوى عالٍ من المشروعية والمقبولية، لكنه يحتاج إلى أدوات ضغط تنفيذية كي يتجاوز حدود التراكم القانوني والدبلوماسي. وأما البديل الثاني فيحمل أهمية استراتيجية خاصة، لأنه يعالج إحدى أعمق نقاط الضعف الفلسطينية، غير أن جدواه ترتبط بمدى القدرة على تجاوز الانقسام أو بناء حد أدنى من التنسيق الوطني العملي. في المقابل، يمتلك البديل الثالث أثرًا مباشرًا على الأرض، لكنه يحتاج إلى مظلة سياسية وموارد مستدامة حتى يتحول من صمود دفاعي إلى سياسة وطنية منظمة. ويأتي البديل الرابع ليشكِّل أداة مهمة لرفع كلفة الاستيطان، إلا أن نتائجه تراكمية وتحتاج إلى جهد طويل النفس وشبكات ضغط دولية فعالة.
بناءً على ذلك، يتجه الترجيح إلى بناء مقاربة تكاملية تجمع بينها وفق أدوار متمايزة، لا إلى اختيار بديل واحد واستبعاد بقية البدائل. فإعادة بناء وحدة القرار الوطني تشكل الإطار الناظم، والصمود الميداني يمثل القاعدة العملية، والتدويل القانوني يوفر الغطاء الشرعي، بينما يشكل الضغط الدولي والمقاطعة رافعة لتحويل الشرعية إلى كلفة. ودون هذا التكامل ستبقى البدائل محدودة الأثر، حتى وإن امتلك كل واحد منها عناصر قوة واضحة.
ووفقًا لهذه القراءة، تبدو المقاربة الأكثر ملاءمة هي اعتماد استراتيجية فلسطينية مركبة تبدأ من تعزيز الحد الأدنى من التنسيق الوطني، وتربط الصمود الميداني بالمسارات القانونية والدبلوماسية، وتدفع في اتجاه تحويل المواقف الدولية من الإدانة إلى إجراءات عملية تستهدف المشروع الاستيطاني وبنيته الداعمة.
التوصيات
في ضوء التحولات التي يشهدها المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، والانتقال المتدرج من إدارة الاحتلال إلى مأسسة السيطرة المدنية الإسرائيلية، توصي الورقة بما يلي:
أولًا: على مستوى النظام السياسي الفلسطيني
- تطوير إطار وطني تنسيقي متخصص بمتابعة ملف الضم والاستيطان، يضم المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والجهات القانونية والحقوقية ذات العلاقة، بهدف توحيد الرؤية وتعزيز تكامل الجهود المبذولة في هذا المجال.
- إدراج مواجهة الضم الصامت أولويةً وطنيةً مستقلةً ضمن أجندة العمل الفلسطيني، بما يضمن التعامل معها بوصفها مسارًا استراتيجيًّا متواصلًا، لا كسلسلة إجراءات منفصلة أو أحداث ظرفية.
- توجيه الموارد والإمكانات المتاحة نحو المناطق الأكثر تعرضًا لخطر المصادرة والتهجير والاستيطان، مع منح أولوية خاصة للتجمعات الواقعة في المنطقة "ج"، والأغوار، ومحيط القدس.
ثانيًا: على المستوى القانوني والدبلوماسي
- تكثيف الجهود الرامية إلى توثيق إجراءات نقل الصلاحيات والتغييرات القانونية والإدارية المرتبطة بالضم الصامت، وتقديمها بوصفها أدلة على مسار متكامل يستهدف فرض السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
- البناء على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية والقرارات الدولية ذات الصلة لتوسيع نطاق المساءلة القانونية والدبلوماسية للاحتلال، وربط الأنشطة الاستيطانية بمسؤوليات قانونية وسياسية محددة.
- العمل مع الدول الصديقة والمنظمات الدولية من أجل تطوير إجراءات عملية تجاه الاستيطان، بما يشمل تقييد التعامل مع المستوطنات والجهات المتورطة في دعمها أو تمويلها.
ثالثًا: على مستوى الصمود الميداني
- تعزيز برامج حماية الأراضي ودعم التجمعات الفلسطينية المهددة بالمصادرة أو التهجير، من خلال توفير الدعم القانوني والخدماتي والاقتصادي اللازم لاستمرارها.
- تطوير آليات وطنية للتدخل السريع في مواجهة أوامر الهدم والمصادرة والتهجير، وربطها بشبكات التوثيق والمناصرة القانونية والإعلامية.
- دعم المبادرات المجتمعية والتنموية التي تسهم في تثبيت الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة، وتعزيز قدرة السكان على الصمود في مواجهة الضغوط المتزايدة.
رابعًا: على مستوى الضغط الدولي والمقاطعة
- توسيع الجهود الرامية إلى استهداف البنية الاقتصادية والمؤسساتية الداعمة للاستيطان، مع التركيز على الشركات والمؤسسات الضالعة مباشرة في مشروعات الضم والاستيطان.
- تعزيز التعاون مع شبكات التضامن والمقاطعة الدولية، وتطوير حملات تستند إلى المعطيات القانونية والحقوقية الحديثة المرتبطة بالاستيطان والضم.
- تشجيع الدول والبرلمانات والمؤسسات الدولية على الانتقال من بيانات الإدانة إلى تبني إجراءات أكثر تأثيرًا تجاه الأنشطة الاستيطانية والجهات المنخرطة فيها.
الخاتمة
لا تنفصل التحولات الجارية في الضفة الغربية المحتلة عن مشروع الحسم الصهيوني الذي يستهدف إعادة تشكيل الحيز الجغرافي والديمغرافي الفلسطيني، وتقويض مقومات الوجود الوطني الفلسطيني على الأرض. وفي هذا السياق، يتكامل الضم الصامت مع سياسات التهجير والتفكيك الجغرافي والعزل المكاني، بما يؤدي عمليًّا إلى القضاء على إمكانية قيام كيان فلسطيني موحد ومتماسك، ويُفرغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها السياسي والجغرافي.
في المقابل، يبرز التشتت الفلسطيني وضعف الاستجابة الوطنية الموحدة بوصفه التحدي الأكثر إلحاحًا في مواجهة هذه التحولات المتسارعة. فالمشروع الاستيطاني يتحرك في خطوات تدريجية ضمن مسار شامل يستثمر التحولات التي أفرزتها حرب الإبادة لتكريس وقائع جديدة على الأرض. وهو ما يستدعي الحاجة الملحة إلى بلورة خطة وطنية فلسطينية شاملة، تتناسب مع حجم التهديد القائم واستحقاقات اللحظة التاريخية، وتستثمر تنامي الوعي الدولي بحقيقة السياسات الإسرائيلية، بما يعزِّز القدرة على مواجهة مشروع الانقلاب الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، ويحد من امتداد طموحاته إلى قطاع غزة.
[1] محافظة القدس: طرح الاحتلال عطاءات بناء في منطقة (E1) إعلان حرب استعمارية يقضي على حل الدولتين، وفا، 7 يناير 2026، https://2u.pw/YBK8t8
[2] راسم خمايسي، "الأرض والتخطيط والعمران"، في دليل إسرائيل العام 2020، تحرير منير فخر الدين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021)، https://2u.pw/d28HUZ
[3] وليد حباس، "مأسسة الضم بعد 2023: 'مديرية الاستيطان' وأدوات تفكيك الوجود الفلسطيني في المنطقة المصنفة 'ج'"، تقدير موقف، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 27 فبراير/شباط 2026، https://2u.pw/VMR5Gl
[4] هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، "تقرير خاص بمناسبة الذكرى الخمسين ليوم الأرض"، بيان صحفي صادر في رام الله، 30 آذار/مارس 2026 https://www.cwrc.ps/page-4357-ar.html
[5] حركة "السلام الآن"، تقرير التوسع والاستيطان السنوي لعام 2025 في الضفة الغربية، 3 فبراير/شباط 2026، https://2u.pw/FXOoe6
[6] "الحكومة الإسرائيلية تصادق على قرار يقضي بتسهيل البناء الاستيطاني دون الحاجة لمصادقتها"، موقع الجرمق الإخباري، 18 يونيو/ حزيران 2023، https://2u.pw/j9cLOi
[7] "مشروع E1 الاستيطاني: أداة للتطهير العرقي والتفتيت الجغرافي"، ورقة تحليلية، مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، برنامج الإنتاج المعرفي، 27 أغسطس/آب 2025، https://2u.pw/NKyDFP
[8] "مأسسة الضم بعد 2023: 'مديرية الاستيطان'، مصدر سابق.
[9] محكمة العدل الدولية، الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، رأي استشاري، 19 تموز/يوليو 2024 (لاهاي: محكمة العدل الدولية).