في يومين متتاليين من مطلع يونيو/حزيران 2026، استكمل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطوتين تبدوان منفصلتين في الشكل، لكنهما تنتميان إلى منطق سياسي واحد. ففي الثاني من الشهر أدّى سكرتيره العسكري السابق، اللواء رومان غوفمان، اليمين رئيسًا لجهاز الموساد، وفي اليوم التالي صوّت الكنيست – في جلسة شابها اضطراب غير مسبوق – لانتخاب محامي نتنياهو الشخصي مايكل رابيلو مراقبًا عامًا للدولة. وبذلك انتقلت اثنتان من أكثر مؤسسات الدولة حساسية؛ الذراع الاستخباراتي الخارجي وعين الرقابة الداخلية، إلى شخصيتين ترتبطان بعلاقة وثيقة برئيس الحكومة.
لا يمكن قراءة هذين التعيينين بمعزل عن التحولات التي تشهدها "إسرائيل" منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تحوّلت الحرب وما رافقها من إخفاقات أمنية وسياسية إلى فرصة استثمرها نتنياهو وائتلافه لإعادة فتح المواجهة مع ما يُعرف في الخطاب اليميني بـ"الدولة العميقة" أو "إسرائيل الأولى"، ممثلةً بالمؤسسات الأمنية والقضائية والبيروقراطية التي شكّلت لعقود أحد أهم مراكز القوة داخل الدولة.
وتذهب هذه القراءة إلى أن تعيين رابيلو وغوفمان يمثل حلقتين جديدتين في مسار متواصل يهدف إلى إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي عبر الإحلال التدريجي لشخصيات أكثر قربًا من الائتلاف الحاكم.
إسرائيل الأولى" ومعركة الهوية
يقوم الإطار التحليلي الأنسب لفهم هذين التعيينين على ثنائية باتت راسخة في الأدبيات السياسية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة: "إسرائيل الأولى" مقابل "إسرائيل الجديدة"، إذ تشير الأولى إلى البنية المؤسسية التي تشكلت خلال العقود التأسيسية للدولة تحت هيمنة النخب المرتبطة تاريخيًا بحزب العمل والحركة الصهيونية العلمانية، والتي تمثلت في الجيش والأجهزة الأمنية والمحكمة العليا والنيابة العامة وبيروقراطية الخدمة المدنية. أما الثانية فتمثل المشروع الذي يقوده اليمين الإسرائيلي والصهيونية الدينية بقيادة بنيامين نتنياهو، والذي يرى أن هذه المؤسسات تحولت إلى مراكز قوة مستقلة تمارس نفوذًا يتجاوز نتائج الانتخابات وتحد من قدرة الحكومات المنتخبة على تنفيذ سياساتها.
وتعود جذور هذا الانقسام إلى التحولات التي شهدها النظام السياسي الإسرائيلي منذ صعود الليكود إلى الحكم عام 1977، حين بدأت النخب اليمينية تنظر إلى المؤسسات التي تشكلت خلال عقود هيمنة حزب العمل باعتبارها امتدادًا لنفوذ سياسي وثقافي لم يُهزم فعليًا رغم خسارته السلطة.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه الرؤية إلى خطاب متكامل يتحدث عن "الدولة العميقة" و"حراس البوابة"، في إشارة إلى رؤساء الأجهزة الأمنية والقضاة وكبار البيروقراطيين الذين يُنظر إليهم بوصفهم حراسًا للنظام القائم وموازين القوى التقليدية داخل الدولة.
ولا ينفصل هذا الخطاب عن صعود الشعبوية اليمينية عالميًا، ولا سيما في الولايات المتحدة خلال عهد دونالد ترامب، حيث جرى توظيف مفهوم "الدولة العميقة" لوصف المؤسسات التي يُعتقد أنها تعرقل إرادة الحكومات المنتخبة. وقد تبنى نتنياهو هذه المقاربة بصورة شبه حرفية، حين تحدث مرارًا عن "دولة عميقة يسارية" تستخدم القضاء والمؤسسات البيروقراطية لإحباط خيارات الناخبين كلما فاز اليمين في الانتخابات.
غير أن التطورات التي شهدتها "إسرائيل" خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أظهرت أن الصراع تجاوز حدود المواجهة التقليدية بين اليمين واليسار أو بين المحافظين والليبراليين، فالمعيار الذي بات يحكم كثيرًا من التعيينات والصراعات داخل مؤسسات الدولة لا يرتبط بمعيار الانتماء الأيديولوجي وحده، بقدر ارتباطه بدرجة القرب من نتنياهو ومشروعه السياسي. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التعيينات الأخيرة باعتبارها جزءًا من مسار أوسع يستهدف إعادة تشكيل مراكز القوة داخل الدولة، وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات الدائمة والسلطة السياسية المنتخبة.
مراقب الدولة وإعادة تشكيل منظومة المساءلة
يُعد منصب مراقب الدولة أحد أهم أدوات الرقابة والمحاسبة في النظام السياسي الإسرائيلي، إذ يتولى فحص أداء مؤسسات الحكم وكشف الإخفاقات الإدارية والسياسية والأمنية وإصدار تقارير يمكن أن تتحول إلى مرجعيات رئيسية في مساءلة المسؤولين، وهو ما أكسب انتخاب المحامي مايكل رابيلو أهمية استثنائية، بسبب طبيعة المنصب، إضافة للعلاقة الوثيقة التي تربطه برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
فقد عمل رابيلو لسنوات محاميًا لنتنياهو وحزب الليكود، ومثّل رئيس الحكومة في عدد من الملفات الحساسة أمام المحكمة العليا، بما في ذلك الالتماسات المتعلقة بالمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويعني ذلك أن الشخص الذي سيشرف على مراجعة أداء مؤسسات الدولة في أكبر إخفاق أمني شهدته "إسرائيل" منذ تأسيسها، هو نفسه أحد أبرز المدافعين قانونيًا عن رئيس الحكومة خلال المرحلة ذاتها، الأمر الذي أثار اتهامات واسعة بوجود تعارض مصالح بنيوي يمس جوهر استقلالية المنصب.
وتتجاوز أهمية الموقع مسألة الرقابة الإدارية التقليدية، إذ يشارك مراقب الدولة بصورة غير مباشرة في صياغة السردية الرسمية للإخفاقات الكبرى. وفي حالة السابع من أكتوبر، سيكون لتقاريره أثر ملموس في تحديد المسؤوليات السياسية والأمنية وتوجيه النقاش العام حول أسباب الفشل والجهات التي تتحمل تبعاته، ما يمنح هوية شاغل المنصب حساسية استثنائية.
غير أن الجدل لم يقتصر على شخصية رابيلو، وامتد إلى آلية انتخابه نفسها؛ فالقانون الإسرائيلي يفرض الاقتراع السري في انتخاب مراقب الدولة حمايةً لاستقلالية المنصب من الضغوط السياسية والحزبية. إلا أن جلسة التصويت تحولت إلى ساحة اتهامات متبادلة بعد ورود تقارير عن مطالبة أعضاء في الائتلاف بإثبات تصويتهم لصالح رابيلو من خلال تصوير بطاقات الاقتراع أو توثيق عملية التصويت بالفيديو.
وتكشف نتائج الجولتين حجم الإشكالية التي أحاطت بالعملية، ففي الجولة الأولى حصل المرشح المنافس، القاضي المتقاعد يوسف إلرون، على ستين صوتًا مقابل سبعة وخمسين لرابيلو، بما عكس وجود انشقاقات داخل صفوف الائتلاف. لكن بعد إيقاف التصويت وإعادته في ظروف أثارت جدلًا واسعًا حول سرية الاقتراع، ارتفع رصيد رابيلو إلى واحد وستين صوتًا، في تحول عزز اتهامات المعارضة بوجود ضغوط مباشرة مورست على أعضاء الكنيست لضمان النتيجة المطلوبة.
وتكتسب هذه الواقعة دلالة إضافية لأن إلرون لم يكن محسوبًا على معسكر اليسار أو على ما يسميه اليمين "الدولة العميقة"، بل يُعد من أكثر القضاة المحافظين داخل المؤسسة القضائية الإسرائيلية، وكان وزير العدل ياريف ليفين قد سعى سابقًا إلى تعيينه رئيسًا للمحكمة العليا.
وهو معطى يرجع أن المنافسة أقل ارتباطًا بالاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، وأكثر ارتباطًا بمعيار آخر يتمثل في درجة القرب الشخصي من نتنياهو. فالمشكلة بالنسبة للائتلاف لم تكن في التوجه الأيديولوجي للمرشح المنافس، بقدر ما ارتبطت بغياب العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة التي تربطه برئيس الحكومة.
ولم تتأخر ردود الفعل على نتائج التصويت، إذ أعلنت حركة جودة الحكم وكتلة "يش عتيد" عزمهما التوجه إلى المحكمة العليا للطعن في التعيين استنادًا إلى شبهات تتعلق بانتهاك سرية الاقتراع وتعارض المصالح، فيما اعتبر رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت أن انتخاب رابيلو يمثل محاولة لتحصين نتنياهو من المساءلة السياسية المرتبطة بإخفاقات السابع من أكتوبر، وهي الاتهامات التي يُتوقع أن تبقى حاضرة في النقاش الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.
الموساد: إعادة تشكيل النخبة الأمنية
يُعد تعيين اللواء رومان غوفمان رئيسًا لجهاز الموساد الحلقة الثانية في سلسلة التغييرات التي تشهدها المؤسسات الإسرائيلية الحساسة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وعلى الرغم من أن تعيين رؤساء الأجهزة الأمنية يندرج من حيث المبدأ ضمن صلاحيات المستوى السياسي، فإن الجدل الذي رافق اختيار غوفمان ارتبط بطبيعة الشخصية المختارة والمسار الذي جاءت منه، أكثر من ارتباطه بالإجراء نفسه.
فغوفمان لم يصل إلى رئاسة الموساد من داخل الجهاز أو من بين المرشحين الذين تدرجوا في هياكله القيادية، وجاء مباشرة من مكتب رئيس الوزراء، حيث شغل منذ أبريل/نيسان 2024 منصب السكرتير العسكري لبنيامين نتنياهو. ويُعد هذا الموقع من أكثر المواقع قربًا من رئيس الحكومة، إذ يضع شاغله في قلب التقديرات الأمنية اليومية، ويمنحه دورًا محوريًا في التنسيق بين مكتب رئيس الوزراء والمؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية المختلفة. وبذلك فإن غوفمان يُعد أحد أفراد الدائرة الضيقة المحيطة بنتنياهو خلال مرحلة الحرب وما رافقها من أزمات سياسية وأمنية.
وقد اكتسب التعيين حساسية إضافية بسبب تجاوزه مرشحين بارزين من داخل الموساد، بينهم شخصيات حظيت بدعم رئيس الجهاز المنتهية ولايته ديفيد برنياع. كما رافقت عملية التعيين التماسات قضائية طعنت في أهلية غوفمان على خلفية قرارات اتخذها خلال خدمته العسكرية السابقة، قبل أن تقر المحكمة العليا صحة التعيين وتسمح له بتولي المنصب رسميًا.
غير أن أهمية الخطوة تكمن في المسار الذي شرع بتنفيذه فور تسلمه مهامه، فقد بادر غوفمان إلى إجراء سلسلة تعيينات في الدائرة القيادية المحيطة به، وأعلن توجهًا لإعادة فحص منظومة القوى البشرية داخل الجهاز، مع دراسة استقدام ضباط من الجيش الإسرائيلي وإعارتهم للموساد من أجل شغل مواقع مؤثرة في بنيته التنظيمية. وقد أثارت هذه التوجهات تحفظات داخلية في أوساط الموساد، حيث حذرت تقديرات إعلامية وأمنية من أن الاعتماد المتزايد على شخصيات قادمة من خارج الجهاز قد يدفع بعض القيادات الحالية إلى الاستقالة أو التقاعد المبكر.
وتتجاوز هذه الخطوات بعدها الإداري أو المهني، لأنها تمس إحدى السمات التي ميزت الموساد لعقود طويلة، والمتمثلة في قدرته على الحفاظ على درجة مرتفعة من الاستقلالية المؤسسية مقارنة بالتجاذبات الحزبية والسياسية. فالجهاز الذي راكم شبكات علاقات وخبرات خاصة عبر أجيال متعاقبة من القيادات الأمنية اعتاد إنتاج نخبته من داخله، بما يضمن استمرارية ثقافته التنظيمية وتقاليده المهنية. أما إدخال شخصيات جديدة من خارج هذه المنظومة، وربط القيادة الجديدة مباشرة بمكتب رئيس الوزراء، فيوحي بأن التغيير يمتد إلى إعادة تشكيل النخبة التي ستقوده خلال السنوات المقبلة.
الولاء قبل المؤسسة: النمط الجامع في تعيينات نتنياهو
حين يُنظر إلى تعييني مايكل رابيلو ورومان غوفمان بوصفهما حدثين منفصلين، قد يبدوان مجرد اختيارين طبيعيين لشخصيتين تحظيان بثقة رئيس الحكومة. غير أن وضعهما في سياق التغييرات التي شهدتها مؤسسات الدولة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة يكشف نمطًا أكثر اتساعًا واتساقًا. فالتعيينان ينسجمان مع سلسلة خطوات استهدفت مواقع حساسة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والقضائية والرقابية، بما يشير إلى وجود توجه متواصل لإعادة تشكيل مراكز القوة التقليدية داخل الدولة.
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت حالة الفشل الأمني والسياسي التي ضربت "إسرائيل" إلى ساحة صراع داخلي حول المسؤولية والشرعية وهوية المؤسسات، وبينما رأت قطاعات واسعة من المؤسسة الأمنية والقضائية أن الإخفاق يستدعي مراجعات عميقة ومحاسبة سياسية، تعامل نتنياهو وائتلافه مع اللحظة بوصفها فرصة لإعادة فتح المواجهة مع ما يُعرف بـ"حراس البوابة"، أي النخب المؤسسية التي احتفظت لعقود بموقع مؤثر داخل عملية صنع القرار.
وفي هذا السياق، ترجمت المواجهة نفسها في سلسلة تغييرات مست كبار المسؤولين في الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء. فقد شهدت المؤسسة العسكرية انتقال القيادة إلى شخصيات أكثر انسجامًا مع توجهات الحكومة، فيما خاض الائتلاف معارك متواصلة مع قيادة الشاباك والمستشارة القضائية للحكومة، وسبق ذلك تغييرات واسعة داخل الشرطة وحرس الحدود ومصلحة السجون.
وتكشف الحالات المختلفة أن معيار الصراع ليس يعد محصورًا بالانقسام التقليدي بين اليمين واليسار أو بين المحافظين والليبراليين. فحالة القاضي يوسف إلرون في انتخابات مراقب الدولة أظهرت أن الانتماء إلى المعسكر المحافظ لا يكفي بحد ذاته لضمان الدعم، كما أن الاعتراضات داخل الموساد لم تتركز على التوجهات الفكرية لغوفمان بقدر ما ارتبطت بطبيعة علاقته المباشرة بمكتب رئيس الحكومة ومسار إعادة تشكيل الجهاز الذي يقوده.
ويمنح ذلك الصراع بُعدًا أعمق من مجرد الخلاف على السياسات أو الأشخاص، إذ تتعلق المواجهة الدائرة بطبيعة العلاقة بين المؤسسات الدائمة والسلطة السياسية المنتخبة، وبالسؤال حول حدود استقلالية الأجهزة التي شكلت لعقود جزءًا من توازنات النظام الإسرائيلي.
وإذا كان أنصار نتنياهو يقدمون هذه العملية بوصفها تصحيحًا لاختلال تاريخي أعطى النخب غير المنتخبة نفوذًا يتجاوز حجمها الديمقراطي، فإن معارضيه ينظرون إليها باعتبارها عملية تركيز متدرج للسلطة في يد القيادة السياسية، عبر إضعاف مراكز الرقابة والحد من استقلال المؤسسات التي كانت تشكل عناصر توازن داخل النظام.
وبناء عليه، فإن التعيينات تتجاوز كونها مجرد تبديل للأشخاص في مواقعهم، وتُشكل حلقة جديدة في معركة أوسع تدور حول شكل دولة الاحتلال الإسرائيلي وهويتها السياسية. وهي معركة تتعلق بالكيفية التي ستُدار بها مؤسسات الحكم نفسها، ومن هي النخبة التي ستملك حق التأثير في قراراتها خلال السنوات المقبلة.