الرئيسية| تقدير موقف| تفاصيل الخبر

تقدير موقف الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي: إعادة هندسة الصراع تحت عنوان وقف إطلاق النار

04:03 م،04 يونيو 2026

برنامج الإنتاج المعرفي

شكّل الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي المُعلن في 3 يونيو/ حزيران 2026 محطة سياسية وأمنية بارزة في مسار التصعيد المستمر على الجبهة اللبنانية منذ حرب 2024. ورغم تقديمه بوصفه إطارًا لوقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام تسوية أشمل، فإن بنوده وسياقاته التفاوضية والإقليمية تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعته الفعلية، وما إذا كان يؤسس لاستقرار مستدام أم يعيد تنظيم الصراع ضمن قواعد جديدة.

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية في ظل اختلال موازين القوى، والانقسام اللبناني الداخلي، وتشابك الملف اللبناني مع مسارات إقليمية أوسع، وفي مقدمتها المفاوضات الأمريكية–الإيرانية. وفي هذا الإطار، تسعى ورقة تقدير الموقف الصادرة عن برنامج الإنتاج المعرفي في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي إلى قراءة الاتفاق وخلفياته السياسية والتفاوضية، وتحليل دلالاته وانعكاساته المحتملة على مستقبل لبنان ومسار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

نصّ الاتفاق المُعلن: ما قاله وما سكت عنه

صدر الاتفاق في بيان ثلاثي مشترك عن وزارة الخارجية الأمريكية باسم حكومتي لبنان وإسرائيل، عقب اجتماع عُقد في واشنطن يومي 2 و3 حزيران/يونيو 2026. وتقوم بنيته المعلنة على أربعة عناصر رئيسية.

أولها وقف إطلاق النار المشروط؛ إذ لا يطرح البيان وقفًا متبادلًا ومتزامنًا للأعمال القتالية، وإنما يربط سريانه بوقف كامل لإطلاق النار من جانب حزب الله وإبعاد جميع عناصره من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بما يجعل الالتزام العملي الأول واقعًا على الحزب أكثر من كونه التزامًا متبادلًا بين الطرفين.

أما العنصر الثاني فهو إنشاء "مناطق تجريبية" تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأرض بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، مع استبعاد جميع الأطراف غير الحكومية. غير أن البيان لم يحدد جدولًا زمنيًا لهذه المناطق أو آلية واضحة للانسحاب، ما يجعل الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بإنشاء هذه المناطق واستكمال ترتيباتها الأمنية، وليس التزامًا مستقلًا ومباشرًا.

ويتمثل العنصر الثالث في الإطار الأمني الأوسع المستند إلى مناقشات جرت في البنتاغون في 29 أيار/مايو، والذي يركز على تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ومنع إعادة تشكيلها. وفي هذا السياق جددت إسرائيل مطالبتها بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، فيما شدد لبنان على احترام الحدود الدولية المعترف بها، والتنفيذ الكامل لوقف الأعمال القتالية، وصون السيادة ووحدة الأراضي اللبنانية، مع تعزيز قدرات الجيش اللبناني بدعم أمريكي لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

أما العنصر الرابع فهو إحالة القضايا الجوهرية إلى مفاوضات لاحقة؛ إذ اتفق الطرفان على استئناف المسارين السياسي والأمني خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران/يونيو بهدف التوصل إلى اتفاق شامل للأمن والسلام، مع تأكيد الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل أن مستقبل العلاقة بين البلدين يجب أن يُحدد من قبل الحكومتين السياديتين وحدهما.

وتبرز أهمية الاتفاق بقدر ما يعلنه وبقدر ما يتجاهله. فالبيان لم يشر إلى القرار الدولي 1701، رغم كونه المرجعية الأساسية التي استند إليها لبنان رسميًا في إدارة الملف الحدودي. كما خلا من أي التزام إسرائيلي صريح بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية أو ضمان عودة السكان إلى قراهم، ولم يتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا لتنفيذ أي من هذه الاستحقاقات.

وفي المقابل، جاءت الالتزامات العملية والقابلة للقياس موجهة بصورة أساسية نحو نزع السلاح والإخلاء ومنع إعادة الانتشار، بينما بقيت الالتزامات الإسرائيلية فضفاضة وغير محددة. وقد انعكس هذا الخلل سريعًا على الأرض مع استمرار الغارات الإسرائيلية على الجنوب بعد ساعات من الإعلان عن الاتفاق، بما في ذلك غارات قرب مدينة صور أسفرت عن سقوط عدد من القتلى.

الخلفية التفاوضية: مسارٌ تحت النار

لا يمكن فهم اتفاق 3 يونيو/حزيران 2026 بمعزل عن المسار الذي سبقه منذ حرب 2024، والتي شهدت اغتيال الأمين العام لحزب الله وتوجيه ضربات قاسية للحزب. فعلى الرغم من التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة أمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فإن الاتفاق سرعان ما تعرض لخروقات متواصلة، واستمرت العمليات الإسرائيلية الجوية والبرية داخل لبنان، ما جعل وقف إطلاق النار أقرب إلى هدنة هشة منه إلى تسوية مستقرة.

في هذا السياق أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون في مارس/آذار 2026 استعداد بلاده للدخول في مفاوضات مباشرة مع "إسرائيل" برعاية دولية لوقف التصعيد، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ انهيار اتفاق 17 أيار/مايو 1983. وانطلق المسار عمليًا باجتماع تحضيري في واشنطن خلال نيسان/أبريل 2026، قبل أن يتطور عبر عدة جولات تفاوضية انتهت إلى اتفاق حزيران.

لكن السمة الأبرز لهذا المسار أنه جرى تحت وقع العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، حيث تحولت القوة العسكرية إلى أداة ضغط تفاوضية مباشرة، إذ واصل الاحتلال الإسرائيلي عملياته الميدانية بالتوازي مع المفاوضات، بينما طُرحت مطالب أمنية واسعة شملت نزع سلاح حزب الله، وإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب الليطاني، وإنشاء ترتيبات أمنية مشددة على الحدود.

وفي موازاة ذلك، تشكلت المفاوضات عبر مسارين متوازيين، أمني وسياسي، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله لاحقًا إلى اتفاق أشمل برعاية أمريكية. وتولت واشنطن إدارة المسار بصورة كاملة، مع إصرارها على أن يتم التفاوض مباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية وبرعايتها الحصرية. وفي ظل هذا الواقع، خاض الوفد اللبناني المفاوضات من موقع الطرف الأضعف ميدانيًا، ساعيًا إلى انتزاع وقف للتصعيد من طرف يمتلك أدوات الضغط العسكري والسياسي.

وتفسر هذه الخلفية جانبًا مهمًا من الصياغة النهائية للاتفاق؛ إذ انعكس اختلال موازين القوى الذي حكم العملية التفاوضية على بنوده، فجاءت الالتزامات الواضحة والقابلة للقياس موجهة بصورة أساسية نحو الجانب اللبناني وحزب الله، في حين بقيت الالتزامات الإسرائيلية أكثر عمومية وأقل تحديدًا.

الخلاف اللبناني الداخلي: شرعية القرار والتفاوض

كشف قرار الانخراط اللبناني في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل عن انقسام عميق في المقاربات السياسية اللبنانية تجاه إدارة الصراع مع الاحتلال، وهو انقسام بات ينعكس بصورة متزايدة على الموقف الرسمي وآليات اتخاذ القرار. ويكتسب هذا التحول دلالات خاصة في نظام سياسي قام لعقود على التوافقات الداخلية وآليات التعطيل المتبادل، بما في ذلك مبدأ "الثلث المعطل"، الأمر الذي يشير إلى انزياح تدريجي في المقاربات التي حكمت السلوك الرسمي اللبناني لفترة طويلة، كما يكشف حدود ما يمكن أن تقبله القوى اللبنانية المختلفة من ترتيبات وتنازلات مرتبطة بوقف إطلاق النار.

في هذا السياق، دفعت رئاسة الجمهورية والحكومة باتجاه المسار التفاوضي باعتباره الخيار الأقل كلفة لاحتواء التصعيد واستعادة دور الدولة في إدارة الملف الأمني والحدودي. ومنذ انتخاب جوزيف عون وتشكيل حكومة نواف سلام، برز توجه رسمي يسعى إلى تكريس احتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري والتراجع عن الثلاثية التاريخية التي تضمنت الإشارة للـ"المقاومة"، ونقل مركز الثقل من الميدان إلى مسار تفاوضي تقوده المؤسسات الرسمية بدعم دولي.

في المقابل، عارض حزب الله المفاوضات المباشرة مع إسرائيل من حيث المبدأ، واعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية. ورغم تمسكه بمحددات تحظى بقبول واسع داخل لبنان، مثل احترام السيادة ووحدة الأراضي والحدود الدولية، فإنه نظر إلى المسار التفاوضي باعتباره مدخلًا للضغط عليه ونزع شرعيته السياسية والعسكرية. أما حركة أمل بقيادة نبيه بري، فتبنت موقفًا أكثر مرونة، مفضلة انتظار مخرجات المفاوضات قبل إصدار أحكام نهائية عليها.

وسعت الأطراف اللبنانية إلى بلورة موقف موحد عبر لقاء يجمع الرئيس جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، بدعم من وساطات إقليمية، إلا أن استمرار التصعيد الإسرائيلي والتوترات السياسية الداخلية حالا دون إنجاز هذا التوافق. ونتيجة لذلك، دخل لبنان المفاوضات في ظل غياب إجماع وطني كامل، وهو ما انعكس على هامش المناورة الذي امتلكه الوفد اللبناني خلال التفاوض.

ولا يقتصر جوهر الخلاف على الرغبة في وقف الحرب، فهذه مسألة تحظى بتوافق واسع، وإنما يتعلق بشرعية المسار نفسه، والثمن السياسي والسيادي المترتب عليه، والجهة التي تمتلك حق تقريره. ومن هنا اكتسبت صياغة الاتفاق أهمية خاصة، إذ إن تركيزها على التمييز بين "الدولة السيادية" و"الجهات غير الحكومية" لم يكن مجرد توصيف قانوني، إذ حمل دلالات سياسية تنسجم مع رؤية الفريق اللبناني الداعي إلى حصر القرار الأمني والعسكري بمؤسسات الدولة.

السياق الإقليمي: لبنان في جدول أعمال أوسع

لا يمكن فهم توقيت الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي بمعزل عن المسار التفاوضي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. فقد ربطت طهران بصورة متزايدة أي تفاهم مع واشنطن بتهدئة جبهات المنطقة، وفي مقدمتها لبنان، مؤكدة أن وقف التصعيد يشكل جزءًا من أي ترتيبات إقليمية محتملة.

وتجاوز الموقف الإيراني الدعوة إلى وقف إطلاق النار نحو المطالبة بوقف العمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان والانسحاب الكامل من المناطق التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية جنوب لبنان. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن مطلب الانسحاب الكامل لم يجد مكانًا واضحًا في البيان الثلاثي الذي خرجت به المفاوضات، ما يعكس الفجوة بين سقف المطالب الإقليمية ومخرجات التفاوض الفعلية.

وفي هذا السياق برز التدخل الأمريكي المباشر لمنع توسع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، وبخاصة استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت خلال المراحل الأخيرة من التفاوض، خشية انعكاس ذلك على المسار التفاوضي مع إيران. غير أن هذا التدخل اقتصر على إدارة مستوى التصعيد وضبط إيقاعه، إذ استمرت إسرائيل في التمسك بحرية عملها العسكري ومواصلة عملياتها في الجنوب اللبناني.

ومن المنظور الإقليمي، فإن الاتفاق يُشكّل تأطيرًا أمريكيًا–إسرائيليًا لجزء من الترتيبات الإقليمية الأوسع التي تتداخل فيها ملفات التهدئة الإقليمية، والمفاوضات الأمريكية–الإيرانية المعروفة بمسار إسلام أباد، وأمن الملاحة والطاقة، والملف النووي والعقوبات، في محاولة لمنع تحوّل التهدئة في لبنان إلى تكريسٍ لفعالية وجدوى مقاربة "وحدة الساحات"، بما يمنح حزب الله وإيران ربحًا سياسيًا ومعنويًا صافيًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

ولذلك جاء الاتفاق مركزًا على تثبيت تهدئة سريعة وتأجيل القضايا الخلافية الكبرى إلى جولات تفاوضية لاحقة، بما يوحي بأن الأولوية كانت احتواء التصعيد وخدمة المسار الإقليمي الأوسع أكثر من التوصل إلى تسوية نهائية للمسائل العالقة بين لبنان وإسرائيل.

قراءة تحليلية: إطارٌ يُنظّم الصراع أكثر مما يُنهيه

تشير بنية الاتفاق وسياقه التفاوضي إلى أنه أقرب إلى إطار سياسي وأمني لإدارة الصراع وإعادة تنظيمه، منه إلى تسوية نهائية تنهيه. ويمكن قراءة ذلك من خلال أربعة مستويات رئيسية.

أولًا، يقوم الاتفاق على تعميق الفصل بين الدولة اللبنانية وحزب الله. فالتركيز على أن العلاقة بين لبنان وإسرائيل تُدار حصراً عبر "الحكومتين السياديتين"، واستبعاد "الجهات غير الحكومية" من أي دور مستقبلي، يؤسس لمسار سياسي وأمني يهدف إلى حصر الشرعية بالدولة وتجريد حزب الله من دوره كفاعل أمني وعسكري، بما يعزز السردية التي تحاول تصويره باعتباره عبئًا على الدولة ومصدرًا للأزمات التي تواجهها.

ثانيًا، يُبقي الاتفاق على حرية الحركة الإسرائيلية باعتبارها جزءًا من بنيته الأساسية؛ فغياب جدول زمني واضح للانسحاب، وعدم وجود التزامات إسرائيلية مقابلة أو مرجعية دولية ملزمة، يفتح المجال أمام استمرار العمليات العسكرية تحت ذرائع أمنية مختلفة. ولذلك فإن الغارات التي تلت الإعلان عن الاتفاق ليست خروقًا بقدر ما تُشكل انعكاسًا لطبيعة الاتفاق نفسه الذي لم يحسم هذه المسألة.

ثالثًا، يعكس الاتفاق تحولًا في المرجعية الناظمة للصراع، فغياب القرار 1701 عن نص الاتفاق يعني الانتقال من إطار دولي يُلزم الطرفين إلى ترتيبات ثنائية تتركز التزاماتها العملية على نزع السلاح والإخلاء ومنع إعادة الانتشار، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيلية أقل وضوحًا وأكثر مرونة.

رابعًا، تكشف فكرة "المناطق التجريبية" عن نمط أوسع في التفكير الأمني الإسرائيلي يقوم على إنشاء مناطق تخضع لإدارة محلية مع احتفاظ إسرائيل بحرية التدخل العسكري والرقابة الأمنية. ورغم اختلاف السياق بين لبنان وغزة (أطروحات الفقاعات الإنسانية)، فإن القاسم المشترك يتمثل في السعي إلى إدارة البيئة الأمنية عبر ترتيبات محلية مع إبقاء السيطرة الاستراتيجية بيد إسرائيل، وهو نموذج يثير تساؤلات حول إمكانية تحوله إلى واقع دائم يصعب الخروج منه لاحقًا.

وفي المقابل، ثمة مقاربة أخرى ترى في الاتفاق محاولة لتجنيب لبنان مزيدًا من الدمار في ظل اختلال واضح في موازين القوى، وفرصة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها. وهي قراءة تستند إلى اعتبارات واقعية لا يمكن تجاهلها، خاصة أن وقف نزيف الدم وحماية المدنيين يمثلان هدفًا مشروعًا بحد ذاته. غير أن هذه المقاربة تصطدم بإشكالية أساسية تتمثل في أن التهدئة جاءت من دون معالجة جذور الصراع أو فرض التزامات متبادلة ومتوازنة على الطرفين.

وبناءً على ذلك، فإن الاتفاق في صيغته الحالية يُشكل مأسسةً لتنظيم الصراع وإدارته ضمن سقف منخفض من التصعيد، أكثر من كونه مدخلًا لإنهائه. فهو يؤجل القضايا الجوهرية، ويُبقي لإسرائيل هامشًا واسعًا من حرية الحركة العسكرية، في تكرار لعناصر الخلل التي رافقت اتفاق وقف إطلاق النار السابق طوال الأشهر الخمسة عشر الماضية. وعليه، فإن استدامة الاتفاق ستبقى رهينة التفاهمات الإقليمية والدولية التي أفرزته، أكثر من ارتباطها بتسوية فعلية للأسباب البنيوية التي تحكم الصراع وتوقف الاعتداءات الإسرائيلية.