وافق المجلس الوزاري الأمني المصغّر في حكومة الاحتلال، على دخول طليعة من "قوة الاستقرار الدولية" التابعة لـ"مجلس السلام" إلى قطاع غزة، قوامها نحو مئتي عنصر من دول تصنفها تل أبيب باعتبارها "صديقة"، وفي مقدمتها المغرب وأوغندا.
وكان من المفترض أن يبدأ انتشار القوة الدولية فور استكمال استحقاقات المرحلة الأولى، وأن تتولى تدريجيًا تأمين المناطق الواقعة داخل الخط الأصفر، تمهيدًا لانسحاب جيش الاحتلال منها والانتقال إلى ترتيبات المرحلة الثانية المتعلقة بالأمن والحوكمة وإدارة القطاع. إلا أن حكومة نتنياهو أخرت هذه الخطوة، بدايةً بذريعة عدم استعادة جميع الجثامين، ثم ربطتها بنزع سلاح المقاومة بالكامل، وحوّلت القوة من أداة يُفترض أن تساعد على تقليص الاحتلال إلى قوة تعمل ضمن الشروط الأمنية الإسرائيلية وتحت سقف استمرار سيطرة الجيش.
وبموجب القرار، سيقتصر الانتشار في مرحلته الأولى على منطقة مُحددة في مدينة رفح المحتلة، وفق الاستخلاصات التي خرجت بها اجتماعات "مجلس السلام" في قبرص بوصفها بديلًا مرحليًا من إعادة الإعمار الشاملة. وستتولى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" إدارة هذه المنطقة بدعم من قوة متعددة الجنسيات يجري تشكيلها من عناصر مغربية وألبانية وكوسوفية وأوغندية. وكان قد دخل نحو ثلاثين ضابطًا مغربيًا إلى القطاع في جولة تمهيدية، بالتوازي مع الموافقة الإسرائيلية على البدء في إنشاء قاعدة للقوة داخل رفح.
وأحاطت حكومة الاحتلال موافقتها بجملة من القيود؛ أبرزها استمرار سيطرة الجيش على "الخط الأصفر" وربط أي انسحاب بنزع سلاح الفصائل، وعمل القوة بالتنسيق معه، وحصر المشاركة في دول تقيم علاقات سلام مع الاحتلال ولا تتحرك ضده أو ضد مسؤوليه دوليًا. كما اشترطت موافقة رئيس الحكومة ووزير الحرب ووزير الخارجية على دخول كل عنصر، إلى جانب إخضاع الفلسطينيين الراغبين في الإقامة داخل "الفقاعات" أو "المناطق التجريبية" لفحوص أمنية مشددة. وقد عارض القرار إيتمار بن غفير وأوريت ستروك، بينما امتنع بتسلئيل سموتريتش عن معارضته، ودافع جدعون ساعر عنه تحت عنوان المحافظة على "خطة ترامب".
وتكشف هذه الضوابط جوهر الخطوة الإسرائيلية؛ فهي امتداد لمنطق التطبيق الانتقائي للاتفاق وفق صيغ مشوهة تتلاءم مع أجندة حكومة نتنياهو. تمنح الخطوة الإدارة الأمريكية مادة دعائية توحي بأن الاتفاق ما يزال متماسكًا، وأن "مجلس السلام" يعمل ويحقق إنجازات، فيما تستمر الإبادة والوقائع الكارثية في قطاع غزة، ويتواصل العدوان وابتلاع الأرض ودفع السكان نحو التهجير القسري بأدوات متعددة.
وفي محصلتها، تستكمل الخطوة مشروع "فقاعة رفح"، أو الغيتو المنوي إنشاؤه داخل المدينة، عبر تقديم منطقة محدودة وخاضعة للشروط الإسرائيلية باعتبارها نموذجًا لتنفيذ الاتفاق. وبدل أن تنتشر القوة في المناطق الواقعة في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال، لتأمين الانسحاب التدريجي وفقًا للخطة، يجري حصرها داخل مساحة تجريبية يختار الاحتلال موقعها وحدودها وسكانها والدول المشاركة في إدارتها. بذلك تتحول القوة الدولية إلى أحد مكونات الهندسة الإسرائيلية للقطاع، وتُوظّف في تدشين مناطق منزوعة السلاح ومفرغة من بنيتها الوطنية الفلسطينية، مع بقاء جيش الاحتلال ممسكًا بالأرض وبقرار الدخول والخروج.
يتيح هذا النموذج لحكومة نتنياهو إلهاء الجانب الأمريكي بمشروع محدود الجدوى، واستنزاف المزيد من الوقت في ترتيبات جزئية، بينما يواصل جيش الاحتلال إجراءاته العدوانية ويوسع سيطرته ويكرس الوقائع الميدانية. كما يمنح نتنياهو الوقت اللازم للوصول إلى الانتخابات من دون تغيير نوعي يعبر عن وجود وقف حقيقي لإطلاق النار، بما يسمح له بخوضها تحت عنوان استمرار أهداف الحرب، والادعاء بأن الجيش يتولى بنفسه نزع سلاح حركة حماس، وأن التعاون مع "مجلس السلام" بدأ بإقامة مناطق منزوعة السلاح.
ويكتسب توقيت القرار أهمية إضافية لارتباطه بزيارة نتنياهو إلى واشنطن. فترامب يرى أن مقاربته ومقاربة فريقه حققتا نتائج عجزت عنها الطريقة الإسرائيلية، مستندًا إلى استعادة الأسرى والجثامين، والحصول على موافقة فلسطينية على القوة الدولية ولجنة التكنوقراط، إضافة إلى المرونة التي أبدتها الفصائل في مناقشة ملف السلاح. وقد شككت التقديرات الإسرائيلية التي وصلت إلى الأمريكيين في إمكانية تحقيق هذه الخطوات، وراهنت على تنصل حركة حماس أو مراوغتها.
لذلك يحتاج نتنياهو إلى بيع إنجاز شكلي قبل لقائه ترامب، وتقليص مساحة الخلاف حول إدارة ملف غزة، خصوصًا وأنه يتجه إلى واشنطن حاملًا تعديلات على التصورات الأمريكية المتعلقة بغزة ولبنان وإيران، يسعى من خلالها إلى توسيع هامش حركة جيش الاحتلال وتجاوز الأسقف المحددة أمريكيًا، ما يجعل كل الموافقة لا تتعدى كونها عملية بيع إسرائيلية للوهم تهدف بالأساس للإبقاء على واقع الإبادة قائمًا بالقطاع.