تشير مجمل التطورات التي شهدتها الساعات الأخيرة إلى انتقال الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران من طور الضربات المركّزة إلى مرحلة اشتباك إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع مسارات الطاقة والملاحة الدولية، فبين تصاعد الهجمات المتبادلة واتساع نطاقها ليشمل الخليج ولبنان، وبين الشلل شبه الكامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تتبلور معادلة جديدة للصراع، تتجاوز حدود المواجهة التقليدية نحو إعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة.
وفي موازاة هذا التصعيد، يبرز تناقض واضح في السلوك الأمريكي، يجمع بين رفع وتيرة العمليات العسكرية والتلويح بمسار تفاوضي لم تتضح معالمه بعد، ما يعكس حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، ويعزز فرضية أن الصراع يتجه نحو مسار استنزاف طويل، أكثر منه نحو حسم سريع.
التصعيد يتجه نحو تعقيد المشهد لا حسمه
تعكس المعطيات الأخيرة ارتفاعًا في وتيرة الضربات وتنوعها، لكن دون أن يقترن ذلك بأي مؤشر على اقتراب الحسم، بل على العكس، يبدو أن مسار العمليات يتجه نحو مزيد من التعقيد وتداخل المسارات.
تركزت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على توسيع بنك الأهداف داخل العمق الإيراني، لتشمل منشآت ذات طابع نووي وصناعي وبنى تحتية حيوية، في محاولة لرفع الكلفة الاستراتيجية على طهران، بالتوازي مع استمرار الرد الإيراني عبر موجات صاروخية وضربات مركّبة تستهدف عمق الاحتلال ومواقع مرتبطة بالحضور الأمريكي في المنطقة.
لكن اللافت في آخر التطورات ليس حجم الضربات بقدر ما هو طبيعتها وتوقيتها، إذ تعكس نمطًا متكررًا من "التصعيد المضبوط" الذي يسعى فيه كل طرف إلى إظهار القدرة على الإيذاء دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة. فالتصريحات الأمريكية، رغم حدتها، ما تزال تفتح نافذة لمسار تفاوضي، في حين تواصل إيران تثبيت معادلة الرد دون الذهاب إلى خطوات قصوى قد تفجر الإقليم دفعة واحدة.
وفي هذا السياق، تكشف المعطيات عن مفارقة مركزية في مسار الحرب، فبينما تتسع دائرة الاستهداف وتزداد كثافة العمليات، يتراجع في المقابل أي أفق سياسي واضح أو تصور لنهاية قريبة للمعركة.
وهو ما يعزز فرضية أن ما يجري لا يندرج ضمن مسار حسم سريع، بل ضمن عملية استنزاف متدرّج، يسعى كل طرف من خلالها إلى تحسين شروطه التفاوضية أكثر من تحقيق انتصار نهائي في الميدان.
مضيق هرمز… من ورقة ضغط إلى مركز ثقل في الحرب
تكشف التطورات عن انتقال مضيق هرمز من كونه أداة تهديد محتملة إلى عنصر فاعل ومباشر في مسار الصراع، مع تسجيل شبه شلل في حركة الملاحة وغياب شبه كامل للسفن المتجهة نحو الأسواق الغربية، في مؤشر غير مسبوق منذ بدء الحرب. هذا التحول لا يعكس مجرد تصعيد تكتيكي، بل يؤشر إلى إدخال سلاح الطاقة بشكل فعلي في معادلة المواجهة، بما ينقل الحرب من نطاقها العسكري المباشر إلى فضاء التأثير الاقتصادي العالمي.
ويكتسب هذا التطور أهمية مضاعفة في ظل تعدد المؤشرات المتقاطعة التي ظهرت خلال اليوم، من الحديث عن ترتيبات جديدة لعبور السفن وفق شروط إيرانية، إلى الطروحات المتعلقة بإمكانية فرض رسوم على المرور، وصولًا إلى التصريحات التي تؤكد السيطرة الفعلية على المضيق. وتعكس هذه المعطيات مجتمعة سعي طهران إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك في هذا الممر الحيوي كوسيلة لفرض كلفة استراتيجية على خصومها تتجاوز ساحة المواجهة المباشرة.
في المقابل، يضع هذا الواقع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام معضلة مركبة، إذ إن استعادة حرية الملاحة لا يمكن تحقيقها بسهولة دون الانزلاق إلى مواجهة بحرية أوسع، وهو ما تحاول واشنطن تجنبه في هذه المرحلة، خاصة في ظل مؤشرات على استنزاف جزئي في بعض القدرات العسكرية، وضبابية في تقدير الموقف الإيراني. كما أن أي تحرك عسكري واسع في المضيق قد يحمل مخاطر عالية على استقرار سوق الطاقة العالمي، وهو ما يفسر الحذر النسبي في التعاطي مع هذا التطور حتى الآن.
وبناء عليه، فإن مضيق هرمز تحول إلى مركز ثقل فعلي في الحرب، حيث تتقاطع فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية، ما يجعله أحد المحددات الرئيسية لمسار الصراع في المرحلة القادمة، سواء باتجاه التصعيد أو نحو فرض مسارات تفاوضية تحت ضغط الواقع.
الارتباك الأمريكي… تصعيد بلا استراتيجية واضحة
تعكس مواقف وتصريحات الإدارة الأمريكية حالة من التناقض الواضح بين السلوك العسكري والخطاب السياسي، بما يوحي بغياب استراتيجية متماسكة لإدارة الحرب. فبينما تتواصل الضربات بوتيرة مرتفعة وتوسيع بنك الأهداف داخل إيران، تتزامن هذه العمليات مع رسائل متكررة حول الانفتاح على التفاوض، وترقب رد إيراني، والحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، وهو ما يعكس ازدواجية في المقاربة الأمريكية بين التصعيد والبحث عن مخرج.
هذا التناقض يظهر في الخطاب، وأيضًا في تقدير مسار الحرب نفسها، ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن تحقيق أهدافها واقتراب الحسم، تشير تسريبات ومواقف داخلية إلى توقع استمرار الحرب لأسابيع، مع تأكيد عدم وجود نية لخوض حرب برية في هذه المرحلة، وهو ما يضع حدودًا واضحة للقدرة الأمريكية على فرض نتيجة حاسمة ميدانيًا. كما أن استمرار التواصل مع إيران عبر وسطاء، وعدم وضوح الجهة التي تتخذ القرار داخل طهران، يعكس بدوره ضبابية في الرؤية الأمريكية لطبيعة الخصم وآليات التعامل معه.
وفي موازاة ذلك، تبرز مؤشرات على ضغوط متعددة تواجه الإدارة الأمريكية، سواء على مستوى الحلفاء أو القدرات. فالتردد الأوروبي في الانخراط المباشر، والتحذيرات من تداعيات التصعيد، يقابله حديث عن استنزاف جزئي في بعض المنظومات العسكرية، وتحديات مرتبطة بتأمين مسارات الطاقة، فضلًا عن القلق من انعكاسات الحرب على ملفات دولية أخرى. تُشكل في مجموعها عوامل تحدّ من هامش المناورة الأمريكية، وتدفع نحو إدارة الصراع بدل حسمه.
ووفقًا لذلك، لا يبدو أن واشنطن تدير حربًا بهدف إنهائها بقدر ما تديرها بهدف ضبط إيقاعها ومنع انفلاتها، وهو ما يفسر الجمع بين التصعيد العسكري والرسائل السياسية المفتوحة. إلا أن هذا النهج، رغم ما يوفره من مرونة تكتيكية، يحمل في طياته خطر إطالة أمد الصراع وتعميق حالة عدم اليقين، خاصة في ظل دخول عوامل جديدة، وفي مقدمتها سلاح الطاقة، إلى قلب المعادلة.
الحرب بين منطق الاستنزاف واحتمال الانفجار الأوسع
تشير المحصلة العامة للتطورات إلى أن الحرب تتحرك داخل منطقة رمادية شديدة الحساسية، تبدو فيها غير قابلة للاحتواء السريع، لكنها في الوقت نفسه لم تبلغ بعد نقطة الانفجار الشامل. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى مسار استنزاف متدرج، يتبادل فيه الأطراف رفع الكلفة وتوسيع هوامش الضغط، دون حسم قرار الذهاب إلى مواجهة مفتوحة بكل أثمانها.
غير أن بقاء الحرب في هذه المنطقة الوسطى يعكس في جوهره هشاشة عالية، إذ إن أي خطأ في الحساب، أو توسع غير مضبوط في أحد المسارات، قد يدفع المشهد دفعة واحدة نحو تصعيد أوسع.
وأحد أبرز ملامح هذه المرحلة هو أن أدوات الضغط باتت موزعة بين الضربات، والممرات البحرية، والرسائل السياسية، ومحاولات استنزاف الخصم نفسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، وهذا يعني أن الحرب تُدار بشكل متوازي ما بين منطق كسر الإرادة العسكرية، ومنطق إنهاك القدرة على الاحتمال، ورفع كلفة الاستمرار، وتحسين الشروط التفاوضية متى نضجت لحظة التفاوض، ما يعني أن طول أمد الصراع يتجاوز فكرة قدرة كل طرف على مواصلة النار، إلى قدرته على تحمّل كلفتها المركبة.
هذه المعادلة محفوفة بمخاطر جدية، لأن تعدد الجبهات، واتساع الأهداف، ودخول المصالح الاقتصادية العالمية على الخط، كلها عوامل تجعل هامش السيطرة على مسار الحرب أكثر ضيقًا. فكلما طال أمد المواجهة، زادت احتمالات انتقالها من استنزاف مضبوط إلى انفجار يصعب تطويقه، خصوصًا إذا فشلت الجهود السياسية في إنتاج أرضية تخفف منسوب التصعيد أو إذا سعى أحد الأطراف إلى كسر الجمود عبر خطوة نوعية كبرى.
وعليه، فإن السؤال المطروح يرتبط جوهريًا بحدود القدرة على إبقاؤها ضمن نطاق الاستنزاف المتبادل، في الوقت الذي يدفعها النمط الحالي تدريجيًا نحو لحظة تجاوز كبيرة. وحتى الآن، ترجّح معطيات اليوم أن الصراع لا يزال يُدار على قاعدة منع الانهيار الشامل، لكن دون وجود مؤشرات حقيقية على قرب الخروج منه.