الرئيسية| تقدير موقف| تفاصيل الخبر

من خط انسحاب إلى رؤوس جسور

تقدير استراتيجي توسّع السيطرة الإسرائيلية في غزة بوصفه إعداداً لاستئناف العدوان

06:19 م،25 يونيو 2026

برنامج الإنتاج المعرفي

حين دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، رُسم "الخط الأصفر" بوصفه محطة أولى في مسار انسحاب تدريجي يُفترض أن يُفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة وفق مراحل خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. غير أن ما جرى خلال الأشهر التالية قلب اتجاه هذا المسار: فبدل أن يتقلّص نطاق السيطرة الإسرائيلية مرحلةً بعد أخرى، اتّسع باطّراد حتى بلغ نحو 70% من مساحة القطاع وذلك بإقرار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو نفسه في يونيو/حزيران 2026.

تنطلق هذه الورقة من أطروحة مركزية مفادها أن توسّع السيطرة الإسرائيلية يتجاوز كونه ترتيباً أمنياً دفاعياً أو إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بوقف إطلاق النار، وصولًا لكونه إعداداً ميدانياً لاستئناف العمليات الهجومية. ولا يعني ذلك إنكار أن للتوسّع وظائف أخرى متزامنة، تفاوضيةً وأمنيةً وضمّيةً، لكن البنية الميدانية المرصودة من تجهيز المواقع لنشاط هجومي طويل الأمد، إلى التموضع على المرتفعات المُشرفة على المراكز السكانية، إلى ما تكشفه التقارير الإسرائيلية من استعداد صريح لسيناريو تجدّد القتال، ترجّح أن الإعداد للعدوان هو الوظيفة التي تنتظم تحتها الوظائف الأخرى.

وتتأسس قراءة الورقة على إطارين متكاملين: الأول هو منطق "الحقائق على الأرض"، الذي يفسّر كيف يحوّل التراكم التدريجي البطيء، وضعاً يُفترض أنه مؤقت إلى واقع يصعب عكسه في أي مسار سياسي لاحق.

والثاني هو منطق "المنطقة العازلة كمنصّة"، الذي يرصد تحوّل وظيفة الخط الفاصل من حدٍّ دفاعي يفصل القوات عن السكان، إلى سلسلة رؤوس جسور تمنح الجيش جاهزية الانطلاق الهجومي من حيث توقفت عملياته قبيل وقف إطلاق النار.

وتعتمد الورقة في بنائها منهجاً يميّز بين ثلاث طبقات: الوقائع المؤكَّدة الموثّقة من مصادر إسرائيلية وأممية، والاستنتاجات المرجَّحة المسنودة إلى قرائن، والتقديرات الاستشرافية المفتوحة على الاحتمال. وتنتقل عبر رصد التحوّلات الميدانية في خمسة محاور، قبل أن تخلص إلى تحليلٍ يوازن بين التفسيرات المتنافسة لسلوك الاحتلال، ثم إلى تقديرٍ لمآلات الموقف ومؤشرات مراقبتها.

ما هو "الخط الأصفر"؟

يُحدّد "الخط الأصفر" حدود المنطقة التي انسحب إليها جيش الاحتلال داخل قطاع غزة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ووفق ما نصّ عليه الاتفاق، كان يُفترض أن يضع نحو 52% إلى 53% من مساحة القطاع شرق الخط تحت السيطرة المباشرة للجيش. غير أن غياب ترسيم حاسم على الأرض جعل النسبة الفعلية ترتفع إلى ما يقارب 58%، إذ تجاوز الانتشار الميداني مساره المتفق عليه منذ البداية.

وقد توزّعت هذه السيطرة بصورة متفاوتة بين المحافظات على النحو الآتي:

  • محافظة خان يونس: 68.3%
  • محافظة غزة: 64.3%
  • محافظة رفح: 62.9%
  • محافظة شمال غزة: 43.8%
  • محافظة دير البلح: 21.9%

وفي الأيام الأولى لوقف إطلاق النار، لم تكن ثمة علامات تُحدّد مسار الخط، فكان على السكان أن يخمّنوا موقعه وما إذا كانوا داخل حدوده أم خارجها، في حين قد يعرّض وجودهم شرقه حياتهم للخطر. وخلال الأيام الخمسة الأولى وحدها، قُتل خمسة عشر شخصاً ممن اقتربوا من الخط أو عبروه.

ثم بدأت ملامح الخط تتجسّد ميدانياً. ففي 17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن وزير جيش الاحتلال أنه أصدر تعليمات ببدء تحديد الخط على الأرض، وفي 20 من الشهر نفسه ظهرت أولى المكعّبات الإسمنتية الصفراء التي وُضعت لتمييز حدوده. لكن الخرائط المنشورة لخطوط الانسحاب بيّنت أن عملية التحديد لم تكتمل، بل تجاوزت ما اتُّفق عليه منذ اللحظة الأولى.

وهكذا حمل "الخط الأصفر" معنى يتجاوز كونه نطاق انتشار عسكري؛ فقد أعاد تنظيم العلاقة بين السكان والأرض، إذ انكمش الحيز المتاح للفلسطينيين إلى القسم الغربي الأكثر اكتظاظاً، بينما خضعت المساحات الأوسع شرقاً وجنوباً لسيطرة مباشرة أو لنيران مستمرة، فارضاً على القطاع خريطة جديدة تتحكم فيها القوة العسكرية.

تدشين مواقع عسكرية وأعمال هندسية

في تحقيق أعدّه الصحفي يردن ميخائيلي ونشرته صحيفة "هآرتس" في 26 مارس/آذار 2026 استناداً إلى تحليل صور الأقمار الصناعية، يتبيّن وجود ما لا يقل عن 32 موقعاً عسكرياً لجيش الاحتلال في محيط "الخط الأصفر" والمناطق المتاخمة له. وقد أُقيم معظم هذه المواقع قبل وقف إطلاق النار، فيما أضاف الجيش سبعة مواقع جديدة بعده على امتداد الخط.

وتشير الصحيفة إلى أن الجيش غطّى الأرض بالإسفلت في خمسة مواقع على الأقل بما يجعلها صالحة لنشاط عسكري طويل الأمد، وهو ما تعدّه مؤشراً على أن الوجود العسكري يتجاوز الانتشار المؤقت نحو بنية تموضع قابلة للاستمرار. وتضم هذه المواقع بنى تحتية متكاملة من شبكات كهرباء وإنارة وأبراج اتصالات ومعدات هندسية وجرافات وآليات ميدانية، بما يعكس مستوى متقدماً من التجهيز والاستعداد.

كما أُقيم عدد من المواقع في نقاط استراتيجية تمنح الجيش قدرة على الرصد والإشراف على مساحات واسعة، من بينها موقع على تلة المنطار وموقعان مرتفعان في جباليا يُريان من مسافات بعيدة، فيما تتواصل إقامة موقع مرتفع ثالث في بيت حانون. وتلفت الصحيفة إلى أن بعض هذه المواقع أُنشئ حول مبانٍ مرتفعة لم تُدمَّر خلال الحرب، من بينها منشآت صحية في رفح، بما يوفّر نقاط مراقبة إضافية.

ولا يقتصر التحول على المواقع العسكرية، إذ يكشف التحقيق عن مشروع هندسي موازٍ لإقامة حواجز وعوائق أرضية على امتداد "الخط الأصفر" من جهاته الشمالية والشرقية والجنوبية. وقد تجاوز طول هذه العوائق 17 كيلومتراً، أي نحو 40% من إجمالي طول الخط البالغ 45 كيلومتراً، مع استمرار أعمال الإنشاء حتى الأسابيع الأخيرة. وترى الصحيفة أن هذه الحواجز تمنح الخط مظهراً حدودياً واضحاً، فتحوّله من خط عملياتي متغير إلى معلم مادي ثابت يفصل القطاع عن المناطق التي يسيطر عليها الجيش.

ورافق إقامة هذه المواقع والتحصينات تغيير واسع في استخدام الأراضي، إذ أُقيمت فوق أو بين أنقاض دفيئات زراعية وبساتين ومبانٍ سكنية دُمّرت خلال الحرب. بل أُنشئ موقعان في أماكن كانت تضم مساجد قبل تدميرها، وأُقيم موقع ثالث فوق أرض مقبرة جُرفت، فيما تتواصل أعمال تسوية الأراضي في الشجاعية في موقع كان يضم مقبرة أخرى — وهو ما يعكس حجم التحولات المكانية التي رافقت تثبيت الخط على الأرض.

من خط تمركز إلى أداة للتوسع والسيطرة الميدانية

لم يلبث "الخط الأصفر" أن تحوّل من حدٍّ ثابت إلى أداة توسّع متحركة. فقد واصل جيش الاحتلال تمديده غرباً عبر نقل المكعبات الخرسانية الصفراء التي تحدّد مناطق سيطرته، بما رفع نسبة المساحة الخاضعة له إلى نحو 60% من إجمالي مساحة القطاع، في انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار ولخطة ترامب لإنهاء الحرب.

وشهد شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ثلاث عمليات توسّع نُقلت خلالها المكعّبات غرباً. الأولى في حي الشجاعية، حيث وُسّع الخط ليحاذي مفترق الحي ويلتهم كامل مساحته، ما أدى إلى تهجير إضافي ودمار واسع في المباني السكنية. والثانية في بني سهيلا، حيث استيقظ نازحون في مركز إيواء تابع للأونروا (مدرسة ملك) ليجدوا أنفسهم محاصرين بعد ضمّ المدرسة إلى داخل الخط، ما عرقل إيصال المساعدات. والثالثة في مخيم جباليا، حيث نُقلت المكعّبات عشرات الأمتار غرباً.

ولم يتوقف الأمر عند تحريك الخط، بل أفرز واقعاً ميدانياً جديداً عُرف بـ"الخط البرتقالي". وقد أشار إليه أول مرة تقرير لموقع "ميديا بارت" الفرنسي في 14 فبراير/شباط 2026، قبل أن تؤكد الأونروا وجوده في تقرير صادر بتاريخ 18 مارس/آذار 2026، واصفةً إياه بأنه منطقة عازلة قريبة من "الخط الأصفر" لا يمكن تنفيذ العمليات الإنسانية داخلها إلا بتنسيق مسبق مع جيش الاحتلال. وبموجب هذا التوسيع، باتت عشر منشآت إضافية تابعة للوكالة تقع ضمن نطاق الخط، بينها ملاجئ جماعية تستضيف نازحين.

ويختلف "الخط البرتقالي" عن نظيره الأصفر في طبيعته؛ فهو، وفق تقرير "ميديا بارت"، ليس خطاً معلناً أو واضح المعالم، إذ يُعبر عن مجال متحرك يدركه الفلسطينيون عبر منعهم من عبوره وإطلاق النار عليهم ودفعهم إلى النزوح غرباً. وتشير معطيات الموقع إلى أن ما بين 40 و50 ألف شخص كانوا يعيشون بين الخطين، في حين يرفض جيش الاحتلال غالباً التنسيق المسبق الذي تطلبه المنظمات الإنسانية للتحرك في هذه المنطقة.

ثم اتخذ التقييد طابعاً مؤسسياً. ففي 31 مارس/آذار 2026، زوّدت مديرية التنسيق والارتباط منظمات الإغاثة الدولية بخريطة محدّثة لـ"الخط البرتقالي"، حدّدت منطقة واسعة يُحظر فيها التحرك دون تصريح مسبق من سلطات الاحتلال. وينحرف هذا المسار بنحو 11% عن مسار "الخط الأصفر"، بما يوسّع نطاق المناطق الخاضعة لتنسيق الاحتلال إلى نحو 64% من مساحة القطاع. وبذلك تحوّل ما كان يُفترض أن يكون تنسيقاً استثنائياً عند الحاجة، وفق مسار الخط الأصفر المنصوص عليه في الاتفاق، إلى قيد دائم على حركة العمل الإنساني عبر مسار أوسع لم يُتفق عليه.

خطة نتنياهو للسيطرة الزاحفة في القطاع

توسّع جيش الاحتلال غرب "الخط الأصفر" تجاوز كونه ادعاء حول إجراءً مؤقتاً نشأ في سياق وقف إطلاق النار، وتحوّل إلى بنية حدودية جديدة تعيد رسم حدود السيطرة داخل القطاع بوصفها واقعاً سياسياً وعسكرياً قائماً.

وقد تدرّجت هذه السيطرة على نحو موثّق بإقرارات نتنياهو نفسه: من نحو 53% من مساحة القطاع عند بدء سريان الاتفاق، إلى 60% منتصف مايو/أيار 2026، وصولاً إلى ما أعلنه في 24 يونيو/حزيران 2026 خلال كلمة في معرض "موني إكسبو" بتل أبيب من أن الجيش بات يسيطر على نحو 70% من مساحة غزة. وربط نتنياهو هذا التوسع بتجربة اجتياح مدينة رفح، في دلالة على الاتجاه بتحدي الإرادة الدولية والضغوطات، قائلاً إن رفض الدعوات المناهضة لدخول هو ما أتاح بلوغ هذه اللحظة والوضع الذي تُسيطر فيه "إسرائيل" على هذه المساحة، معتبراً أن الغاية "خنق" المقاومة الفلسطينية.

وتوافق هذا الإقرار الرسمي مع تقديرات أمنية إسرائيلية نقلها موقع "واللا" العبري، تفيد بأن الجيش يفرض سيطرة عملياتية على نحو 70% من مساحة القطاع، مع توقعات بارتفاع النسبة خلال الأشهر المقبلة. وبحسب الموقع، تركّز قيادة المنطقة الجنوبية جهودها على ثلاثة مسارات رئيسية:

أولاً، إحباط التهديدات على امتداد "الخط الأصفر"، عبر عمليات استخبارية وهجمات تستهدف عناصر المقاومة وقياداتها، إلى جانب تعزيز حماية القوات والمواقع والحدود المحيطة بالقطاع.

ثانياً، توسيع السيطرة الميدانية، من خلال تعزيز المواقع القائمة، وشقّ طرق جديدة، وتوسيع المناطق الأمنية والعازلة، وزيادة أعداد القوات ووسائل المراقبة.

ثالثاً، الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة، تحسّباً لاحتمال تجدّد القتال إذا رفضت المقاومة نزع سلاحها، بالتوازي مع التحضير لمشروع أميركي في رفح يُعرف بـ"المدينة الخضراء". وتتضمن الخطة الأميركية، في مرحلتها الأولى، إنشاء منشآت تستوعب نحو 50 ألف فلسطيني بعد إخضاعهم لإجراءات فحص وتدقيق أمني، على أن يُوسَّع المشروع لاحقاً وفق التطورات.

وتشير هذه المعطيات مجتمعةً إلى أن سياسة توسيع السيطرة ليست مرتبطة باعتبارات عسكرية مؤقتة أو بمتطلبات العمليات الجارية، وتعكس توجهاً نحو تثبيت واقع جغرافي وأمني جديد، عبر توسيع مناطق النفوذ العسكري وتعزيز بنيتها التحتية وفرض قيود متزايدة على حركة السكان والمنظمات الإنسانية، بما يعيد تشكيل الخريطة الميدانية للقطاع ويفرض وقائع قد تؤثر في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.

ماذا يعني السيطرة على 70% من مساحة قطاع غزة؟

تمثّل السيطرة على 70% من مساحة القطاع تحوّلاً جوهرياً في طبيعة الحرب وأهدافها، إذ تتجاوز مفهوم المناطق العازلة المؤقتة لتصبح سيطرة فعلية على معظم القطاع. فمن أصل مساحة إجمالية تبلغ نحو 365 كيلومتراً مربعاً، تعادل هذه النسبة نحو 255 كيلومتراً مربعاً، ولا يتبقى للسكان سوى ما يقارب 110 كيلومترات مربعة — حيز ضيق يُحشر فيه أكثر من مليونَي نسمة بكثافة تتجاوز 19 ألف شخص في الكيلومتر المربع الواحد.

وتعني هذه السيطرة، عملياً، إخراج مساحات واسعة من القطاع من الاستخدام المدني، تشمل مناطق سكنية وأراضي زراعية ومناطق صناعية وشبكات طرق، بما يحرم السكان من الوصول إلى ممتلكاتهم وأراضيهم، ويحوّل تلك المناطق إلى نطاقات عسكرية وعازلة خاضعة للجيش. وقد تزامن ذلك مع إنشاء بنية عسكرية وهندسية دائمة من مواقع محصّنة وطرق معبّدة للحركة العسكرية وحواجز أرضية ونقاط إشراف ومراقبة، لا تخدم إدارة العمليات الجارية فحسب، بل تُرسّخ واقعاً ميدانياً طويل الأمد.

وفيما يلي رصد للتغيرات الجغرافية التي طرأت على مسار "الخط الأصفر" من شمال القطاع إلى جنوبه:

أولاً/ شمال القطاع: شهد الخط توسّعاً واسعاً، فامتد من الدوار الغربي في بيت لاهيا شرقاً نحو منطقة الشيخ زايد ليشمل معظم أحياء المدينة، ثم اتسع ليطوّق تل الزعتر وعزبة بيت حانون ومدينة بيت حانون، قبل أن يتوغل جنوباً إلى عمق مخيم جباليا وصولاً إلى منطقتي الهوجا والترنس. وتجاوز الخط شارع صلاح الدين في عدة مواضع، متقدّماً داخل مخيم جباليا وجباليا البلد، ثم امتد جنوباً حتى مشارف حيي التفاح والشجاعية شرق مدينة غزة. وبذلك باتت مساحات واسعة شرق شارع صلاح الدين — مروراً بالشجاعية والشعف وشرق التفاح والزيتون وصولاً إلى جحر الديك ووادي غزة — ضمن نطاق السيطرة المباشرة.

ثانياً/ وسط القطاع: يواصل الخط امتداده شرق شارع صلاح الدين ليشمل أجزاء واسعة من مخيمي البريج والمغازي، وهما المخيمان الوحيدان الواقعان شرق الشارع، مروراً بقرية المصدر ومنطقة وادي السلقا شرق دير البلح. وتتسع هذه المنطقة نسبياً شرق الشارع، وهي من المناطق المكتظة بالنازحين.

ثالثاً/ جنوب القطاع: تضيق المساحة مجدداً جنوباً، إذ يعود الخط إلى محاذاة شارع صلاح الدين عند دوار بني سهيلا في خان يونس، حيث وضع الاحتلال علاماته بالمكعّبات الصفراء، ثم يواصل امتداده جنوباً عند دوار أبو حميد، فينعطف متجاوزاً المنطقة الواقعة بين "البطن السمين" و"قيزان أبو رشوان"، ثم منطقة جورة اللوت غرباً وصولاً إلى ساحل البحر بمحاذاة الحدود الإدارية لمدينة رفح. ويعني هذا المسار أن كل جغرافيا مدينة رفح داخل نطاق "الخط الأصفر"، باستثناء شريط ساحلي ضيق من ما يُعرف بـ"مواصي رفح" يؤوي أعداداً كبيرة من النازحين.

وتمتد دلالة هذا التوسّع على حجم المساحة المقتطعة، إلى موقعها ووظيفتها، فالانتقال من سيطرة على نحو 60% إلى نحو 70% يعني عملياً اقتطاع شريط إضافي يقارب 36 كيلومتراً مربعاً، يتركّز دفعه غرباً في شمال القطاع ومحوره الأوسط وجنوب خان يونس، على نحو يقرّب خط السيطرة من محاذاة شارع صلاح الدين على امتداد القطاع تقريباً. ويعني ذلك حشر القطاع بأكمله في شريطه الغربي، وتحويل "صلاح الدين" وهو الشريان الطولي الرئيس للقطاع، من محور حركة داخلي إلى حدٍّ فاصل للسيطرة بين "غزة الشرقية" و"غزة الغربية".

والأخطر من ذلك دلالته على مسار الاتفاق نفسه، فبلوغ هذه النسبة يقارب إعادة تثبيت حدود السيطرة الإسرائيلية إلى ما كانت عليه قبل الانسحاب الأول الذي نصّ عليه وقف إطلاق النار، حين كان الجيش يسيطر على محور نيتساريم وسط القطاع وعلى معظم جغرافيا الشمال، بحيث تقف حدود السيطرة عند الأطراف الغربية لمدينة غزة. وبذلك ينقلب منطق المسار رأساً على عقب: فقد كان "الخط الأصفر" مصمَّماً بوصفه محطة أولى يعقبها مزيد من الانسحاب التدريجي وفق مراحل خطة ترامب، فإذا به يتحول إلى نقطة انطلاق نحو مزيد من السيطرة.

وما يتجاوز الـ70% يعني، في جوهره، إعادة حدود السيطرة بالقوة إلى ما كانت عليه إبان عملية "عربات جدعون 2"، أي إلى الخطوط التي توقفت عندها العمليات العسكرية قبل وقف إطلاق النار. ودلالة ذلك أن الاحتلال يضع نفسه في وضع جاهزية لاستئناف القتال من حيث توقف، عند حدود المناطق الغربية لمدينة غزة، دون أن يكون مضطراً إلى إعادة اجتياح ما انسحب منه. وهي قراءة تتقاطع مع ما نقلته التقارير الإسرائيلية عن استعداد قيادة المنطقة الجنوبية لسيناريو تجدّد القتال، بما يكشف عن نوايا عدوانية كامنة خلف ما يُقدَّم بوصفه ترتيبات أمنية دفاعية، ويفرّغ وقف إطلاق النار من غايته المعلنة كمدخل لانسحاب تدريجي.

تحليل: التوسّع بين تفسيراته المتنافسة

تتقاطع عند ظاهرة توسّع السيطرة الإسرائيلية أربعة تفسيرات ممكنة، لا يلغي أحدها الآخر بالضرورة، لكنها تتفاوت في قدرتها على تفسير البنية الميدانية المرصودة.

التفسير الأول - تفاوضي: أن التوسّع ورقة ضغط لانتزاع نزع سلاح المقاومة، عبر السيطرة على أكبر مساحة لتقليص هامش المقايضة. وهو يفسّر توقيت التصعيد المتزامن مع تعثّر المرحلة الثانية، لكنه يقصر عن تفسير طبيعة التجهيز: ورقة الضغط لا تستلزم سفلتة المواقع للأمد الطويل ولا التموضع الهجومي على المرتفعات.

التفسير الثاني - الصراع المجمّد: أن الغاية تثبيت تقسيم دائم لغزة على نمط الضفة الغربية، تكون فيه السيطرة غايةً بذاتها. وهو يفسّر الطابع الدائم للبنية، لكنه يصطدم بما ترصده التقارير الإسرائيلية من استعداد فاعل لسيناريو قتالي يتجاوز منطق التجميد الساكن.

التفسير الثالث- الأمني الدفاعي: أن التوسّع منطقة عازلة عميقة لمنع أي عمل هجومي من طرف المقاومة الفلسطينية على غرار السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهو التفسير الرسمي الإسرائيلي، لكنه الأضعف أمام القرائن: المنطقة الدفاعية لا تتطلب التموضع على تلال تُشرف بالنار على عمق المراكز السكانية، ولا وصف رئيس الأركان للخط بأنه "خط هجوم".

التفسير الرابع - أطروحة هذه الورقة: أن التوسّع إعداد لاستئناف العمليات الهجومية، وترجيحه لا يقوم على التوسّع وحده، ويستدل عبر قرائن مستقلة منها: تصريح رئيس الأركان إيال زامير الموثّق بأن "الخط الأصفر هو خط الحدود الجديد، خط دفاع أمامي للمستوطنات وخط هجوم"؛ وما نقله "واللا" عن إدراج "الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة" مساراً رئيساً؛ وانعقاد المجلس الوزاري الأمني المصغّر فعلياً لبحث استئناف العمليات؛ وطبيعة التجهيز الهجومي للمواقع . والتوسّع الجغرافي، يشكل النمط التدريجي للتجهز الهجومي، فبلوغ حدود ما قبل الانسحاب الأول يوفّر منصّة الانطلاق الجاهزة.

والأرجح أن هذه التفسيرات تنتظم في طبقات، لا تتنافى: فالتوسّع يخدم الضغط التفاوضي ويثبّت واقعاً ضمّياً ويوفّر عمقاً أمنياً، لكن هذه الوظائف الثلاث تتموضع جميعاً تحت سقف الوظيفة المهيمنة وهي تهيئة الميدان لاستئناف العدوان متى تقرّر ذلك. فالإعداد للهجوم هو الذي يفسّر لماذا اتخذ التوسّع شكله التصاعدي الجاهز، لا شكل التجميد الساكن أو العمق الدفاعي المحض.

تقدير الموقف: المسارات المحتملة ومؤشراتها

تتحكم في المشهد عقدتان: تعثّر المرحلة الثانية من خطة ترامب على ملف نزع السلاح، وامتناع نتنياهو عن أي انسحاب إضافي في عام انتخابي . وفي ضوئهما تتمايز ثلاثة مسارات:

المسار الأول: استئناف عملياتي تدريجي ينطلق من المناطق الغربية لمدينة غزة، حيث انتهت العمليات العسكرية قبيل خطة ترامب، مع إبقاء المرحلة الثانية مجمّدة وجعل الجيش الطرف الوحيد لنزع السلاح بالقوة، وهو ما يطابق سيناريو طرحته "يسرائيل هيوم" صراحةً . مؤشراته: تكثيف الغارات غرب الخط، إخلاءات جديدة، وخطاب رسمي يربط الفشل التفاوضي بـ"استكمال المهمة".

المسار الثاني: استمرار القضم الزاحف وعمليات نوعية تحت سقف وقف إطلاق النار الاسمي، بما يبقي الضغط دون تحمّل كلفة اجتياح كامل. مؤشراته: توسع نسبة السيطرة تدريجيًا نحو 70% مع توغلات محدودة متكررة مع إمكانية تجاوزها لنسب أعلى، واستمرار التفاوض شكلياً.

المسار الثالث: تجميد الخطوط الحالية حداً دائماً يقسم غزة، مع إعمار انتقائي شرق الخط فقط (البند 17 من خطة ترامب). مؤشراته: توقف التوسّع، وبدء ترتيبات إدارية-أمنية في المناطق المسيطر عليها.

ويبقى ترجيح المسار الأول مشروطاً بالاحتمال لا الحتمية؛ فقد تعدّل ضغوطُ الوسطاء أو حساباتُ الانتخابات الإسرائيلية أو تطوراتٌ في ملف نزع السلاح أو الموقف الأمريكية تجاه عودة التوتر الحربي في الشرق الأوسط هذا الترجيح. غير أن وزن القرائن المرصودة مثل البنية الجاهزة، والخطاب الرسمي، والاستعداد المؤسسي المعلن، يجعل الإعداد لاستئناف العدوان التفسيرَ الأكثر اتساقاً مع الوقائع حتى لحظة إعداد هذه الورقة.