الرئيسية| مقالات وآراء| تفاصيل الخبر

إسرائيل تزداد ضعفاً.. العربدة ليست دائماً دليل قوة

11:17 ص،13 سبتمبر 2026

حلمي موسى

تكفي نظرة واحدة إلى ما فعلته إسرائيل وتفعله في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وإيران، وتعاظم تهديداتها، لفهم أنها تعربد من دون رادع تقريباً. ويكفي الاستماع إلى تهديدات قادة إسرائيل للدول الأوروبية والغربية التي تحاول اتخاذ مواقف متوازنة من الصراع، وآخرها الموقف من بيان الـ 12 دولة أوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، لتتخيل أنك أمام غطرسة قوة تتحدى الدول الاستعمارية السابقة. وعندما تسمع تهديدات الإسرائيليين لمعارضي اللوبي الصهيوني (إيباك) في أميركا، تظن أنه بعد وقت قصير سوف يقلبون الطاولة على رؤوسهم. فإسرائيل الحالية، صاحبة نظرية الحرب الدائمة، تتخيل نفسها قادرة على إدارة العالم بنفسها، وليس عبر وكيل كما كان يجري سابقاً.

لكن الفارق بين الواقع والخيال يزداد اتضاحاً مع مرور الوقت. فإسرائيل فعلاً وحقاً امتلكت قوة التدمير الهائلة، واستخدمتها بأبشع طريقة في عمليات اعتبرها أغلب العالم "إبادة جماعية" في غزة، وتطهيراً عرقياً في الضفة، وجرائم حرب في لبنان. وعدد من قادة إسرائيل، بينهم رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، وُجّهت ضدهم لوائح اتهام دولية بجرائم حرب وإبادة جماعية. والأهم من كل ذلك أنَّ صورة إسرائيل تحطمت في العالم، وتضعضعت بشكل كبير حتى في أوساط يهود أميركا وأوروبا، وهي تتزعزع في إسرائيل نفسها، وإن كانت في طور بدائي.

ترك إسرائيل

تكفي نظرة واحدة أخرى إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تبحث في قضايا أكثر جوهرية من الخبر السياسي أو الأمني الجاري، لإدراك أنَّ هناك، في العمق، من يدرك أنَّ سفينة إسرائيل تغرق، وأنَّ الوقت حان لتركها. هذا حال من يهجرون إسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة، الذين قرروا إما عدم العودة البتة للعيش فيها، أو انتظار زمان أفضل لمثل هذه العودة. والتقارير تتضارب وفقاً لأسلوب الحساب، حيث تتراوح أرقام المهاجرين خلال هذه الفترة بين 300 ألف على أقل تقدير، وفق دائرة الإحصاء المركزي، وتصل إلى نصف مليون وفق تقارير صحافية.

وقد وصفت ليورا مينكا، في صحيفة "معاريف"، موجة الهجرة هذه بـِ "تسونامي" يجتاح مطار اللد. وطالبت الدولة العبرية بالاستيقاظ والانتباه إلى هذه الظاهرة التي تنسف المبادئ الصهيونية، وحذرت من فقدان الرأسمال البشري المتخصّص ووجوب الاستثمار في محاولات إعادتهم. وتعترف بأن أبرز أسباب الهجرة: "غلاء المعيشة؛ والوضع الأمني والسياسي الذي يُسبب خوفاً مستمراً، وإرهاقاً، وعدم يقين، وعدم استقرار؛ وفرص الدراسات العليا أو العمل المُغري في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والطب، والعلوم، في ظل ظروف غير متوفرة في إسرائيل". وفي نظرها، "فإنَّ الهجرة السلبية ليست مجرد رقم إحصائي، بل هي تجسيد لفقدان رأس المال البشري عالي الكفاءة. على المدى البعيد، قد يُلحق هذا ضرراً بمرونة إسرائيل الاقتصادية والعلمية والاجتماعية".

وكانت الصحافة الإسرائيلية قد أشارت إلى أن جزءاً كبيراً من المهاجرين هم من الشباب وذوي الاختصاصات العلمية والأكاديمية. ونشرت "هآرتس"، مثلاً، أنَّ بين هؤلاء أكثر من 14 ألف طبيب تركوا إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة. لكن الأمر لا يقتصر فقط على هجرة الكفاءات، وإنما تبرز فيه أيضاً هجرة الاستثمارات وأصحاب رؤوس الأموال، مما يضعف بشكل كبير عائدات الدولة.

تراجع مستوى التعليم

أظهرت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) لعام 2025، الذي تنشره منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أدنى مستويات التحصيل الدراسي لإسرائيل على الإطلاق. إذ احتلت إسرائيل المركز 43 من أصل 44 في الرياضيات، والمركز 37 في القراءة، والمركز 44 في العلوم. وقد ارتفعت نسبة الطلاب ذوي التحصيل الضعيف بشكل كبير، بينما لا يزال عدد الطلاب المتفوقين محدوداً. وحسب هذه النتائج، في العلوم، يحتل الطلاب الإسرائيليون المرتبة 44. ورغم أن التحصيل العلمي قُيّم في 90 دولة على الأقل، إلا أن 20 دولة تتقدم على إسرائيل في تصنيف أدنى من متوسط الدول المتقدمة، بما في ذلك الإمارات وفيتنام وأوروغواي وتشيلي. ويتصدر طلاب من الصين وسنغافورة وتايوان واليابان وإستونيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وكندا ونيوزيلندا وأستراليا قائمة التصنيف في العلوم، متقدمين بفارق كبير على إسرائيل.

وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن "جميع البيانات في إسرائيل استوفت معايير الجودة التي وضعها برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) واعتُبرت جديرة بالنشر"، مضيفةً أن نسبة الطلاب في إسرائيل الذين حققوا أعلى مستوى (المستوى 5 أو 6) في مادة واحدة على الأقل كانت أقل من المتوسط في دول المنظمة. في الوقت نفسه، حققت نسبة أقل من المتوسط في دول المنظمة الحد الأدنى من مستوى الكفاءة (المستوى 2 أو أعلى) في المواد الثلاث. كما كان متوسط درجات الطلاب في إسرائيل في حل المسائل الحسابية أقل من المتوسط في دول المنظمة.

واعتبرت "معاريف" هذه النتائج دليلاً على "تدهور تعليمي غير مسبوق في إسرائيل"، بل و"كارثة على نطاق تاريخي". كما رأت فيها "إنذاراً حقيقياً" لا يمكن تبريره حتى في ظروف كالحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات. ورأى معلقون أن هذا ليس فشل طلاب في الاختبارات الدولية، وإنما هو فشل لسياسة التعليم الحكومية التي تدعي أنها تعمل من أجل تحويل إسرائيل إلى دولة "ستارت أب تكنولوجية" والتفوق عالمياً. تجدر الإشارة إلى أن صحيفة "كالكليست" الاقتصادية الإسرائيلية نشرت تقريراً قبل أيام، خلاصته أن المقاطعة العالمية فعالة وتدمر الأكاديميا الإسرائيلية، وهذا ما قاد إلى تراجع عدد المنح الدراسية الدولية، ما زاد المخاوف من هجرة الباحثين وتراجع التعاون الأكاديمي الدولي.

صراع الميزانيات

قبل أيام، أجرى الجيش الإسرائيلي مناورات كبرى تحاكي القتال في سبع جبهات، وبهدف اختبار جاهزية الجيش لحرب شاملة على جميع الجبهات: من لبنان وسوريا، مروراً بالحدود الشرقية والضفة الغربية، وصولاً إلى غزة والحدود الجنوبية. وحسب ما نُشر، فإن هدف المناورة هو تغيير وعي القوات ودفعها إلى العمل وفق سيناريوهات معقدة ومتطرفة. وهكذا، مثلاً، طُلب من طياري سلاح الجو محاكاة قصف مئات المواقع داخل إسرائيل نفسها لمنع استقرار قوات مهاجمة فيها، ما يوحي بالخشية من تكرار 7 أكتوبر وعلى نطاق أوسع من جبهات أخرى.

وبديهي أن الحرب والاستعداد لها باتا مكلفين جداً ومرهقين للاقتصاد الإسرائيلي، وهو ما صار يتجلى في النزاع بين وزارتي المالية والدفاع. وعلى الرغم من أن ميزانية الدفاع الحالية تبلغ 184 مليار شيكل (حوالي 61 مليار دولار)، فإن وزارة المالية تحاول منع تحويل 40 مليار شيكل للجيش. وقاد هذا الخلاف إلى بروز عناوين في الصحف الإسرائيلية تمسّ قداسة الجيش الإسرائيلي، واتهامات له بالفساد والتبذير. وفي المقابل، برزت عناوين صحف تتحدث عن نقص في الدبابات والمروحيات والعربات، وأن الجيش على طريق الإفلاس.

ويأتي ذلك في ظل تزايد التحذيرات من قرب انفجار الوضع في الضفة الغربية جراء عربدة المستوطنين، وتزايد رغبة الحكومة الإسرائيلية في خلق ظروف مؤاتية لإسقاط السلطة الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين. ومعروف أن حكومة نتنياهو تعمد إلى إدامة الحرب في قطاع غزة وتصعيدها عبر رفضها التجاوب حتى مع مطالب مجلس السلام العالمي الذي أُنشئ وفق خطة ترامب. وتحاول حكومة نتنياهو ابتداع نماذج تجريبية تخلد الواقع المأساوي في القطاع، على طريق إثبات أن الحل الوحيد المقبول هو التهجير.

الخوف من النهاية

هناك في إسرائيل حالياً من يتخوفون من احتمال إقدام نتنياهو على إشعال حرب بهدف تأجيل الانتخابات. ويعتقد البعض أن هذا التخوف يشير إلى الدرك الذي وصلت إليه إسرائيل، والذي يدفع قادة بارزين إلى التحذير من "خراب الهيكل". لم يكن إيهود باراك، وهو رئيس أركان ووزير دفاع ورئيس حكومة سابق، الوحيد الذي قال بذلك. هناك "نبي الغضب"، الجنرال إسحق بريك، الذي كتب في "معاريف": "عندما أحاول استشراف المستقبل، أجد نفسي أتساءل: هل ستتجاوز دولة إسرائيل مئة عام؟ على مرّ العقود، أصبحت إسرائيل دولة ممزقة بذاتها؛ فالكراهية المستشرية بين مختلف الأطياف، بين اليمين واليسار وبين اليهود والعرب، تتغلغل في كل جانبٍ إيجابي وتستنزفه. يُضاف إلى ذلك قيادةٌ ضلّت طريقها، تُفضّل بقاءها السياسي على المصلحة العامة. إنها قيادة قصيرة النظر، عاجزة عن بناء أدواتٍ لمواجهة التحديات المتراكمة في شتى مناحي الحياة".

ويخلص: "في نظر العالم، أصبحت إسرائيل في السنوات الأخيرة دولةً تُثير الاشمئزاز والنفور، وفي الداخل، يختار العديد من أبنائها الطيبين الهجرة إلى بلادٍ أجنبية. تتآكل القدرة الوطنية على الصمود في جميع الأنظمة: في الأمن، والاقتصاد، والتعليم والصحة، والبنية التحتية والعلوم. هل كُتب علينا أن نشهد دمار الهيكل الثالث؟".