يشكّل قرار الاحتلال الإسرائيلي سحب تراخيص عدد من المؤسسات الإنسانية غير الحكومية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة نقطة تحوّل نوعية في مسار التعامل الإسرائيلي مع العمل الإنساني، ليس فقط من حيث اتساع نطاق الاستهداف وعدد المؤسسات المشمولة، بل من حيث الدلالة السياسية والقانونية العميقة التي يحملها هذا القرار في لحظة تاريخية تتسم بحرب إبادة مفتوحة، وانهيار شامل لمقومات الحياة، وتحويل الفضاء الفلسطيني إلى مختبر دائم لإعادة تعريف القانون والإنسان والحقوق.
فالقرار الذي جرى تسويقه إسرائيليًا بوصفه إجراءً تنظيميًا متعلقًا بإعادة التسجيل والترخيص، لا يمكن فصله عن السياق الأشمل الذي يتشكّل منذ سنوات، ويتسارع بصورة غير مسبوقة منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث باتت أدوات الإدارة المدنية، والقوانين المحلية، وإجراءات الترخيص، جزءًا لا يتجزأ من آلة الحرب ذاتها. هنا، لا تُستخدم البيروقراطية لضبط المجال العام، بل لتحويلها إلى وسيلة خنق جماعي، وإلى تقنية استعمارية متقدمة لإنتاج الموت البطيء، وإدامة شروط الفناء الاجتماعي والاقتصادي.
إن استهداف ما يزيد عن ثلاثين مؤسسة إنسانية دفعة واحدة، بينها منظمات تشكّل العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في مجالات الغذاء والصحة والمياه والمأوى، يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن المعركة لم تعد فقط مع الفاعلين السياسيين أو المقاومة الفلسطينية كحالة متقدمة للاشتباك اليومي والميداني مع الاحتلال الإسرائيلي على الارض، بل مع كل ما يحول دون الانهيار الكامل للمجتمع الفلسطيني. فالعمل الإنساني، في هذا السياق، لم يعد نشاطًا محايدًا من وجهة نظر الاحتلال، بل بات يُنظر إليه كعائق بنيوي أمام تحقيق أهداف السيطرة والإخضاع، وكفضاء بديل يحافظ على الحد الأدنى من الحياة والكرامة في وجه مشروع يسعى إلى تحويل فلسطين إلى أرض طاردة لسكانها.
العمل الإنساني كهدف مباشر في العقيدة الاستعمارية الإسرائيلية
لم يكن استهداف المنظمات الإنسانية الدولية في فلسطين تطورًا مفاجئًا أو استثنائيًا، بل هو نتيجة منطقية لمسار طويل من السياسات التي عملت إسرائيل من خلالها على إعادة تعريف العمل الإنساني وفق شروطها الأمنية والسياسية. فمنذ سنوات، سعت سلطات الاحتلال إلى إخضاع المنظمات الدولية لنظام تصاريح معقّد، وربطت استمرار عملها بمدى تعاونها مع الأجهزة الإسرائيلية، وبدأت تدريجيًا بتوسيع دائرة الاتهام والشيطنة بحق هذه المنظمات، وصولًا إلى تصويرها كجهات غير محايدة أو مسيّسة.
غير ان الاستهداف للمؤسسات الإنسانية الدولية سبقه استهداف ممنهج للمؤسسات الاهلية المحلية، لكن بوتيرة اكثر قوة وصرامة من حيث الفعل الاستعماري، فقد تم وصم ما يزيد عن ستة مؤسسات تخدم قطاعات اجتماعية وفئات هشة بكونها اذرع لقوى سياسية فلسطينية مصنفة إسرائيليا بانها إرهابية، ما تبع هذا التصنيف من منع لممارسة النشاط لهذه المؤسسات واقتحام مقارها ومصادرة أصولها وملفاتها واعتقال عدد من العاملين فيها وصولا الى الاستجابة غير المبررة من البنوك الفلسطينية لهذه السياسات والتي وصلت الى حد وقف او تجميد حسابات هذه المؤسسات ما حرمها من قدرتها على العمل حتى مع استمرار تواصل المؤسسات الدولية العمل والتمويل لهذه المؤسسات وهو ما كان يعتبر مقدمة للاستهداف الإسرائيلي للمؤسسات الإنسانية الدولية.
بيد أن ما يميّز قرار سحب تراخيص عدد من المؤسسات الإنسانية الدولية هو أنه لم يعد يكتفي بالضغط أو التضييق، بل ينتقل إلى مستوى الإقصاء المنهجي، وإلى محاولة تفكيك البنية الكاملة للعمل الإنساني المستقل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالشروط الجديدة المفروضة لإعادة التسجيل، وعلى رأسها إلزام المنظمات بتسليم بيانات شخصية حساسة لموظفيها الفلسطينيين وأفراد أسرهم، لا تهدف فقط إلى التدقيق الأمني، بل إلى تحويل العاملين الإنسانيين أنفسهم إلى أدوات خاضعة لمنظومة السيطرة، وإلى كسر الثقة بينهم وبين مجتمعاتهم المحلية وهو ما يمكن اعتباره تدخلا مباشرا من قبل الاحتلال بعمل هذه المؤسسات وبما يسهم فعليا بإعادة صياغة وهيكلة المجتمع المدني الفلسطيني بشكل كامل في محاولة لتطويع هذا القطاع بوصفه أداة صمود للفلسطينيين في مواجهة سياسات القمع والتهجير القصري الذي ينتهجه الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023.
في هذا الإطار، يصبح العمل الإنساني هدفًا مباشرًا، لا بسبب ما يقدمه من خدمات فقط، بل بسبب ما يمثّله رمزيًا وسياسيًا. فهو يشكّل حضورًا دوليًا ميدانيًا مستقلًا، يوثّق الجرائم، ويرفض الانخراط في منطق العقاب الجماعي، ويُبقي نافذة مفتوحة على العالم في وجه مشروع يسعى إلى عزل الفلسطينيين وتجريدهم من أي حماية دولية فعلية. ولذلك، فإن تجريم هذا العمل لا ينفصل عن الهجوم المتواصل على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ولا عن محاولات تقويض أي إطار دولي يعترف بخصوصية الحالة الفلسطينية وحقوقها التاريخية.
القانون الدولي الإنساني بين النص والتطبيق: تفريغ الالتزامات من مضمونها
من منظور القانون الدولي الإنساني، لا يترك قرار سحب تراخيص المنظمات الإنسانية مجالًا واسعًا للتأويل. فإسرائيل، بوصفها قوة احتلال، ملزمة قانونًا بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين، وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية المحايدة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها عرقلة تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان الواقعين تحت الاحتلال. هذه الالتزامات ليست خيارًا سياسيًا، ولا تخضع لتقدير القوة القائمة بالاحتلال، بل تشكّل جوهر النظام القانوني الذي وُضع أصلًا لحماية المدنيين في زمن النزاعات المسلحة.
غير أن الممارسة الإسرائيلية تكشف عن مسار مغاير، يقوم على إعادة هندسة العلاقة مع القانون الدولي، ليس عبر الانسحاب منه صراحة، بل عبر تفريغه من محتواه وتحويله إلى مجموعة نصوص شكلية تُستخدم انتقائيًا لتبرير سياسات تتناقض مع روحه ومقاصده. ففي اللحظة التي تُربط فيها المساعدات الإنسانية باعتبارات أمنية فضفاضة، ويُمنع العمل الإنساني المستقل بحجة السيادة أو مكافحة الإرهاب، يصبح القانون ذاته أداة في يد القوة المهيمنة، بدل أن يكون قيدًا عليها.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج يفتح الباب أمام تطبيع سياسات قد ترقى إلى مستوى الجرائم الدولية. فالتجويع، وحرمان السكان من العلاج، وخلق ظروف معيشية غير قابلة للحياة، ليست مجرد آثار جانبية لحرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة وامتدت لتشمل مخيمات الضفة الغربية، بل أفعال محظورة صراحة في القانون الدولي، وتشكّل أركان جريمة الإبادة الجماعية. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل قرار سحب التراخيص عن السياق الأوسع لحرب الإبادة التي لا تزال الجارية في قطاع غزة رغم توقيع اتفاق وقف اطلاق النار برعاية أمريكية.
غزة كمختبر للإبادة الإدارية: تفكيك المجتمع عبر خنق المساعدات
في قطاع غزة، تتخذ آثار هذا القرار بعدًا وجوديًا. فالقطاع، الذي تعرّض لدمار هائل طال البنية التحتية والمساكن والمؤسسات الصحية والتعليمية، يعيش حالة نزوح داخلي غير مسبوقة، حيث باتت الغالبية الساحقة من السكان بلا مأوى دائم، وتعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية للبقاء. وفي هذا السياق، لا تمثّل المنظمات الإنسانية الدولية وشركائها من المؤسسات الاهلية المحلية مجرّد جهات مساندة، بل تشكّل العمود الفقري لما تبقى من منظومة الحياة.
إن سحب تراخيص هذه المنظمات يعني عمليًا تعطيل أكثر من نصف المساعدات الغذائية، وتقويض عمل غالبية المستشفيات الميدانية، ووقف برامج المياه والصرف الصحي، وإنهاء خدمات علاج سوء التغذية الحاد للأطفال، وهي خدمات لا تملك أي جهة محلية القدرة على تعويضها في ظل الحصار والدمار الشامل. وبذلك، يتحول القرار الإداري إلى أداة إبادة بطيئة، تُدار عبر الجداول الزمنية والإخطارات الرسمية بدلًا من الصواريخ بشكلها الابادي الفظ، رغم استمرار القصف المنهجي والذي يسقط عدد من الشهداء بشكل يومي.
هذا الشكل من الإبادة الإدارية يعكس تطورًا خطيرًا في أدوات السيطرة الاستعمارية. فبدل الاكتفاء بالقوة العسكرية المباشرة، يجري استخدام الإدارة المدنية كوسيلة لإنتاج الموت المنظّم، عبر خلق بيئة لا يمكن للحياة أن تستمر فيها. وهنا، يصبح العمل الإنساني آخر خطوط الدفاع عن المجتمع، واستهدافه يعني استهداف القدرة الجماعية على الصمود والاستمرار.
إدارة بلا سيادة: حكومة التكنوقراط في ظل تفكيك الفضاء الإنساني
يتزامن قرار سحب تراخيص المنظمات الإنسانية مع تشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة، في محاولة لتقديم مخرج إداري للأزمة المتفاقمة. غير أن هذا الطرح، حين يوضع في سياق خنق العمل الإنساني وتجريمه، يكشف عن تناقض بنيوي لا يمكن تجاهله. فلا يمكن لأي حكومة، مهما كانت طبيعتها التقنية أو المحايدة، أن تدير شؤون مجتمع يُمنع فيه الفاعلون الإنسانيون الدوليون من العمل، وتُحاصر فيه الموارد، وتُغلق المعابر، وتُقيّد فيه حركة الأفراد والبضائع.
إن سحب تراخيص عدد من المؤسسات إنسانية يفرغ أي إدارة مدنية محتملة من مضمونها، ويحوّلها إلى واجهة شكلية تعمل تحت سقف الاحتلال، دون سيطرة حقيقية على أدوات الحياة الأساسية. وبدل أن تكون حكومة التكنوقراط خطوة نحو التعافي، تصبح جزءًا من إدارة الأزمة ضمن الشروط التي يفرضها الاحتلال، ما لم يُكسر الإطار البنيوي الذي يربط الخدمات الإنسانية والسياسات العامة بإرادة القوة القائمة بالاحتلال.
نحو مواجهة منظمة: التصدي ومواجهة إعادة الهيكلة والتطويع الإسرائيلي
في مواجهة هذا الخطر، لا يمكن الاكتفاء بالإدانة أو التعويل الحصري على ردود الفعل الدولية، بل تبرز الحاجة إلى دور فاعل ومنظم للمجتمع المدني الفلسطيني، بوصفه فاعلًا سياسيًا واجتماعيًا، لا مجرد متلقٍ للمساعدات. ويتطلب ذلك أولًا بناء خطاب وطني حقوقي موحّد يعيد تعريف استهداف المنظمات الإنسانية بوصفه اعتداءً مباشرًا على حق الشعب الفلسطيني في الحياة، وليس مسألة تقنية تخص المنظمات الدولية والمحلية الفلسطينية وحدها.
كما يفرض الواقع ضرورة تطوير أدوات توثيق وتحليل قانوني ممنهج، تقودها مؤسسات المجتمع المدني بالتعاون مع خبراء قانون دولي، بهدف تحويل قرار خنق المؤسسات الإنسانية الدولية والمحلية إلى ملف قانوني متكامل يُطرح أمام الآليات الدولية، ويُربط بشكل واضح بسياق الإبادة الجماعية والجرائم المستمرة. وفي الوقت ذاته، يصبح من الضروري تعزيز الشراكات بين المنظمات الفلسطينية المحلية والمنظمات الدولية المستهدفة، ليس فقط على مستوى التنفيذ، بل على مستوى المناصرة المشتركة، بما يكسر محاولة الاحتلال عزل الفاعلين عن بعضهم البعض.
ولا يقل أهمية عن ذلك العمل على تعبئة الرأي العام الفلسطيني، وخصوصًا في مجتمعات النزوح، لفهم أبعاد هذا القرار وخطورته، ومنع تحويله إلى شأن نخبوي أو تقني. فالدفاع عن العمل الإنساني هو دفاع عن الحق الجماعي في البقاء، ويتطلب انخراطًا شعبيًا واعيًا يربط بين النضال اليومي من أجل الخبز والدواء، والنضال السياسي ضد بنية الاحتلال.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا دور الاتحادات والنقابات واللجان الشعبية في الضغط على الأطر الرسمية الفلسطينية، لمنع أي تكيّف أو تطبيع مع القرار الإسرائيلي، أو القبول بإدارته كأمر واقع. فمواجهة تجريم العمل الإنساني تستلزم موقفًا وطنيًا واضحًا يرفض تحويل الحقوق الأساسية إلى أدوات تفاوض أو مساومة، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الوصول الإنساني غير مشروط، وغير قابل للتسييس، وغير خاضع لإرادة الاحتلال.
ما يعني ان الفعل الجمعي الفلسطيني يجب ان يركز على بناء أدوات شعبية وجماهيرية فاعلة تتصدى لمحاولة إعادة هيكلة المجتمع المدني ليصبح أداة هيمنة للاحتلال بدل كونه أداة صمود للمجتمع الفلسطيني، وبما يعني توجيه الضغط والفعل الشعبي ليس فقط على الاحتلال بل أيضا على المؤسسات الفلسطينية التي تخضع للاحتلال واهمها البنوك وإدارة المؤسسات الدولية التي تعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة كما ان نموذج التصدي لقرار فرض التوقيع على وثيقة الإرهاب الامريكية والتي تبنتها في سياق سابق مؤسسات التمويل الامريكية لفرض اجندتها على المؤسسات الاهلية والإنسانية الفلسطينية كان نموذجا جيدا في المقاطعة ومواجهة محاولات الفرض للأجندة بما يعني تبني موقفا وطنيا واضحا وملزما للمؤسسات الاهلية والإنسانية الفلسطينية بالتصدي لهذه الإجراءات بمساندة ودعم من القوى السياسية الفلسطينية بمختلف توجهاتها.
بهذا المعنى، لا يشكّل قرار سحب تراخيص المؤسسات الإنسانية الدولية مجرد تحدٍ للمنظمات الدولية، بل اختبارًا شاملًا لقدرة المجتمع الفلسطيني، بكل مكوناته، على تحويل الدفاع عن الإنسانية إلى جزء لا يتجزأ من مشروعه التحرري، وعلى مواجهة الإبادة لا فقط بالصمود، بل بالفعل السياسي المنظّم، والوعي القانوني، والعمل الجماعي المستند إلى العدالة والحق.