في خضم حرب غير مسبوقة على قطاع غزة، وأزمة مالية وسياسية خانقة تمرّ بها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أقدمت الوكالة مطلع عام 2026 على إنهاء عقود أكثر من 570 موظفًا من موظفيها الذين اضطروا لمغادرة القطاع بفعل الحرب، معظمهم من العاملين في قطاع التعليم. وقد أثار القرار الذي استند إلى بند الفصل الوارد في أنظمة موظفي الوكالة تحت مسمى "مصلحة الأونروا"، موجة واسعة من الجدل داخل الجسم الوظيفي، وفي الأوساط النقابية والرسمية، لما يحمله من تداعيات قانونية وإنسانية ومؤسسية عميقة.
تتجاوز أهمية هذا القرار كونه إجراءً إداريًا مرتبطًا بأزمة تمويل طارئة، ليطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الأونروا وموظفيها في ظروف الحرب، وحدود استخدام الصلاحيات القانونية الاستثنائية، ومدى التزام الوكالة برسالتها الأساسية القائمة على إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. كما يفتح النقاش حول تأثير هذه القرارات على استمرارية العملية التعليمية وجودة الخدمات، وعلى الاستقرار الوظيفي لمئات العائلات الفلسطينية التي تعتمد على الأونروا كمصدر رزق وحيد.
ينطلق هذا التقرير من مقابلة أجراها مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي مع عبد العزيز أبو سويرح، نائب رئيس اتحاد العاملين في وكالة الغوث، بوصفه مصدرًا رئيسيًا لتفكيك خلفيات القرار، وقراءة أبعاده القانونية والمهنية، ورصد انعكاساته الإنسانية، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة في ظل استمرار الضغوط المالية والسياسية على الوكالة.
خلفية القرار وسياقه الإداري والقانوني داخل الأونروا
صدر قرار إنهاء عقود أكثر من 570 موظفًا من موظفي الأونروا الذين غادروا قطاع غزة في سياق استثنائي فرضته الحرب المستمرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقها من نزوح قسري وتعطّل واسع للبرامج الميدانية.
وبحسب ما أُبلغ به الموظفون مطلع كانون الثاني/يناير 2026، فإن القرار استند إلى بند الفصل الوارد في النظام (9-1-1) من أنظمة موظفي الوكالة، الذي يمنح المفوض العام صلاحية إنهاء عقود العمل "لصالح الوكالة".
وفق ما أوضحه نائب رئيس اتحاد العاملين في الأونروا، عبد العزيز أبو سويرح، فإن الأونروا تمتلك منظومة توظيف خاصة بها، تختلف في بعض تفاصيلها عن قوانين العمل المحلية، لكنها في المجمل تتقاطع مع مبادئ قانون العمل الدولي. غير أن طبيعة العقود وبنودها تمنح الإدارة هامشًا قانونيًا واسعًا للتحرك، خاصة في حالات الطوارئ والأزمات المالية، وهو ما استُخدم في هذه الحالة لتبرير إنهاء العقود.
ويشير أبو سويرح إلى أن بند "مصلحة الأونروا" الوارد في النظام (9-1-1) يُعد من أكثر البنود إشكالية، نظرًا لعموميته واتساع مجال تفسيره، فبينما ترى الإدارة أن القرار يندرج ضمن إدارة الموارد في ظل عجز مالي وضغوط من الدول المانحة، يطرح الموظفون تساؤلات جوهرية حول ماهية هذه "المصلحة"، وحدود استخدامها، خاصة عندما تُطبّق على موظفين خدموا الوكالة لعقود طويلة، واستثمرت في تدريبهم وتأهيلهم المهني.
وتزامن القرار مع تبريرات رسمية تشير إلى رفض بعض الدول المانحة تغطية رواتب موظفين يعملون خارج "منطقة العمليات"، إضافة إلى الحديث عن أزمة تمويل خانقة تهدد استمرارية برامج الوكالة. غير أن هذا السياق، بحسب الاتحاد، لم يُرافقه أي مسار تدريجي أو بدائل مرحلية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي، إذ جاء القرار مفاجئًا، ودون إشعار مسبق أو إجراءات انتقالية، ما فاقم من حدّته وانعكاساته.
كما يلفت أبو سويرح إلى أن النقاشات الداخلية التي سبقت القرار كانت قد طرحت سيناريوهات متعددة للتعامل مع أوضاع الموظفين الذين غادروا القطاع، من بينها استيعابهم في أقاليم أخرى، أو إعادة من يرغب منهم إلى غزة، أو الاستفادة منهم في برامج التعليم عن بُعد. إلا أن هذه الخيارات لم تُترجم إلى سياسات عملية، ليُصار في النهاية إلى اتخاذ قرار الإنهاء دفعة واحدة، باعتباره الحل الإداري الأسهل من وجهة نظر الإدارة.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل القرار عن السياق الأوسع الذي تمرّ به الأونروا، والمتمثل في ضغوط سياسية ومالية متراكمة، وحديث متزايد عن خطط لإعادة هيكلة منظومة الأمم المتحدة وتقليص أعداد الموظفين. غير أن خصوصية حالة غزة، كما يؤكد الاتحاد، تجعل من تطبيق هذه المقاربات العامة مسألة إشكالية، نظرًا لأن جوهر تأسيس الأونروا يقوم على إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في أوقات الأزمات، لا تحميلهم كلفة هذه الأزمات.
القراءة النقابية للقرار وحدود "مصلحة الأونروا"
يرى اتحاد العاملين في وكالة الغوث أن جوهر الإشكال في قرار إنهاء العقود لا يقتصر على كونه إجراءً إداريًا، بل يرتبط بكيفية توظيف الصلاحيات القانونية القصوى في ظرف استثنائي، وبالطريقة التي جرى فيها تعريف "مصلحة الأونروا" وتطبيقها عمليًا.
وبحسب ما يوضحه نائب رئيس الاتحاد، عبد العزيز أبو سويرح، فإن اعتماد الإدارة على بند الفصل الوارد في النظام (9-1-1) يفتح نقاشًا جوهريًا حول ما إذا كانت هذه المصلحة تتحقق فعلًا عبر الاستغناء عن موظفين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الوكالة، في وقت لا تزال فيه برامجها، وعلى رأسها التعليم، قائمة وتحتاج إلى كوادر مؤهلة.
ويشير أبو سويرح إلى أن هؤلاء الموظفين جرى الاستثمار فيهم على مدى سنوات من حيث التدريب والخبرة، ما يجعل الاستغناء عنهم في هذه المرحلة قرارًا مكلفًا مهنيًا ومؤسسيًا، وليس مجرد إجراء تقشفي. كما يطرح تساؤلًا مركزيًا: هل الأونروا ليست بحاجة فعلية إلى هؤلاء الموظفين، أم أن القرار جاء استجابة لضغوط مالية وسياسية خارجية أكثر منه تقييمًا حقيقيًا للاحتياج الوظيفي؟
من وجهة نظر الاتحاد، فإن توصيف القرار بوصفه "لصالح الوكالة" يصطدم بواقع أن الغالبية العظمى من المفصولين يعملون في قطاع التعليم، وهو أحد أعمدة عمل الأونروا. فوقف أو إضعاف هذا القطاع لا يعني تقليص نفقات فحسب، بل يهدد بإغلاق البرنامج التعليمي أو تقويض جودته، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على التعليم عن بُعد نتيجة الحرب.
كما يؤكد أبو سويرح أن القرار يفتقر إلى التدرج القانوني والإداري، إذ لم يُسبق بإجراءات مرحلية أو إنذارات واضحة، ولم يُطرح ضمن مسار تشاركي مع ممثلي الموظفين. ويعتبر أن غياب هذا التدرج يعزز من توصيف القرار كفصل تعسفي، لا سيما في ظل الظروف القاهرة التي دفعت الموظفين إلى مغادرة قطاع غزة قسرًا، وليس بناءً على خيار شخصي أو تقصير مهني.
ويضيف أن تأسيس الأونروا يقوم في أحد أركانه الأساسية على "تشغيل اللاجئين"، وليس فقط تقديم الخدمات لهم، وهو ما يجعل أي قرار يمسّ بهذا البعد مسألة تمس جوهر وظيفة الوكالة وهويتها. ومن هذا المنطلق، يرى الاتحاد أن الفصل الجماعي لمئات الموظفين، دون بدائل أو حلول انتقالية، يتناقض مع الدور الذي أنشئت الأونروا من أجله، خاصة في أوقات الأزمات والحروب.
الانعكاسات الإنسانية والمهنية على الموظفين والعملية التعليمية
يؤكد اتحاد العاملين في الأونروا أن قرار إنهاء عقود مئات الموظفين لا يقتصر أثره على الجانب الوظيفي، بل يحمل تداعيات إنسانية ومهنية عميقة، تطال الموظفين المفصولين وأسرهم، وتمتد في الوقت ذاته إلى جودة واستمرارية العملية التعليمية داخل الوكالة. فالغالبية العظمى من المتضررين هم من العاملين في القطاع الأكثر حساسية في ظل الحرب وتداعياتها الاجتماعية والنفسية.
على المستوى الإنساني، يوضح نائب رئيس الاتحاد أن غالبية الموظفين المفصولين يقيمون حاليًا في دول ليست بلدانهم الأصلية، ما يضعهم أمام أعباء معيشية مضاعفة تشمل الإيجارات المرتفعة، وتكاليف المعيشة، ورسوم تعليم الأبناء التي تفوق بكثير ما كانت عليه داخل قطاع غزة. كما أن عددًا كبيرًا منهم يعيل أسرًا لا تزال داخل القطاع، ما يعني تحمّل نفقات مزدوجة في ظل انقطاع الدخل بشكل مفاجئ.
ويضيف أن بعض الموظفين خرجوا مع جزء من أسرهم، فيما بقي جزء آخر داخل غزة، الأمر الذي فاقم من تعقيد أوضاعهم النفسية والمالية، ووضعهم أمام مأزق إنساني حاد. ويصف الاتحاد الوضع الحالي للموظفين بأنه "مأساوي وكارثي"، خاصة في ظل تأكيد الإدارة أن القرار نهائي وغير قابل للنقاش، وربطه المباشر بالأزمة المالية ورفض بعض الدول المانحة تمويل رواتب موظفين خارج منطقة العمليات.
مهنيًا، يرى الاتحاد أن القرار ستكون له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على جودة العملية التعليمية، فهؤلاء الموظفون خرجوا من حرب طاحنة، ومن ظروف مجاعة وانعدام أمان، ومع ذلك يمتلكون خبرة طويلة وقدرة على الاستمرار في تقديم الخدمة التعليمية، خاصة في ظل التحول الواسع نحو التعليم عن بُعد. ويشير إلى أن وجود المعلم خارج قطاع غزة قد يشكّل في بعض الحالات ميزة إضافية، نظرًا لتوفر الكهرباء والإنترنت والاستقرار النسبي، وعدم تعرضه لضغوط القصف المباشر أو الانهيار النفسي المستمر.
من هذا المنطلق، يرى الاتحاد أن الاستفادة من هؤلاء الموظفين كان يمكن أن تكون أكبر، سواء عبر تكليفهم بمهام تعليمية إضافية، أو دعم الطلبة في ظل التحديات التقنية والنفسية التي تواجه التعليم داخل القطاع. في المقابل، فإن الاستغناء عن هذا العدد الكبير من الكوادر سيؤدي إلى زيادة الضغط داخل الصفوف، وتراجع جودة التعليم، وإضعاف قدرة الوكالة على الوفاء بالتزاماتها التربوية.
ولا يقتصر الأثر على الحاضر القريب، إذ يحذر الاتحاد من أن هذه الانعكاسات ستتراكم على المدى البعيد، بما يهدد أحد أقدم وأهم برامج الأونروا. فالمؤسسة التي قاربت ثمانية عقود من العمل تجد نفسها، وفق هذا المسار، أمام خطر تقويض جودة خدماتها في لحظة كان يفترض أن تكون فيها في ذروة دورها الداعم للاجئين الفلسطينيين في واحدة من أقسى مراحل تاريخهم.
آليات الطعن وحدودها والسيناريوهات المحتملة داخل الأونروا
فيما يتعلّق بالمسارات القانونية المتاحة أمام الموظفين المفصولين، يوضح نائب رئيس اتحاد العاملين، عبد العزيز أبو سويرح، أن الأونروا تمتلك نظام قضاء داخلي يتيح للموظفين الطعن في القرارات الإدارية، بما في ذلك قرارات إنهاء العقود. غير أن الإشكالية الأساسية، بحسب الاتحاد، تكمن في أن الطعن لا يوقف تنفيذ القرار، إذ يُقدَّم بعد أن يكون الفصل قد دخل حيّز التنفيذ فعليًا.
ويشير إلى أن إجراءات الطعن قد تستغرق ما بين عام إلى عامين، وهي مدة طويلة في ظل انقطاع الدخل الكامل، وتفاقم الأعباء المعيشية، والظروف النفسية القاسية التي يمرّ بها الموظفون. وفي كثير من الحالات، قد يبلغ بعض الموظفين سن التقاعد قبل البت في الطعون، ما يفقد هذا المسار فعاليته العملية، ويحوّله إلى إجراء شكلي أكثر منه أداة إنصاف سريعة.
على المستوى النقابي، يؤكد أبو سويرح أن الاتحاد مارس حقه في العمل النقابي منذ المراحل الأولى للأزمة، عبر إصدار بيانات، والدخول في نزاع عمل مع الإدارة، وتنفيذ وقفات احتجاجية واعتصامات، إضافة إلى التواصل مع أقاليم الأونروا الأخرى. إلا أن هذه التحركات، وفق تقديره، لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، بل قوبلت بقرارات وصفها بالمفاجئة، أبرزها إيقاف الموظفين عن العمل دون راتب لمدة عام، قبل الانتقال إلى قرار الفصل النهائي.
ويعرب الاتحاد عن قلقه من أن القرار الحالي قد لا يكون الأخير، خاصة في ضوء تصريحات سابقة للمفوض العام تحدث فيها عن "قرارات صعبة" قادمة دون توضيح طبيعتها، وربطها بسياق أوسع لإعادة هيكلة منظومة الأمم المتحدة، وتقليص أعداد الموظفين بنسبة قد تصل إلى 25%. ويرى الاتحاد أن غموض هذه التصريحات، وغياب الشفافية في إشراك الموظفين وممثليهم في صنع القرار، يعمّق حالة الخوف وعدم الاستقرار داخل المؤسسة.
في هذا الإطار، يشدد أبو سويرح على أن استمرار الأزمة المالية لا يمكن تحميله للموظفين، معتبرًا أن مسؤولية تأمين التمويل تقع على عاتق الإدارة العليا والدول المانحة، لا على العاملين الذين يشكّلون العمود الفقري لخدمات الوكالة. ويؤكد أن الاتحاد سيواصل استخدام أدواته النقابية المشروعة للدفاع عن حقوق الموظفين، مع الحرص في الوقت ذاته على حماية المؤسسة ومصالح اللاجئين الفلسطينيين، باعتبار أن أي إضعاف للأونروا سينعكس مباشرة على الفئات الأكثر هشاشة.
الخلاصة
يُظهر قرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بإنهاء عقود أكثر من 570 موظفًا ممن غادروا قطاع غزة أن الوكالة تقف اليوم أمام اختبار مركّب يتجاوز كونه إجراءً إداريًا أو استجابة لأزمة تمويل طارئة. فالقرار، كما تكشف القراءة النقابية والإنسانية له، يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بحدود استخدام الصلاحيات القانونية الاستثنائية، وغياب التدرج والبدائل، وانعكاس ذلك على الاستقرار الوظيفي وجودة الخدمات، ولا سيما في قطاع التعليم الذي يشكّل أحد أعمدة عمل الأونروا.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل هذه القرارات عن السياق السياسي الأوسع الذي تعمل فيه الوكالة، في ظل تصاعد الاستهداف العلني والممنهج لها من قبل الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، سواء عبر محاولات الحظر، أو تجفيف التمويل، أو نزع الشرعية عنها بوصفها شاهدًا دوليًا على النكبة وقضية اللاجئين. وهو ما يجعل أي إضعاف للأونروا من الداخل، تحت ضغط الأزمات أو شروط المانحين، خطرًا يتجاوز حدوده المؤسسية ليطال جوهر التفويض والدور التاريخي للوكالة.
من هذا المنطلق، فإن الحقوق التشغيلية لموظفي الأونروا لا تمثّل مسألة مطلبية معزولة، بل تُعد جزءًا أصيلًا من معركة الحفاظ على الوكالة نفسها، وعلى بعدها الإغاثي والتعليمي والتشغيلي، وعلى قضية اللاجئين الفلسطينيين حيّة في الوعي الدولي. وعليه، فإن المرحلة الراهنة تتطلب مقاربة فلسطينية شاملة، رسمية ونقابية وشعبية، لا تكتفي بإدارة تداعيات القرار، بل تعمل على مواجهة مسار إضعاف الأونروا سياسيًا ومؤسسيًا، بوصف ذلك دفاعًا عن الحقوق، والذاكرة، وأحد آخر الشواهد الدولية على النكبة المستمرة.