شهدت منظومة السجون الإسرائيلية خلال حرب الإبادة على قطاع غزة تحولات عميقة، أعادت تعريف موقعها ووظيفتها ضمن بنية الصراع. فمع التصاعد الكبير في أعداد المعتقلين الفلسطينيين، وتوسّع استخدام أدوات استثنائية مثل الاعتقال الإداري وتصنيفات قانونية جديدة، برزت ملامح انتقال نوعي يتجاوز إدارة الأسرى إلى توظيف الاعتقال كأحد مسارات الحرب نفسها.
في هذا السياق، تداخلت الأبعاد القانونية والإدارية والميدانية لإعادة تشكيل بيئة السجون، عبر سياسات طالت تفاصيل الحياة اليومية للمعتقلين، وترافقت مع إنشاء فضاءات احتجاز جديدة ذات طابع استثنائي، خصوصًا لمعتقلي قطاع غزة. ويعكس هذا المسار توجّهًا نحو دمج السجون ضمن منظومة أوسع لإدارة العدوان، بحيث تتحول إلى أداة فاعلة في إنتاج الضغط والإخضاع على نحو مستمر.
انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة من إعداد برنامج الإنتاج المعرفي في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الإستراتيجي، إلى تحليل التحول البنيوي في نظام الاعتقال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة، من خلال تفكيك مستوياته القانونية والوظيفية والمكانية، وقراءة دلالاته في سياق إعادة توظيف السجون كأحد مكونات إدارة الصراع.
المحور الأول: الإطار الكمي ودلالاته
تعكس المؤشرات الكمية المرتبطة بواقع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026 تحولات لافتة، تتجاوز حدود الزيادة العددية إلى دلالات أعمق تتصل بطبيعة وظيفة الاعتقال وأهدافه. فقد شهدت هذه الفترة ارتفاعًا متسارعًا في أعداد الأسرى، حيث انتقل العدد من نحو 8800 أسير عام 2023 إلى أكثر من 10400 في عام 2024، ثم إلى ما يقارب 11100 أسير خلال عام 2025، قبل أن يستقر عند أكثر من 9600 أسير مع بداية نيسان/أبريل 2026، وفق المعطيات التي تمكنت مؤسسات الأسرى من توثيقها.
يحمل هذا التذبذب في الأرقام، رغم ارتفاعه العام، دلالة تتجاوز مسألة "الضغط العددي"، إذ يعكس نمطًا ديناميكيًا يرتبط بموجات الاعتقال الجماعي المرتبطة بالتطورات الميدانية، خصوصًا بعد اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة. فالأعداد لا تعبّر فقط عن حجم الاعتقال، وإنما عن استخدامه كأداة مرنة تُوظّف وفق متطلبات السيطرة الأمنية وإدارة المجتمع الفلسطيني في لحظات التصعيد.
وتبرز دلالة أكثر وضوحًا عند التوقف أمام بنية هذه الأعداد، حيث يشكّل المعتقلون الإداريون نسبة مرتفعة وصلت إلى 3532 معتقلًا، وهو الرقم الأعلى مقارنة بالفئات الأخرى من الأسرى، ما يعكس توسعًا في استخدام الاعتقال الإداري كأداة مركزية، بما يعني توسيع دائرة الاحتجاز خارج الأطر القضائية التقليدية، وإضعاف العلاقة بين الاعتقال والإجراءات القانونية، لصالح نموذج قائم على الاحتجاز الوقائي المفتوح زمنيًا.
في السياق ذاته، يبرز تصنيف "المقاتلين غير الشرعيين" كأحد أهم التحولات الكمية ذات البعد النوعي، حيث بلغ عدد المعتقلين ضمن هذه الفئة 1251 معتقلًا، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم لا يشمل كافة معتقلي قطاع غزة المحتجزين في معسكرات الجيش. وتكمن أهمية هذا التصنيف في كونه لا يضيف فئة عددية جديدة فحسب، وإنما يعيد تعريف الأساس القانوني للاعتقال، عبر إخراج شريحة واسعة من المعتقلين من منظومة الحماية التي تفرضها القوانين الدولية على أسرى الحرب.
كما تُظهر المعطيات المتعلقة بالفئات الأكثر هشاشة كالنساء والأطفال، امتداد هذا النمط من التوسع، حيث بلغ عدد الأسيرات 84 أسيرة، في حين وصل عدد الأطفال المعتقلين إلى نحو 350 طفلًا، محتجزين في سجون مركزية مثل مجدو وعوفر، إذ تشير هذه الأرقام إلى اتساع نطاق الاستهداف ليشمل فئات غير تقليدية في سياق الاعتقال، بما يعزز من طابع الاعتقال كأداة ضبط مجتمعي تتجاوز البعد الأمني المباشر.
وتكشف هذه المؤشرات الكمية عن تحول في وظيفة الاعتقال من أداة تستهدف أفرادًا محددين ضمن سياق أمني، إلى أداة ذات طابع جماعي تُستخدم لإدارة الكتلة السكانية الفلسطينية في سياق الحرب، ويعزز هذا التحول من مركزية السجون ضمن بنية السيطرة الإسرائيلية، بوصفها فضاءً مكمّلًا للميدان، وأداة فاعلة في إعادة تشكيل التوازنات الاجتماعية والنفسية تحت ضغط الاعتقال واسع النطاق.
المحور الثاني: ما قبل الإبادة – التراكم التأسيسي للتحول
تُظهر المعطيات المرتبطة بالنصف الأول من عام 2023 أن التحولات التي شهدها نظام الاعتقال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة استندت إلى مسار تصاعدي سابق تبلورت خلاله ملامح إعادة تشكيل العلاقة بين منظومة السجون والسياسات الأمنية للاحتلال. فقد شهدت تلك الفترة ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة الاعتقالات والانتهاكات المصاحبة لها، حيث بلغ عدد حالات الاعتقال نحو 3866 حالة، تركزت بشكل خاص في المناطق التي تصاعد فيها النشاط المقاوم، مع تسجيل حضور لافت لاعتقال الأطفال والنساء.
غير أن الدلالة الأبرز تكمن في طبيعة الانتهاكات التي رافقت عمليات الاعتقال، والتي اتخذت منحى أكثر عنفًا وتنظيمًا، فقد شملت هذه الانتهاكات إطلاق النار المباشر على المواطنين قبل اعتقالهم، واعتقال جرحى بعد إصابتهم، إلى جانب تصاعد استخدام سياسات العقاب الجماعي، التي استهدفت عائلات الأسرى والمطلوبين عبر الاقتحامات المتكررة وهدم المنازل، بما يعكس توجّهًا نحو توسيع دائرة الاستهداف لتشمل البيئة الاجتماعية المحيطة بالمعتقل.
وفي السياق ذاته، برز الاعتقال الإداري كأداة مركزية ضمن هذه المرحلة، حيث بلغ عدد أوامر الاعتقال الإداري في النصف الأول من عام 2023 نحو 1608 أوامر، توزعت بين أوامر جديدة وأخرى لتجديد الاعتقال، فيما وصل عدد المعتقلين الإداريين إلى 1132 أسيرًا، ما عكس ترسيخ استخدام الاعتقال الإداري كنمط احتجاز قائم على تغييب الإجراءات القضائية الفعلية، وإبقاء المعتقل في حالة قانونية معلّقة، بما يمنح السلطات مساحة أوسع للتحكم بمصير الأفراد خارج قيود المحاكمة التقليدية.
كما أسهمت المحاكم العسكرية في تكريس هذا المسار، من خلال دورها في إضفاء طابع إجرائي على قرارات الاعتقال الإداري، في ظل بيئة قضائية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وقد واجه الأسرى هذه السياسات بمحاولات احتجاج، من بينها مقاطعة عدد من المعتقلين الإداريين للمحاكم، في سياق سعيهم لنزع الشرعية عن هذه المنظومة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة التحول الجاري في بنية الاعتقال.
إلى جانب ذلك، شهدت هذه المرحلة تسارعًا في سنّ تشريعات وسياسات تمس مباشرة حقوق الأسرى وعائلاتهم، شملت مشاريع قوانين تتعلق بسحب الجنسية أو الإقامة، وحرمان الأسرى من بعض أشكال العلاج، وربط حقوقهم بمحددات سياسية وأمنية، بما يعزز من إدماج البعد القانوني ضمن منظومة الضغط على الأسرى وبيئتهم الاجتماعية.
في ضوء ذلك، يمكن قراءة مرحلة ما قبل حرب الإبادة بوصفها مرحلة تأسيسية، تبلورت خلالها الأدوات التي سيجري توسيع نطاق استخدامها لاحقًا. فقد تشكّلت في هذه المرحلة ملامح انتقال تدريجي نحو توظيف الاعتقال كأداة متعددة الأبعاد، تجمع بين الضغط الأمني، والتأثير الاجتماعي، وإعادة تشكيل البيئة القانونية، وهو ما مهّد لاندماج السجون بشكل أعمق ضمن استراتيجية العدوان الشامل، وتحولها إلى أحد مسارات إدارة الصراع على نحو أكثر شمولًا.
المحور الثالث: التحول البنيوي خلال حرب الإبادة – المستوى القانوني
شكّلت حرب الإبادة على قطاع غزة لحظة مفصلية في إعادة صياغة الإطار القانوني الذي يحكم منظومة الاعتقال الإسرائيلية، حيث اتجهت سلطات الاحتلال نحو تسريع وتوسيع استخدام التشريعات كأداة مركزية لإعادة تعريف العلاقة بين المعتقل الفلسطيني والنظام القضائي، وتجلّى هذا المسار في سنّ حزمة من القوانين والإجراءات التي مست بشكل مباشر جوهر الضمانات القانونية، وأعادت تشكيل مفهوم العدالة ضمن سياق أمني–سياسي أكثر تشددًا.
في هذا السياق، برزت تشريعات هدفت إلى تقويض الحق في الدفاع القانوني، من خلال تحميل أموال المقاصة الفلسطينية تكاليف تمثيل المعتقلين أمام المحاكم، بما يحوّل حق الدفاع إلى عبء مالي يُفرض على الطرف الفلسطيني ذاته، ويعكس تحول جديد في وظيفة القانون والمحاكمات الإسرائيلية الغير شرعية، لتُشكل أيضًا أداة لإعادة توزيع كلفة الاعتقال سياسيًا واقتصاديًا، بما يوسع من دائرة الضغط خارج حدود السجن.
بالتوازي، اتخذت التشريعات منحى أكثر حدّة مع إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي نصّ على فرض عقوبة الإعدام على من يُدان بتنفيذ عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين، مع تقييد إمكانية العفو أو تخفيف الحكم، وتحديد آليات تنفيذ ملزمة خلال فترة زمنية قصيرة. وتكمن خطورة هذا القانون في كونه يعيد تعريف منظومة العقوبات الانتقامية الإسرائيلية ضمن سياق يتداخل فيه التكييف القانوني مع الرغبة في الردع السياسي، بما يعزز من حضور البعد الانتقامي داخل البنية التشريعية.
كما رافق هذا التحول توسّع في استخدام تصنيفات قانونية استثنائية، على رأسها تصنيف "المقاتل غير الشرعي"، الذي أُعيد تفعيله وتوسيعه ليشمل شريحة واسعة من معتقلي قطاع غزة، بما يتيح احتجازهم خارج الإطار القانوني الذي توفره اتفاقيات جنيف لأسرى الحرب. ويمنح هذا التصنيف سلطات الاحتلال مساحة أوسع للتحكم بمصير المعتقلين، عبر تقليص إمكانية الطعن القانوني في احتجازهم، وتقييد حقوقهم الأساسية المرتبطة بالمحاكمة والتمثيل القانوني.
وفي سياق متصل، ساهمت المحاكم العسكرية في تثبيت هذا المسار من خلال دورها في إضفاء الطابع الإجرائي على هذه التشريعات، ضمن بيئة قضائية شكلية المظهر، احتلالية الجوهر تتيح تمرير قرارات ذات طابع استثنائي بسرعة عالية، كما يظهر في تجاوز عدد كبير من التحفظات البرلمانية خلال إقرار بعض القوانين، الأمر الذي يعكس تراجعًا في معايير النقاش القانوني لصالح اعتبارات أمنية وسياسية طارئة.
وتكشف هذه التحولات عن إعادة توظيف القانون ضمن منظومة الحرب، بحيث يغدو أداة لإعادة تشكيل موقع الأسير داخل البنية القانونية، وتقليص المساحات التي يمكن أن توفر له حماية أو إمكانية للمساءلة. ويعزز هذا المسار من اندماج الإطار القانوني في الاستراتيجية العامة للاحتلال، بوصفه أحد مكونات إدارة الصراع، وليس مجرد إطار تنظيمي منفصل عنه.
المحور الرابع: التحول البنيوي خلال حرب الإبادة – المستوى الوظيفي للسجون
تُظهر التحولات التي شهدتها الحياة اليومية داخل سجون الاحتلال خلال حرب الإبادة على قطاع غزة انتقالًا واضحًا نحو إعادة تعريف وظيفة السجن بوصفه بيئة منظمة لإنتاج الإكراه المستمر، عبر التحكم المنهجي في تفاصيل الحياة الأساسية للأسرى، وتجلّى هذا التحول في سلسلة من الإجراءات التي استهدفت تقليص الحقوق اليومية، وإعادة ضبط الروتين الاعتقالي بما يخدم أهدافًا تتجاوز مجرد الاحتجاز.
في هذا السياق، برزت سياسات تقليص الاحتياجات الأساسية كأحد أبرز أدوات التحكم، حيث جرى خفض كميات الطعام المقدمة للأسرى إلى مستويات متدنية، مع تراجع واضح في جودته، وانعدام شبه كامل للمواد الطازجة، بما يعكس استخدام الغذاء كأداة ضغط داخل السجن. كما طالت القيود إمدادات المياه، ونوعية الخبز، إلى جانب تقييد الوصول إلى المرافق الأساسية، الأمر الذي أعاد تشكيل العلاقة بين الأسير واحتياجاته اليومية ضمن بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
بالتوازي، شهدت السجون تشديدًا ملحوظًا على حركة الأسرى وأنشطتهم اليومية، حيث جرى تقليص الخروج إلى الساحات إلى حدود زمنية ضيقة، وإلغاء العديد من الفعاليات التي كانت تُعد جزءًا من الروتين، بما في ذلك متابعة وسائل الإعلام أو إدخال الكتب والمقتنيات الشخصية. وأسهمت هذه الإجراءات في تضييق المجال المعرفي والاجتماعي للأسرى، وتعزيز حالة العزل داخل الفضاء الاعتقالي.
كما اتسعت دائرة القيود لتشمل تقليص التواصل مع العالم الخارجي، من خلال منع زيارات العائلات والهيئات الدولية، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الأمر الذي أدى إلى قطع قنوات الاتصال الأساسية، وعزل الأسرى عن بيئتهم الاجتماعية، ضمن توجه لتعزيز استخدام العزلة بوصفها أداة مركزية في بنية الاعتقال، بما يعمّق من الأثر النفسي للاحتجاز.
في السياق ذاته، برزت سياسة العزل الانفرادي بوصفها أداة متصاعدة في إدارة السجون، حيث طالت عددًا من الأسرى، بمن فيهم مرضى يعانون من أوضاع صحية ونفسية معقدة، ما يضاعف من أثر هذه السياسة على المستوى الفردي، كما تكررت عمليات اقتحام الأقسام، التي رافقتها اعتداءات جسدية وإجراءات نقل وعزل، بما يعزز من حضور القوة المباشرة كجزء من إدارة الحياة داخل السجن.
أما على مستوى الرعاية الصحية، فقد كشفت المعطيات عن فجوات واسعة في تقديم الخدمات الطبية، سواء من حيث نقص المتابعة أو التأخير في تحويل الحالات للعلاج، خصوصًا في مرافق الاحتجاز الأولي، في تراجع حاد بالتعامل مع الاحتياجات الصحية للأسرى وتوسيع سياسات الإهمال الطبي.
تكشف هذه الممارسات عن نمط إدارة يقوم على إعادة تنظيم الحياة اليومية داخل السجن بوصفها مجالًا للضبط والسيطرة، حيث تتكامل القيود الغذائية، والحركية، والاجتماعية، والصحية ضمن منظومة واحدة تعيد تشكيل تجربة الاعتقال، ويعزز هذا التحول من دور السجون كأداة ضمن سياق أوسع لإدارة الصراع، عبر إنتاج بيئة مستمرة من الضغط الجسدي والنفسي، تتجاوز حدود الاحتجاز التقليدي نحو نمط أكثر شمولًا من الإخضاع.
المحور الخامس: التحول البنيوي خلال حرب الإبادة – المستوى المكاني
ارتبطت التحولات التي شهدها نظام الاعتقال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة بإعادة تشكيل الفضاءات المادية للاحتجاز، عبر توسيعها وتعديل طبيعتها بما يتجاوز نموذج السجون التقليدية، وقد برز هذا التحول من خلال إنشاء مرافق احتجاز جديدة ذات طابع استثنائي، تم توظيفها لاحتجاز أعداد كبيرة من المعتقلين، خصوصًا من قطاع غزة، في ظروف تختلف عن تلك التي تحكم السجون النظامية.
في هذا السياق، شكّل معسكر "سديه تيمان" نموذجًا دالًا على هذا التحول، حيث جرى تحويله إلى مركز احتجاز مخصص للمعتقلين من قطاع غزة، ضمن ترتيبات تتيح احتجازهم في منشآت مؤقتة قائمة على أقفاص حديدية ومساحات مفتوحة، تفتقر إلى المقومات الأساسية للحياة داخل السجون، سواء من حيث البنية التحتية أو الخدمات، ما عكس انتقالًا نحو فضاءات اعتقال ذات طبيعة شبه عسكرية، تتقاطع مع نماذج الاحتجاز الاستثنائي التي ظهرت في سياقات نزاعات أخرى.
وقد ترافق إنشاء هذا المعسكر مع قرار تصنيف معتقلي قطاع غزة ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين"، بما يتيح احتجازهم خارج الإطار القانوني الذي ينظم أوضاع الأسرى، ويوفر غطاءً لإدارة هذه المرافق بمعايير مختلفة عن السجون التقليدية، إذ يسهم هذا الترابط بين التصنيف القانوني والحيز المكاني في إنتاج بيئة احتجاز جديدة، تتكامل فيها الأبعاد القانونية والمادية لإعادة تشكيل موقع المعتقل.
كما شهدت هذه المرحلة توسيعًا إضافيًا في فضاءات الاحتجاز، من خلال استخدام قواعد عسكرية ومرافق أخرى كمراكز اعتقال، بما يعكس توجّهًا نحو توزيع منظومة الاحتجاز خارج نطاق إدارة السجون التقليدية، وربطها بشكل مباشر بالبنية العسكرية للاحتلال.
وفي السياق ذاته، تكشف المعطيات المتعلقة بظروف الاحتجاز داخل هذه المرافق عن بيئة تتسم بدرجة عالية من القسوة، سواء من حيث الاكتظاظ، أو نقص الغذاء والمياه، أو محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية، إلى جانب تقارير عن ممارسات عنيفة واعتداءات جنسية طالت المعتقلين داخل هذه الفضاءات. ويعزز ذلك من الطابع الاستثنائي لهذه المواقع، بوصفها فضاءات احتجاز تقوم على تقليص الحدود الدنيا من الشروط الإنسانية.
المحور السادس: الدلالات والنتائج الاستراتيجية
تشير مجمل التحولات التي شهدتها منظومة السجون الإسرائيلية خلال حرب الإبادة على قطاع غزة إلى إعادة تموضع هذه السجون بوصفها ساحة مركزية من ساحات الحرب، تُدار ضمن منطق المواجهة الشاملة، وتتقاطع مع أدواتها العسكرية والأمنية. فالسجن في هذا السياق تحول إلى بيئة مُنظّمة لإنتاج الألم والاستنزاف، ضمن مقاربة تستهدف إعادة تشكيل تجربة الاعتقال بوصفها امتدادًا مباشرًا لسياسات الإخضاع الجماعي.
في هذا الإطار، تبرز دلالة أساسية تتمثل في توجّه واضح نحو تحويل فترة الاعتقال إلى مسار استنزاف طويل الأمد، تتكامل فيه أدوات الحرمان الجسدي، والتفكيك النفسي، والإهمال الصحي، بما يقود إلى نمط من القتل المتدرج داخل السجون. فالتجويع، وحرمان الأسرى من الحد الأدنى من مقومات الحياة، وتفشي الأمراض في ظل غياب الرعاية الطبية، أسهمت في إنتاج بيئة تُقارب في آثارها مفهوم "الموت البطيء"، حيث تتآكل القدرات الجسدية والنفسية للأسير على نحو مستمر.
ويكتسب هذا المسار بعدًا أكثر خطورة مع انتقاله من حيز الممارسة إلى حيز التقنين، عبر إقرار تشريعات تُضفي طابعًا قانونيًا على إنهاء حياة الأسير، كما في قانون إعدام الأسرى، ويعكس هذا التطور انتقالًا نوعيًا في التعاطي مع ملف الأسرى، حيث يتقاطع القتل البطيء داخل السجون مع إمكانية القتل المباشر المُنظّم قانونيًا، بما يعزز من إدماج منظومة السجون في بنية العنف الموجّه ضد المعتقل الفلسطيني.
وفي السياق ذاته، تتقاطع هذه المعطيات مع واقع يشير إلى ارتفاع أعداد الشهداء من الأسرى داخل السجون، بأرقام تفوق ما جرى توثيقه فعليًا من قبل المؤسسات الحقوقية، في ظل محدودية الوصول إلى المعلومات، واستمرار الغموض حول مصير عدد من المعتقلين، خصوصًا من قطاع غزة. ويعزز الكشف التدريجي عن بعض هذه الحالات من فرضية وجود فجوة واسعة بين الواقع الفعلي داخل السجون وما يتم الإعلان عنه، بما يعكس طبيعة البيئة المغلقة التي تُدار فيها هذه السياسات.
كما ترتبط هذه التحولات بسياق سياسي أوسع، يتصل بصعود التيار اليميني المتطرف داخل بنية الحكم في "إسرائيل"، وتجسده في شخصيات مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي أعلن منذ اليوم الأول توجهه نحو تشديد الإجراءات بحق الأسرى، وتعامل مع السجون بوصفها مساحة لإعادة فرض السيطرة من خلال سياسات أكثر قسوة. وقد انعكس هذا التوجه في تسريع إقرار الإجراءات العقابية، والانخراط المباشر في إدارة بعض الممارسات داخل السجون، بما يعزز من الطابع السياسي لهذه السياسات، ويمنحها بعدًا أيديولوجيًا يتجاوز أي ادعاءات حول الاعتبارات الأمنية التقليدية.
في ضوء ذلك، يمكن قراءة التحولات البنيوية في نظام السجون ضمن سياق أوسع يرتبط بمقاربة "حسم الصراع"، التي تسعى من خلالها الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة ترتيب الملفات المركزية في العلاقة مع الفلسطينيين، بما في ذلك ملف الأسرى، عبر تفكيك مكانته الرمزية والوطنية، وتحويله إلى عبء إنساني ومعيشي متفاقم. ويضع هذا المسار آلاف الأسرى ضمن دائرة استهداف ممتدة، تتقاطع فيها السياسات اليومية مع الأطر القانونية، لإنتاج واقع اعتقالي يتجاوز حدود السجن بوصفه عقوبة، نحو كونه أداة فاعلة ضمن بنية حرب الإبادة المستمرة.