تشهد الضفة الغربية تحولًا متسارعًا في طبيعة المشروع الاستيطاني، يتجاوز التوسع العمراني والديمغرافي نحو إعادة هندسة منظومة السيطرة على الأرض والسكان والموارد. ويقوم هذا التحول على نقل صلاحيات واسعة من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، وتوسيع دور الوزارات والهيئات الحكومية في التخطيط والبناء وتسجيل الأراضي وتطوير البنية التحتية، بما يدفع نحو دمج أجزاء واسعة من الضفة تدريجيًا في البنية الإدارية والقانونية لدولة الاحتلال.
يعكس طرح عطاءات مشروع "E1" الاستيطاني في كانون الثاني/يناير 2026 إحدى المحطات المفصلية في هذا المسار، نظرًا إلى دوره في ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس المحتلة، وفصل شمال الضفة عن جنوبها، وتقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني. ويتكامل المشروع مع توسيع شبكات الطرق الالتفافية، وتعزيز الترابط بين الكتل الاستيطانية، وانتشار البؤر الرعوية والزراعية، وتسريع تسوية الأراضي وتسجيلها تحت إشراف وزارة العدل الإسرائيلية.
وتؤكد المؤشرات الميدانية حجم هذا التحول؛ إذ بلغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، حتى آذار/مارس 2026، نحو 542 موقعًا استيطانيًا، تتوزع على 192 مستوطنة و350 بؤرة، يقطنها أكثر من 780 ألف مستوطن. كما أُنشئت أكثر من 165 بؤرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما ارتفع عدد الوحدات الاستيطانية المصادق عليها من 12,349 وحدة عام 2023 و9,884 وحدة عام 2024 إلى 27,941 وحدة عام 2025، وهو أعلى رقم مسجل منذ انطلاق المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.
تكمن خطورة هذا المسار في طبيعته التراكمية والمتدرجة؛ فهو لا يرتبط بقرار سياسي واحد يمكن مواجهته في لحظة محددة، وإنما يتشكل من إجراءات قانونية وإدارية وعقارية وجغرافية متتابعة، تنتج مع مرور الوقت واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه. ويتيح هذا النمط للاحتلال تكريس الضم الفعلي دون تحمّل الكلفة السياسية التي قد تترتب على إعلان رسمي وشامل للضم.
فجوات الاستجابة الفلسطينية
رغم الإنجازات القانونية والدبلوماسية التي حققتها القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، واتساع دائرة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، بقي تأثير هذه الإنجازات محدودًا على الوقائع الميدانية، في ظل غياب آليات دولية فاعلة لتحويلها إلى كلفة سياسية واقتصادية مباشرة على الاحتلال.
وتواصل التجمعات الفلسطينية في المنطقة "ج" والأغوار ومحيط القدس والمناطق المهددة بالاستيطان أداء دور رئيس في حماية الأرض والحفاظ على الوجود الفلسطيني. غير أن هذا الصمود يواجه تصاعد عنف المستوطنين، واتساع البؤر الاستيطانية، ومحدودية الموارد والإسناد القانوني والاقتصادي.
كما أسهم الانقسام الفلسطيني وتعدد المرجعيات وغياب استراتيجية وطنية موحدة في إبقاء الاستجابة ضمن ردود فعل متفرقة. وتكشف هذه المعطيات عن ثلاث فجوات أساسية: ضعف ترجمة الإنجازات القانونية والدبلوماسية إلى ضغط فعلي، ومحدودية إسناد الصمود الميداني وربطه بمسار وطني أشمل، وغياب إطار موحد لتنسيق الأدوات الفلسطينية المتاحة.
البدائل السياساتية
تطرح الورقة أربعة بدائل لمواجهة مسار الضم الصامت:
الأول: تعظيم مسار التدويل القانوني والدبلوماسي، من خلال تكثيف التحرك أمام الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، وتوسيع الاعترافات بدولة فلسطين، وتفعيل آليات المساءلة القانونية تجاه سلطات الاحتلال والشركات والجهات المتورطة في الاستيطان. يتمتع هذا البديل بمشروعية ومقبولية مرتفعتين، غير أن تأثيره الميداني يظل مرتبطًا باستعداد الأطراف الدولية للانتقال من المواقف القانونية إلى إجراءات ملزمة.
الثاني: إعادة بناء وحدة القرار الوطني وتطوير استراتيجية فلسطينية موحدة، عبر إيجاد إطار تنسيقي يجمع المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والمجتمع المدني والتجمعات المحلية المستهدفة. يعالج هذا البديل التشتت الفلسطيني ويوفر مظلة لتكامل الأدوات القانونية والدبلوماسية والميدانية، فيما ترتبط جدواه بمدى القدرة على بناء حد أدنى من التنسيق الوطني العملي.
الثالث: تعزيز الصمود الميداني وحماية الوجود الفلسطيني، من خلال توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر تعرضًا للمصادرة والتهجير، وتوفير الدعم القانوني والخدماتي والاقتصادي، وتطوير آليات وطنية للتدخل السريع في مواجهة أوامر الهدم والمصادرة. يمتلك هذا البديل أثرًا مباشرًا على الأرض، لكنه يحتاج إلى موارد مستدامة وإسناد سياسي وقانوني منظم.
الرابع: بناء مسار ضغط دولي ومقاطعة موجهة ضد الاستيطان، يستهدف الشركات والمؤسسات والبنية الاقتصادية الداعمة للمشروع الاستيطاني، ويدفع نحو حظر منتجات المستوطنات وتقييد التعامل مع الجهات المتورطة في تمويلها وتطويرها. يساهم هذا البديل في رفع كلفة الاستيطان، إلا أن نتائجه تراكمية وتحتاج إلى شبكات دولية فاعلة وعمل طويل النفس.
الترجيح السياساتي
تشير المفاضلة إلى محدودية قدرة أي بديل منفرد على مواجهة مشروع الضم الصامت. وعليه، ترجح الورقة اعتماد استراتيجية فلسطينية مركبة، تشكل فيها وحدة القرار الوطني الإطار الناظم، والصمود الميداني القاعدة العملية، والتدويل القانوني الغطاء الشرعي، فيما يؤدي الضغط الدولي والمقاطعة دور الرافعة التي تحوّل الشرعية القانونية إلى كلفة سياسية واقتصادية.
تبدأ هذه الاستراتيجية ببناء الحد الأدنى من التنسيق الوطني حول ملف الضم والاستيطان، وتحديد المناطق ذات الأولوية، وربط جهود حماية الأرض بالمسارات القانونية والدبلوماسية والإعلامية، والدفع نحو تحويل المواقف الدولية الرافضة للاستيطان إلى إجراءات تستهدف المشروع الاستيطاني وبنيته الداعمة.
التوصيات الرئيسية
- إنشاء إطار وطني تنسيقي متخصص بمتابعة الضم والاستيطان، يضم المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والجهات القانونية والحقوقية ذات العلاقة.
- إدراج مواجهة الضم الصامت بوصفها أولوية وطنية مستقلة، والتعامل معها باعتبارها مسارًا استراتيجيًا متواصلًا.
- توجيه الموارد نحو التجمعات الأكثر تعرضًا للمصادرة والتهجير، خاصة في المنطقة "ج" والأغوار ومحيط القدس.
- تطوير آلية وطنية للتدخل السريع في مواجهة أوامر الهدم والمصادرة والتهجير، وربطها بشبكات التوثيق والمناصرة القانونية والإعلامية.
- توثيق عمليات نقل الصلاحيات والتغييرات القانونية والإدارية الإسرائيلية، وتقديمها أمام المؤسسات الدولية بوصفها أدلة على مسار متكامل لفرض السيادة الإسرائيلية.
- البناء على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية والقرارات ذات الصلة لتوسيع نطاق المساءلة القانونية والسياسية للاحتلال.
- دفع الدول الصديقة والبرلمانات والمؤسسات الدولية إلى تقييد التعامل مع المستوطنات والشركات والمؤسسات المتورطة في دعمها وتمويلها.
- تعزيز التعاون مع شبكات التضامن والمقاطعة الدولية، وتطوير حملات موجهة تستهدف البنية الاقتصادية والمؤسساتية للمشروع الاستيطاني.
تخلص الورقة إلى أن مواجهة الانقلاب الاستيطاني تتطلب الانتقال من الاستجابات المتفرقة إلى خطة وطنية متكاملة، تجمع حماية الوجود الفلسطيني على الأرض، وتوحيد الجهد السياسي، وتفعيل الأدوات القانونية والدبلوماسية، ورفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للاستيطان. ويكتسب هذا التحول طابعًا ملحًا في ظل تسارع الإجراءات الهادفة إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض إمكانية قيام كيان فلسطيني موحد ومتماسك، وامتداد مشروع الحسم الصهيوني من الضفة الغربية والقدس نحو قطاع غزة.
مرفق ورقة تحليل السياسات كاملة: