يؤمن 70% من الإسرائيليين، وفق دراسات منشورة، أن الحملة الانتخابية المقبلة المقررة بعد شهرين تقريباً، هي الأكثر مصيرية في تاريخ الدولة العبرية. فهي تأتي بعد أطول حرب استمرت حتى الآن حوالي ثلاث سنوات ومن دون أفق واضح نحو نهايتها، وفي ظل تزايد المخاطر الخارجية من جهة وتعميق الاستقطابات الداخلية من جهة أخرى، لدرجة التخوف من احتمالات نشوب حرب أهلية.
والأدهى أن القلق من اقتراب موعد الاقتراع يترافق مع مخاوف من عدم إجرائها حيناً، والانقلاب على نتائجها حيناً آخر. فالكثيرون يرون أن الانتخابات هذه المرة ليست مجرد صراع سياسي مشروع بين أيديولوجيات وأحزاب، بل غدت مسألة أشد تعقيداً تتصل بصورة ومستقبل الدولة العبرية والقدرة على الحفاظ على عملية ديمقراطية سليمة وموثوقة.
وتكفي نظرة واحدة إلى واقع الحال في المجتمع الإسرائيلي، لإثبات أن القواسم المشتركة تتآكل بعد أن تراجع المنهج الليبرالي الذي كان يفسح المجال للجميع بالإعراب عن هويتهم واختلافاتهم. فقد انتهى عهد الليبرالية القضائية والسياسية بعد أن بذل اليمين المتطرف أقصى جهده لإحداث انقلاب جوهري في هذا المجال، سواء بما أُسمي "الإصلاح القضائي" أو فرض الفاشية عبر "قانون القومية" وتدمير أفق التسوية السلمية بالقضاء على اتفاقيات أوسلو وحسم المعركة الاستيطانية.
والواقع أن مجريات ولاية حكومة نتنياهو الأخيرة، بيّنت مستوى التضارب ليس فقط بين مختلف القوى، وإنما أساساً بين مكونات ما يُعرف باليمين الإسرائيلي. وليس صدفة أنه خارج الكتلتين السكانيتين العربية واليهودية الحريدية، حسم اليمين أمره وبات القوة الغالبة دون منازع. فمقابل الليكود لا يوجد عملياً منازع أيديولوجي سوى ما بات يُعرف بحزب "الديمقراطيين" بزعامة الجنرال يائير غولان. ويتكون هذا الحزب من تحالف يسار حزب العمل مع حركة ميرتس. وحزب الديمقراطيين لا يطمح للفوز بأكثر من 10 في المئة من أصوات الإسرائيليين عرباً ويهوداً. وبالتأكيد يصعب اعتباره قوة منافسة حقيقية لليكود بزعامة نتنياهو.
يمين ضد يمين
وفي المقابل نجد أن القوى المناهضة لنتنياهو ترتكز في الغالب على قواعد يمينية حتى لو ادعت أنها تمثل الوسط. وليس صدفة أن حركة "ياحد" التي تكونت من تياري نفتالي بينيت ويائير لبيد، لم تُخفِ أبداً طبيعتها اليمينية وعدم تناقضها مع المواقف السياسية لنتنياهو إلا في بعض مجالات الحياة الداخلية. بل أن اتحاد هذين التيارين تحت زعامة بينيت قام أساساً على فكرة أنه ليس بوسع أحد هزيمة نتنياهو والليكود إذا لم يكن يمينياً. وإلى جانب "ياحد" هناك حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان والذي لا يختلف مع الليكود في شيء ربما سوى في الموقف من تجنيد الحريديم في الجيش. وإلى جانب هذه القوى، نشأ حزب "يشار" بزعامة الجنرال غادي آيزنكوت والذي يكاد لم يُظهر أي موقف عملي يميزه عن نتنياهو والليكود داخلياً وخارجياً.
وقد ظهرت في الآونة الأخيرة هجرة قيادات ليكودية من حزبها وتشكيل حزب جديد بزعامة جلعاد أردان ويولي أدلشتاين، بدعوى الحفاظ على قيم الليكود ومنهجه. ولكن كان واضحاً سواء من تشكيل هذا الحزب أو سواه ممن يدعي تمثيل جنود الاحتياط أو المناطق المهمشة، أن الدافع الأساس هو إما التناقض مع نتنياهو شخصياً أو عدم العثور على مكان في قائمة الليكود للكنيست. وليس صدفة أن زعيم "القوة اليهودية" الفاشي إيتمار بن غفير أعلن أن أربعة من وزراء الليكود طلبوا الانضمام إلى حزبه.
وواضح أن الجمهور الإسرائيلي، خصوصاً بسبب الحرب، ضاق ذرعا بالليكود ونتنياهو وصار يبحث عن بديل. ويعتقد كثيرون أن هذا الجمهور، في جانب كبير منه، وجد ضالته في آيزنكوت وحزب "يشار" الذي يقوده. وليس مستبعداً أن هذا اللجوء لآيزنكوت يعود في الأساس إلى حقيقة كونه رئيس أركان سابق اشتهر بالجمع بين الحكمة والشدة ما يجعله موضع ثقة متزايدة. وطبيعي أن هناك دوافع أخرى بينها الرغبة في التخلص من نتنياهو تارة، وكون آيزنكوت شرقياً من أصول مغربية. وأظهرت آخر الاستطلاعات المنشورة اتساع الفارق بين آيزنكوت وحزبه من جهة ونتنياهو وحزبه الليكود من جهة أخرى، بحيث غدا حزب "يشار" الحزب الأكبر، فائزاً بـ23 مقعدا فيما نال الليكود 21 مقعداً فقط.
ومن تحليل الاستطلاعات يتبين أن آيزنكوت يكسب بشكل رئيس من قوى اليمين الموالية لنتنياهو والمعارضة له على حد سواء. وهذا يظهر أساساً من تراجع حصة الليكود وتراجع حصة معسكر اليمين الموالي له. فالاستطلاعات تظهر أن ائتلاف "ياحد" بين بينيت ولبيد لا يفوز سوى بـ14 مقعداً بعد أن كان في وقت سابق ينال أكثر من 20 مقعداً. ومعروف أن اليمين الموالي لنتنياهو يمتلك حاليا أغلبية في الكنيست في حين أن استطلاعات الرأي تمنح هذا اليمين 48 مقعداً فقط من أصل 120 مقعداً. وتمنح الاستطلاعات تفوقاً لآيزنكوت على نتنياهو في الترشح لرئاسة الحكومة حيث نال 49% من الأصوات مقابل 38% لنتنياهو.
وماذا بعد؟
أفلح نتنياهو في إفراغ الليكود من بنيته الأساسية وجعله يتكون من قطعان من التابعين له ولعائلته. وكل من يخالف ذلك وجد نفسه إما خارج الحزب أو على هوامش أطرافه. وبحسب موران أزولاي في "يديعوت أحرونوت" فإن خريطة تصويت الليكود تتألف من جزأين رئيسيين: الأول هو "الصفقات"، وتمثل حوالي 40% من الأصوات، وهي اتفاقيات مُنظمة بين كبار القادة وأعضاء الكنيست ومقاولي الأصوات. والثاني هم المستقلون (حوالي 60%)، الذين يُصوّتون ليس بناءً على صفقة معينة، بل وفقاً لبرنامج المسؤولين المنتخبين. وبدا واضحاً من نسبة التصويت أن عشرات ألوف من هؤلاء لم يذهبوا للتصويت في الانتخابات التمهيدية.
وكان نتنياهو قد أعلن رفضه إجراء انتخابات تمهيدية وفرض على الليكود تخصيص مقاعد له في العشريتين الأولى والثانية في القائمة وقبل في النهاية بتخصيص ثمانية مقاعد. ووصف البعض مطالب نتنياهو بالجنون، خصوصاً أنها تجعل قادة الحزب يتعاركون على الفتات بعد أن ضمن نتنياهو لإسرائيل كاتس وحاييم كاتس وجدعون ساعر مقاعدهم وثمانية مقاعد أخرى. وثارت على نتنياهو عضوية الحزب وكوادره لكنه بعد الانتخابات التمهيدية، أعلن رضاه عن القائمة التي أفرزت والتي رأى كثيرون فيها عنوان السقوط المقبل. واعتبر معلقون أن عملية الانتخابات في الليكود كانت "مشينة"، وذهب آيزنكوت حد اعتبار الفائزين فيها بأنهم "بالضبط الأشخاص أنفسهم الذين مزقوا المجتمع بلا خجل، وقادوا إسرائيل إلى أخطر كارثة منذ قيامها".
وإذا كانت الانتخابات التمهيدية في الليكود بروفة لنتائج الانتخابات العامة المقبلة، فإنها في نظر كل المراقبين شهادة فقر حال يصعب الركون إليها. فقد بينت مدى ضعف نتنياهو داخل حزبه ومعسكره. ولا يمكن عدم الإشارة هنا إلى أن نتنياهو استخدم لتكريس رؤيته في حزبه، وسائل تهديد، بينها استعداده لإنشاء حزب جديد تارة واعتزال الحياة السياسية تارة أخرى.
أمل نتنياهو
يعلق نتنياهو واليمين الموالي له آماله على الانقسامات في المعسكر المقابل. ورغم الشقاق الذي حدث في معسكر نتنياهو الطبيعي، خصوصاً مع الحريديم بسبب التجنيد، فإنه يؤمن بأن لا ملاذ للحريديم سوى العودة للتحالف معه، خصوصاً أن الآخرين أقل سخاءً معهم. والأمر لا يقتصر على ذلك وحسب، ففي المعسكر المقابل هناك قوى طامحة لابتزاز رئاسة الحكومة كما سبق وحدث مع نفتالي بينيت عندما غدا رئيس حكومة وهو يمثل حزباً لا يملك سوى عدد قليل جداً من المقاعد. وبينيت حالياً يرى نفسه في ائتلافه مع لبيد وحزبه، الأولى بمنصب رئيس الحكومة حتى وإن فاز آيزنكوت بصفة قائد الحزب الأكبر.
كما أن زعيم "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، يطمح دوماً لرئاسة الحكومة، وهو على استعداد للتحالف الفوري مع الليكود إذا خرج نتنياهو من الزعامة. ومنذ الآن أعلن ليبرمان اشتراطاته لدخول الحكومة المقبلة وبينها أن لا تستند إلى أية أصوات عربية من جهة، وأن تتفق على رئيسها المقبل. وبالتالي هو منذ الآن يرفض أن يكون رئيس الحكومة المقبل زعيم أكبر حزب يفوز في الانتخابات.
وعدا ذلك يراهن نتنياهو على ما يُعرف ب"نسبة الحسم" والتي لا تسمح للأحزاب التي لا تنال ما يزيد عن 2.5 في المئة من الأصوات بدخول الكنيست. ويعتقد نتنياهو أن الأحزاب الكثيرة التي قررت دخول الانتخابات هذه المرة سوف تمنع حسم المعركة الانتخابية وربما تدفع إلى إجراء انتخابات عامة مكررة كما سبق وحدث قبل ولايته الأخيرة. وفي النهاية، ليس مستبعداً أن يسعى نتنياهو إما إلى حرب مع إيران أو تركيا لنسف فكرة الانتخابات وتأجيلها، كما سبق وحذر إيهود باراك.
المصدر: موقع المدن