الرئيسية| تقدير موقف| تفاصيل الخبر

إحلال إداري وخدماتي متدرج

تقدير استراتيجي من بوّابة الحرم الإبراهيمي.. كيف يرسم الاحتلال مشروع الضمّ في الخليل؟

12:27 م،12 يناير 2026

برنامج الإنتاج المعرفي

تمثل مدينة الخليل، بمركزها التاريخي المتمثل في الحرم الإبراهيمي الشريف والبلدة القديمة، مختبرًا حيًا لسياسات الفصل المكاني والضمّ الإداري التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. وفي هذا السياق، تهدف ورقة التقدير الاستراتيجي الصادرة عن مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي إلى تفكيك المسار الذي يتبعه الاحتلال في إحكام السيطرة على مدينة الخليل، انطلاقًا من الحرم الإبراهيمي بوصفه مدخلًا مركزيًا لإعادة تشكيل المدينة ومحيطها العمراني والسيادي.

وتنطلق الورقة من قراءة الأهمية المركّبة لمدينة الخليل، باعتبارها ذات ثقل ديني خاص في الرؤية الصهيونية، وبوابة جنوب الضفة الغربية باتجاه الداخل المحتل، ما يجعلها هدفًا مركزيًا في مشاريع الضمّ الإسرائيلية. وتتناول التحولات التي شهدتها المدينة خلال العامين الماضيين، في ظل تصعيد استيطاني ممنهج، تُوّج بقرار أحادي في اليوم الأخير من العام الماضي، قضى بسحب صلاحيات التنظيم والبناء من بلدية الخليل في نطاق الحرم الإبراهيمي، وتحويلها إلى لجنة تخطيط وترخيص تابعة للإدارة المدنية في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وتخلص الورقة إلى أن هذا القرار يشكّل عمليًا إنهاءً لبروتوكول الخليل لعام 1997، ويمثل نقطة تحوّل في مسار تحويل الحرم الإبراهيمي والمنطقة المصنّفة H2 إلى منطقة خاضعة بالكامل لولاية المؤسسات الاستيطانية. كما تضع هذه التطورات في سياق مسار ممتد على مدار العقود الثلاثة الماضية، عملت خلاله سلطات الاحتلال على فرض سيطرتها على الحرم الإبراهيمي ومحيطه، بما في ذلك المناطق المصنفة H2، التي تزيد مساحتها عن 20% من مدينة الخليل، وتحويلها إلى نموذج تطبيقي لمشروع ضمّ الضفة الغربية.

  1. كيف يسحب الاحتلال الصلاحيات الفلسطينية في البلدة القديمة بالخليل؟

بموجب البروتوكول الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال، قُسمت الخليل إلى منطقتين أساسيتين: منطقة (H1) التي تشكل نحو 80% من مساحة المدينة وتخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، ومنطقة (H2) التي تشمل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، حيث احتفظ الاحتلال بالسيطرة الأمنية المطلقة مع نقل الصلاحيات المدنية والخدماتية للجانب الفلسطيني "بلدية الخليل، ولجنة إعمار الخليل، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية".

نصت المادة السابعة من الملحق الأول لاتفاقية الخليل صراحة على أن بلدية الخليل هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تقديم الخدمات البلدية لكافة أجزاء المدينة، بما في ذلك المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية. وشمل ذلك خدمات المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، وجمع النفايات، والإشراف الفني على المباني التاريخية. إلا أن ما يجري اليوم هو "إعدام" تدريجي لهذا النص القانوني عبر نقل هذه الصلاحيات تباعًا إلى "مجلس مستوطنات الخليل" و"الإدارة المدنية" و"مجلس الأديان في مستوطنة كريات أربع". وبالتالي باتت الجهات الفلسطينية بلا أيّ صلاحية في المناطق الفلسطينية.

اتخذت سلطات الاحتلال سلسلة إجراءات وقرارات في العامين الماضيين قوّضت الصلاحيات الفلسطينية، لصالح مجلس مستوطنات الخليل، ومن شأن هذه التغييرات فرض حالة التهويد في الخليل القديمة والحرم الإبراهيمي، ومن أبرزها:

أولًا: زيادة أعداد العوائق الحركية والحواجز المتمثّلة بالمكعبات الإسمنتية، والبوابات الحديدية، والأسلاك الشائكة، إلى نحو 120 عائقًا حركيًا في مناطق H2 بعد أن كانوا قرابة 70 عائقًا منتصف عام 2023.

ثانيًا: تحديد أوقات دخول السكّان وخروجهم عبر الحواجز في مناطق H2 المعروفة بالمناطق المغلقة والتي يسكنها أكثر من 4 آلاف فلسطيني، إلى جانب منع الحركة والدخول والخروج من المنازل في يومي الجمعة والسبت.

ثالثًا: شدّدت سلطات الاحتلال على قيود الدخول إلى الحرم الإبراهيمي ومنعت خلال أشهر طويلة من عام 2024 من هم أعمارهم دون الـ 23 من دخول إلى الحرم.

رابعًا: عمد مجلس مستوطنات الخليل على إضافة لافتات تحمل مسمّيات عبرية للأحياء الفلسطينية، بهدف تغيير معالم المدينة التاريخية، في حين جرى تغيير بعض المسميات للأحياء الفلسطينية مثل حيّ "تل الرميدة" التي بات يطلق عليه "الحيّ اليهودي".

هذه الخطوات كلّها بدأت بشكل تدريجي، ومتسارع في ذات الوقت. لكنها لم تكن كافية لدى الاحتلال لفرض سيطرته على الحرم، بحيث كانت هذه الإجراءات في إطار القيود والانتهاكات بحقّ السكّان. لكنّ مع منتصف عام 2024 بدأت سلطات الاحتلال سلسلة إجراءات من خلالها تمّ سحب صلاحيات بلدية الخليل في محيط الحرم الإبراهيمي، تمهيدًا للوصول إلى سحب الصلاحيات منه داخله.

ويوضح الجدول التالي سلسلة الإجراءات التي اتبعها الاحتلال في السيطرة على الحرم ومحيطه عبر سحب الصلاحيات من بلدية الخليل:

 

الشهر

شكل الانتهاك وسحب الصلاحيات

الأثر الميداني

مارس

تركيب مكيفات هوائية في منطقة اليوسفية، ونزع شبابيك قديمة من الحرم الإبراهيمي

تغيير معالم الحرم التاريخية وخاصّة الإسلامية

يونيو

إخطارات بناء فوق مبانٍ تابعة للبلدية في منطقة "الحسبة" التاريخية

إلغاء حقوق الملكية الفلسطينية في منطقة الحسبة التابعة لبلدية الخليل

يوليو

محاولات أولية لسقف "صحن الحرم" لم تستمر بفعل ردّة الفعل الفلسطينية آنذاك عبر الدعوات لشدّ الرحال للحرم الإبراهيمي

جس نبض للموقف الفلسطيني

أغسطس

منع دخول صهاريج المياه التابعة للبلدية إلى سكان الأحياء المغلقة وخاصة شارع الشهداء

ممارسة سياسة التهجير عبر التعطيش

أكتوبر

إغلاق المسجد وقت صلاة الجمعة في سابقة من نوعها دون أيّ مبرر

تقويض الصلاحيات الإدارية لإدارة الحرم الإبراهيمي التابعة للأوقاف ومنع لسدنة من الدخول

نوفمبر

حفريات في منتزه البلدية المجاور للحرم الإبراهيمي والذي توجد فيه (غرفة الكهرباء) المزوّدة للحرم بكلّ مرافقه

تأمين أحمال كهربائية للقسم المستولى عليه من الحرم وذلك للإنارة وتشغيل مصعد استيطاني.

 

هذه الإجراءات كلّها اعتبرت سحبًا لصلاحيات بلدية الخليل إلى جانب إجراءات عديدة أخرى، كان من أبرزها ما جرى منتصف عام 2024، حين بدأ الاحتلال منع عمال بلدية الخليل من الدخول إلى الأحياء المغلقة لجمع النفايات. وفي خطوة تمثل انتهاكاً صارخاً لبروتوكول 1997، قام "مجلس مستوطنات الخليل" بوضع حاويات تابعة له وبدأ عماله بجمع النفايات، في محاولة لفرض واقع إداري جديد مفاده أن المستوطنين هم "أصحاب الولاية" في هذه الأحياء. كما عمد مجلس المستوطنات إلى أعمال تعبيد للطرقات في الأحياء المغلقة رغم أنها من صلاحيات بلدية الخليل حصرًا.

أما في عام 2025 مرّت الصلاحيات الفلسطينية بمرحلة من الضياع أمام التغوّل الإسرائيلي الواسع، وكانت على النحو التالي:

أولاً: تجريد وزارة الأوقاف من صلاحياتها الدينية

بدأ عام 2025 بقرار خطير يمنع تسليم الحرم الإبراهيمي لوزارة الأوقاف في المناسبات الدينية العشر التي يُفتح فيها المسجد بكامله للمسلمين، بحيث أقرّت اتفاقية الخليل ما صدر عن قرارات لجنة شمغار 1994، والتي تنصّ على أن للمسلمين حقّ التصرف بالحرم بالكامل في 10 أيام من السنة خلال مناسبات دينية، وأخرى لليهود في مناسباتهم الدينية. وفي سابقة من نوعها، امتنع الاحتلال عن تسليم "مصلى الجاولية" (في القسم الشرقي من الحرم) للمسلمين، مما كشف عن مخطط لإبقاء هذا القسم تحت سيطرة المستوطنين بشكل دائم.

وفي أبريل 2025، وصلت إجراءات التصعيد الإسرائيلية إلى حد وضع أقفال على أبواب المقامات الدينية وغرف الأذان وغرفة السدنة، وسحب المفاتيح من الموظفين التابعين للأوقاف، مما حول السيادة الإسلامية على إدارة المسجد إلى سيادة شكلية بلا أقفال وبلا قدرة على التحكم في الدخول والخروج، واستبدلت الأقفال التاريخية بأقفال إسرائيلية.

ثانياً: الاستيلاء على مبنى "السرايا" وهدم سوق "الحسبة"

ويعد مبنى "السرايا" الواقع في الجهة الشرقية من الحرم معلماً تاريخياً هاماً، وكان مؤجراً لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. في عام 2025، استولت سلطات الاحتلال على هذا المبنى، في إشارة واضحة لاستراتيجية السيطرة على المباني المحيطة بالحرم لتطويقه بحزام استيطاني.

أما الحدث الأبرز فكان في نوفمبر 2025، حين أُعلن عن المخطط التفصيلي لهدم سوق "الحسبة" القديم التابع لبلدية الخليل وبناء مشروع سكني استيطاني ضخم. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى إسكان المستوطنين، بل إلى قطع التواصل الجغرافي بين أحياء البلدة القديمة، وتخصيص مساحات لبناء 63 وحدة سكنية وكنيس يهودي على مساحة 12,500 متر مربع في المنطقة، في ظل وضع بيوت متنقلة (كرفانات) بجوار مسجد السنية في البلدة القديمة.

ثالثاً: نقل الصلاحيات إلى المجلس الديني اليهودي في كريات أربع

في يوليو 2025، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قرار سري يقضي بنقل صلاحيات الإشراف على الحرم الإبراهيمي من وزارة الأوقاف الفلسطينية وبلدية الخليل إلى المجلس الديني اليهودي في مستوطنة كريات أربع. هذا القرار يُعد إعلان وفاة لاتفاقية الخليل لعام 1997، حيث يتم لأول مرة نقل صلاحيات مؤسسة رسمية تابعة للدولة الفلسطينية إلى مجلس ديني استيطاني محلي، وهو ما يكرس نظام الأبارتهايد الإداري ويمنح المستوطنين سلطة مباشرة على إدارة الحرم.

وفي العامين الماضيين، مرّت الخليل بمرحلة من التحولات في السيطرة الاستيطانية، لا يمكن اختزالها في مجرد إجراءات تحت إطار "تحسينات خدماتية" كما تروج لها الإدارة المدنية الإسرائيلية، بل هي في جوهرها عملية "انقلاب إداري على بلدية الخليل، وضمّ فعلي لقلب المدينة التاريخي، عبر إجراءات متكاملة تهدف إلى اجتثاث مفاعيل بروتوكول الخليل لعام 1997 وتحويل الصلاحيات المدنية والخدماتية من المؤسسات الفلسطينية الشرعية إلى مجالس استيطانية وهياكل عسكرية تابعة للاحتلال".

رابعاً: اعتقال رئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة

أقدمت قوات الاحتلال في سبتمبر 2025 على اعتقال رئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة متعمدة ضمن مخطط يهدف إلى إضعاف المؤسسات التمثيلية الفلسطينية. جاء هذا الاعتقال في توقيت بالغ الحساسية، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى تشتيت الجهد الفلسطيني ومنع المؤسسة البلدية من قيادة التحرك الشعبي والقانوني ضد قرارات سحب الصلاحيات، مما يعكس استراتيجية واضحة لإقصاء أي دور رسمي فلسطيني في إدارة المدينة وإحلال المؤسسات الاستيطانية مكانها.

بعد ذلك كله، وصل التصعيد الإسرائيلي ذروته مع قبل مطلع عام 2026 بيوم واحد، حيث انتقل الاحتلال من مرحلة نقل الصلاحيات إلى مرحلة التنفيذ الإنشائي القسري في أكثر المواقع حساسية داخل الحرم الإبراهيمي، وهو الصحن أو الباحة الداخلية المكشوفة.

ومن خلال رسالة وصلت عبر تطبيق واتساب لمدير الحرم معتز أبو سنينة في وقت متأخر من مساء الأربعاء (31 من ديسمبر 2025) أبلغت الرسالة مدير الحرم بشكل رسمي أن هناك قرار إسرائيلي يقضي بسحب صلاحيات التنظيم والبناء من بلدية الخليل وتحويلها إلى لجنة تخطيط وترخيص تابعة لجيش الاحتلال، في منطقة "الصحن".

هذا القرار يعني عملياً:

- إلغاء دور بلدية الخليل الفني والخدماتي في الحرم.

- تمهيد الطريق لمنح تراخيص بناء لمشاريع تهويدية تتجاوز صلاحيات البلدية.

- منح الشرعية القانونية الإسرائيلية لمشروع تسقيف صحن الحرم الذي كان معطلاً بسبب المداولات القضائية التي قدّمت البلدية خلالها اعتراضات منذ شهر سبتمبر 2025.

ويتعلق ملف سقف صحن الحرم، بمحاولة الاحتلال استملاك مساحة تبلغ 288 متراً مربعاً من ساحة الصحن بذريعة المنفعة العامة. الهدف هو تغطية هذه المساحة بألواح معدنية لخلق بيئة صلاة للمستوطنين طوال العام، مما يعني تحويل الباحة الإسلامية المفتوحة إلى قاعة صلاة مغلقة تابعة للكنيس اليهودي المفروض في الحرم، وتغيير شكله التاريخي الإسلامي.

وبالتالي، فإن هذا القرار، إلى جانب ما حدث في الخليل بين عامي 2024 و2025 يمثل أخطر مرحلة تمر بها المدينة منذ عام 1967. فقد شكّل قرار سحب الصلاحيات خطوةً عملية نحو مشروع "ضمّ الخليل" بشكل كامل.

  1. تحليل استراتيجية الإحلال الإداري والخدماتي المتدرج:

المسار الذي اتبعه الاحتلال خلال هذه الفترة يكشف عن استراتيجية إحلال إداري وخدماتي متكاملة في الحرم ومحيطه، هدفها إنهاء أي دور فعلي للمؤسسات الفلسطينية الرسمية، سواء البلدية أو الأوقاف، وتحويلها إلى واجهات شكلية بلا صلاحيات. هذا التحول لا يقتصر على الحرم الإبراهيمي وحده، بل يمتد إلى محيطه العمراني والاجتماعي في الأحياء التاريخية، حيث يُتوقع أن تُسحب تدريجياً صلاحيات الترميم والخدمات من البلدية ولجنة إعمار الخليل في البلدة القديمة، بما يؤدي إلى تهجير صامت للسكان الفلسطينيين تحت ضغط انعدام الخدمات وتقييد الحركة.

وتقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على ركائز مترابطة في الخليل خلال العامين الماضيين، وهي:

تجريد الشرعية: عبر تصوير بلدية الخليل كمؤسسة تعطل التطوير في الحرم الإبراهيمي، بحيث ترفض البلدية مشاريع إسرائيلية تهويدية، في المقابل تنفّذها سلطات الاحتلال بحجّة "المنفعة العامة".

خلق الهياكل الموازية: من خلال تقوية مجلس مستوطنات الخليل ومنحه ميزانيات وصلاحيات خدمية كجمع النفايات وتعبيد الطرق وصيانة الكهرباء، ليصبح هو البلدية الفعلية للمنطقة.

السيادة التدريجية: السيطرة على عناصر متفرقة مثل غرفة كهرباء أو سقف ساحة أو مبنى تاريخي، بحيث يجد الفلسطيني نفسه في النهاية محصوراً بحق الصلاة فقط في مساحات تتقلص باستمرار، دون أي ولاية إدارية أو فنية، تمهيدًا لحرمانه من الحرم كاملًا.

الاستقواء بالتحولات السياسية: استغلال وجود حكومة يمينية متطرفة أعلنت صراحة نيتها فرض السيادة على الضفة، واعتبار الخليل حجر الزاوية في هذا المشروع.

  1. التقديرات المستقبلية:

- على مستوى الحرم الإبراهيمي: من المرجح أن يستمر الاحتلال في مشروع تسقيف الصحن وتحويله إلى قاعة مغلقة، بما يكرس هوية معمارية يهودية جديدة للمكان، ويجعل الدور الإسلامي فيه شكلياً ومقيداً، وأن تظهر قرارات تهويدية جديدة في الحرم. خاصة في القسم الشرقي منه.

- على مستوى بلدية الخليل: ستواجه البلدية مزيداً من التهميش، حيث ستُسحب منها صلاحيات إضافية في مجالات التنظيم والبناء والخدمات، لتصبح عاجزة عن ممارسة أي دور سيادي في المنطقة H2.

- على مستوى الأوقاف: سيقتصر دورها على إدارة محدودة في القسم الإسلامي، بينما تُنقل الصلاحيات الجوهرية إلى مؤسسات دينية استيطانية مثل المجلس الديني في كريات أربع الذي سيحدد المسموح والممنوع القيام به داخل الحرم.

- على مستوى الرؤية الإسرائيلية المستقبلية: يسعى الاحتلال إلى فرض واقع جديد يجعل الحرم الإبراهيمي موقعاً قومياً يهودياً خالصاً، محاطاً بحزام استيطاني، بحيث يصبح الوجود الفلسطيني فيه مجرد زيارة مشروطة بقرار أمني، ويُحوَّل محيطه العمراني إلى فضاء خاضع بالكامل لسلطة المستوطنين والإدارة المدنية وسط توسيع البؤر الاستيطانية الخمسة المحيطة به وربطها مع مستوطنتهم الأم "كريات أربع".

خلاصة:

تؤشر هذه الإجراءات المتدرجة والإحلالية إلى سعي الاحتلال لفرض هيمنة كاملة على الحرم الإبراهيمي، بوصفه مدخلًا للسيطرة على قلب مدينة الخليل. ولا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن استراتيجية إحلال إداري وخدماتي ممنهجة، حوّلت السيطرة من إجراء أمني مؤقت إلى مسار ضمّ فعلي طويل الأمد، يبدأ بالحرم الإبراهيمي ولا ينتهي عند حدوده. فالمشروع لا يستهدف الاستحواذ على الإرث الديني والتاريخي للحرم وتجريده من رمزيته الفلسطينية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إخضاع مدينة الخليل بأكملها، عبر الحرم بوصفه بوابة مركزية للضم والسيطرة.

ويُفضي هذا النهج، تدريجيًا، إلى سحب الصلاحيات المدنية والسلطوية الفلسطينية في المدينة، بما فيها صلاحيات الحكم المحلي الواقعة ضمن نطاق عمل بلدية الخليل، وتحويل المؤسسات الرسمية الفلسطينية إلى أطر شكلية بلا ولاية فعلية. وفي محصلته النهائية، يعني هذا المسار الإجهاز الكامل على أي حضور أو سيطرة رسمية فلسطينية في مدينة الخليل، بكل أبعادها السياسية والإدارية والرمزية، وفرض واقع سيادي إسرائيلي جديد يعيد تشكيل المدينة وهويتها ومستقبلها.