"لن يكون لحماس دورٌ في الحكم"، هذه العبارة قالها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بوضوح ودون مواربةً، في كلمته التي ألقاها عبر شاشة فيديو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2025، بعدما حُجبت عنه تأشيرة الدخول إلى نيويورك.
تعبيرُ رئيس السلطة في هذا الموضع شكّل الحدودَ التي يرسمها ضمن توافق مع لاعبين دوليين وإقليميين للملعب الذي يُراد للانتخابات الفلسطينية المقبلة أن تُلعب داخله، فالعبارة نفسها، بصيغتها القاطعة، تتجاوز ما التزم به “إعلان نيويورك” الذي رعته السعودية وفرنسا قبل أيام من الدورة الـ80 للجمعية العامة، إذ اكتفى الإعلان باشتراط أن ينحصر التنافس الانتخابي في “الأطراف الملتزمة” بمبدأ “سلاح واحد” ومرجعية منظمة التحرير، بينما ذهب عباس إلى نفي الدور من أصله وتحديد المستبعَد بوضوح.
بين اشتراط الأهلية في وثيقة نيويورك وحسم المصير في خطاب عباس، تتكشّف الهندسة المفترضة للحظة الانتخابية القادمة، بتعويل على تصميم صناديق الاقتراع لتُنتج ما عجز عن إنتاجه صندوق 2006، وتمنح فريق السلطة “تجديد الشرعيات” دون الخوف من مفاجآت الصندوق. إلا أن الرياح لا تجري دائماً كما تشتهي السفن، فصندوق الاقتراع، كما تعلّم أهل السياسة مراراً، مقبرة التوقعات.
انتخابات في لحظة انهيار
يقف المشهد الفلسطيني أمام تحدٍّ قد يكون الأخطر منذ النكبة والنكسة، مروراً بالخروج من بيروت وما رافقه من تهديد جدّي لحضور قوى الثورة وتماسك تمثيلها الوطني، قبل أن تُعيد انتفاضة الحجارة إليها حيويتها.
إلا أن استحضار هذه المحطات لا يعني الركون إليها، إذ عدم توزين المخاطر اليوم دفنٌ للرأس في الرمال، في لحظةٍ يجتمع فيها خصوم الفلسطينيين على استثمار المنعطف التاريخي لتصفية وجودهم وتفكيك “النظام السياسي الفلسطيني” على ما فيه من عللٍ وانقسام.
شكّلت حرب الإبادة محطةً مفصلية كشفت عن أزماتٍ عميقة، وفرضت حاجزاً واسعاً من كيّ الوعي، بات معه الفلسطيني مثقلًا بما يُخرجه عن الفعل، حتى غدا الانتماء والمشاركة والرأي تهمةً يُخشى دفع ثمنها، بين قبضة الاحتلال وقمع الأجهزة الأمنية الفلسطينية والعربية. وأمام هذا المشهد، برزت أفدح الأزمات بتعذُّر انعقاد اجتماعٍ قيادي جامع يضع خطةً وطنية لمواجهة مخططات التصفية الممتدة إلى كل الأرض الفلسطينية. وثمة ما يكفي من الشواهد للترجيح بأن الرئيس تجنّب أن يجمعه سقفٌ واحد بحماس، تفادياً لثمنٍ سياسي، ورهاناً على مكسبٍ يُخلّصه من خصمه ويُثبّت أهليّته لقيادة المرحلة.
والأخطر أن المشهد أظهر أن تجاوز السلطة بصيغتها الراهنة لم يعد أقلّ أولويةً في الحسابات الأميركية من منع مشاركة حماس، فالمطلب الذي تدفع إليه واشنطن نظامٌ جديد “يُعبّر عن الفلسطينيين” بلا صبغةٍ وطنية ولا التزامٍ بالثوابت. وعلى الرغم من حرص السلطة على تقديم ما يلزم من التزامات، لم يكن ذلك كافياً لتكون اللاعب في “اليوم التالي”، إذ باتت معادلة نتنياهو “لا حماستان ولا فتحستان” هي المحدِّد الحاكم، ثم جاءت خطة ترامب لتُكرّس تدويل حكم غزة عبر مجلسٍ للسلام تتفرّع عنه “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، في ترتيبٍ يضع القطاع خارج النظام السياسي الفلسطيني
صندوقُ على المقاس
لا تتجاوز نسبة الرضا عن أداء الرئيس عباس 20%، فيما يطالب 79% باستقالته – 82% في الضفة و74% في غزة – ولا يحصل في انتخاباتٍ رئاسيةٍ افتراضية إلا على 14%، خلف الأسير مروان البرغوثي 54% ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية 26%، وفق أحدث استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.
هذه النسب لا تدفع عباس، الذي حلّ المجلس التشريعي عام 2018، وراكم عبر عقدين إجراءاتٍ حصرت السلطات بمراسيمه، إلى صندوقٍ لا يضمن بقاء الحكم في يد فريقه؛ وهو فريقٌ لا يُطابق حركة فتح باتساعها، إذ تتوزّع تياراتها على مواقف شتّى منه.
فالشرط الحاكم لأي ذهابٍ إلى الانتخابات هو الضمان المسبق للنتيجة، وهو المدخل نفسه الذي دفعه إلى انتخابات 2021 عبر تفاهمات “الرجوب – العاروري” التي مالت نحو قائمةٍ وطنيةٍ واحدة والتوافق على عباس مرشحاً للرئاسة. وحين تعثّر مقترح القائمة الموحّدة، جاء الإلغاء تحت عنوان “منع الاحتلال إجراءها في القدس”، بعد تسجيل القوائم وقُبيل انطلاق الدعاية، في توقيتٍ يكشف أن المسألة الجوهرية كانت اختلال ضمانة النتيجة لا القدس وحدها.
بهذا المنطق، أدرك عباس أن ما بعد السابع من أكتوبر 2023 لن يكون كما قبله، فانكفأ على قاعدة إبقاء حماس وحدها هدفاً، ليظلّ هو المدخل الحصري للنظام السياسي واللاعب المؤهَّل للعودة إلى غزة. لكن إطالة أمد الحرب، ومغادرة الديمقراطيين البيت الأبيض، ومحاولاته فتح مسارٍ تفاوضي مع ترامب بحثاً عن قبولٍ أميركي بدور السلطة، لم تُفضِ إلى ما رجاه.
عند هذا الحدّ، ارتكزت السلطة على الحصان الأوروبي، الذي يرى في “الإصلاحات” أساساً لإبقائها لاعباً رئيسياً، فيما تتمسّك السعودية ببقاء الولاية داخل فتح، ويسود الموقفَ العربيَّ مطلبُ الإصلاح مقروناً بعدم الثقة بأهلية السلطة الراهنة.
وفي ظلّ خطة ترامب وبروز أفقٍ جدّي لاستبدال السلطة، تلاقت المصالح بين حاجة الأوروبيين لمناكفة مسار ترامب (بما فيه امتعاضهم من مجلس السلام) والمسار الفرنسي – السعودي لدعم الاعتراف بالدولة، في مقابل التزاماتٍ فلسطينية قدّمها عباس تقضي بإقصاء المقاومة.
وما إن صدرت مخرجات نيويورك حتى انتقل المُعلَن سريعاً إلى المراسيم، بما يدفع قوى المعارضة كافّة وليس حماس وحدها، إلى المقاطعة احتجاجاً على اشتراطات الترشّح. وأُخضعت الصيغة لاختبارٍ عمليّ في الانتخابات المحلية (نيسان/أبريل 2026) التي جرت بمشاركةٍ إجمالية بلغت 53.4% في الضفة، تفاوتت بين 71% في سلفيت و30% في الخليل و43.9% في القدس، وهبطت إلى نحو 21% في دير البلح.
جرى التصويت فعلياً في 183 هيئة، بينما حُسمت 197 بالتزكية، وذهبت رام الله ونابلس إلى التزكية، ولم تُقدَّم في قلقيلية أي قائمة لرئاسة البلدية، مع غياب أي ترشيحٍ فصائلي معلن عدا قوائم حركة فتح، ما جعلها اختباراً مطمئناً للمضيّ أبعد.
وبالرغم من أن الاشتراطات لم تمرّ بلا اعتراض، فقد رفعت مؤسسات حقوقية طعناً دستورياً ضد الرئيس والنائب العام، طال المادة (16/2) التي تشترط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها الدولية، ورسوم الترشّح، بوصفها مساساً بحقّ المشاركة المكفول في القانون الأساسي ووثيقة الاستقلال. وقوبلت الاعتراضات بتعديلاتٍ طفيفة بقيت دون جوهر الطعن، وأسهم خفض نسبة الحسم إلى 1% في مرسوم التشريعي في تحفيز ترشّح قوائم عديدة، بما يحقّق شكل التعدّدية ويُفرغ المقاطعة من قدرتها على نزع الشرعية.
كيف تقارب القوى الفلسطينية الانتخابات؟
تتباين حسابات كل فاعل وفقاً لموقفه من أصل الإجراء، وشروط مشاركته، ونظرته إلى وظيفة الصندوق، ومخاوفه من مخرجاته. وبين طرفٍ يراها مدخلاً لكسر عزلته، وآخر يراها بوابةً لإعادة إنتاج تفرّده، تتوزّع القوى على خريطةٍ لا تخلو من تقاطعاتٍ جمعت خصوم الأمس في خندقٍ واحد.
- الرمز المحتجز والورقة الصعبة:
يحتلّ الأسير مروان البرغوثي موقعاً فريداً، ويُعد الأكثر حظّاً في أي انتخاباتٍ رئاسية، إذ يمنحه استطلاع آب/أغسطس 2026 نسبة 54% ويتقدّم كخليفةٍ مفضَّل لعباس بنسبة 39%، وقد أبلغ محاميته في تموز/يوليو إصراره على الترشّح دون تراجع.
تُشكل الرئاسة المفارقة التي تجعل ترشّحه البوابة والمعيق معاً، فهو الفتحاوي الوحيد القادر نظرياً على توحيد الصفّ حول الرئاسة، وهو للسبب نفسه التهديد الأكبر لفريق عباس، إذ يعني فوزه خروج الحكم من قبضته.
وثمة ما يرجّح أن هذا التناقض يفسّر بقاءه رهين حساباتٍ مزدوجة، إذ يتعذّر تبنّيه دون تفريطٍ بالموقع، ويصعب إقصاؤه دون كشف زيف “الوحدة الفتحاوية”. وقدرتُه على التأثير يكبّلها أسرُه واحتكارُ الفريق الرسمي لمفاصل الحركة، ما يجعل تياره أقرب إلى حالةٍ شعبيةٍ عريضة منه إلى كتلةٍ قادرة على فرض مرشّحها، مع أن تجربة 2021 تؤكد أنه قد يذهب جادّاً إلى قائمةٍ منافسة، خصوصاً مع شرط أن يحظى مرشّح الرئاسة بدعم حزب، أو كتلةٍ في التشريعي، ما يجعل دعمه صراحةً مرشّحاً رئاسياً شرطَ توافقه مع قيادة فتح.
- البقاء السياسي وتثبيت الحضور:
حسمت حركة حماس ضبابية موقفها بإعلان المشاركة. ففي آب/أغسطس، أكّد حسام بدران أن الحركة ستخوض الانتخابات “ضمن أوسع ائتلافٍ وطني ممكن”، رافضاً “فرض الشروط”، وواصفاً الاستحقاق بأنه “فرصة تاريخية لإنهاء التفرّد بالقرار الوطني المستمرّ منذ عقدين”، لكنه انتقد التوقيت والآلية بوصفهما جاءا “دون توافقٍ وطني”.
دوافع الانخراط هنا وجودية قبل أن تكون تنافساً على المقاعد، فهي تبحث عن تثبيت الحضور بعد حربٍ استهدفت اقتلاع الحركة، وكسر مسار العزل الذي كرّسته خطة ترامب ومخرجات نيويورك، فالمشاركة في حسابها شهادة بقاءٍ تُبطل معادلة الإقصاء.
ومن هذا المدخل يبرز استعدادها للتغاضي عن الظرف المشوّه والاشتراطات، حرصاً على ألّا تترك المشهد لخصومها، لكن مع إدراكها خطورة الترشّح منفردةً ارتباطاً بالملاحقة والعقوبات، كما بالوزن الانتخابي، لا سيما بعد فقدانها أكثر من عشر نقاطٍ خلال عشرة أشهر لتستقرّ عند 24% بالتساوي مع فتح، ما جعلها أكثر انفتاحاً على الخيارات التحالفية الواسعة التي تحمي مشاركتها وتضمن لها مقاعد.
- بين التغيير والمقاطعة:
تقارب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الانتخابات من زاويةٍ مختلفة، بوصفها جزءاً من إعادة بناء النظام والمنظمة، وترى الأولوية في “الإخراج الوطني” للعملية. وقد طرحت مبادرةً تدعو إلى حوارٍ وطني شامل وحكومة توافق وإعادة بناء المنظمة وتشكيل مجلسٍ وطني جديد، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والوطنية متزامنةً.
لكنها ستشارك حتى إن لم تُقبل مبادرتها، من مدخل ضمان حضورها وتحويل الصندوق إلى محطةٍ للاشتباك الديمقراطي دون ترك الساحة للفريق الحاكم بلا منافسة. وموقفها من شكل المشاركة لم يُحسم بعد، بين قائمةٍ منفردة أو تحالفٍ واسع أو تحالفٍ مع القوى الديمقراطية؛ إذ تتقاطع عليها ضغوطٌ متعارضة، بين دعوةٍ للانضواء في “التحالف الوطني” الذي تقوده حماس ودحلان، وضغطٍ مقابلٍ يطلب منها النأي عنه نحو القوى الديمقراطية.
أما حركة الجهاد الإسلامي بقيت وفيّةً لخطّها التقليدي مع تعديلٍ محدود، ففي آب/أغسطس أعلن محمد الهندي مقاطعة الترشّح، بوصف الانتخابات مسقوفةً بأوسلو، داعياً إلى إصلاح المنظمة قبل أي استحقاق، لكنه أكّد أن الحركة “لن تعطّل” الإجراء.
وتحتفظ الحركة بمسافةٍ تُبعدها عن شرعنة عمليةٍ ترفض سقفها دون أن تخسر موقعها في “المظلّة الوطنية”، والعوامل التي قد تدفعها إلى دعم قائمةٍ من خارجها، دون تقديم مرشّحين حاضرة، كما أن انسداد أفق التوافق قد يعيدها إلى المقاطعة الصريحة. موقفها يقوم على أن تُبقي الباب موارَباً دون أن تعبره.
- إعادة خلط الأوراق:
يعود تيار محمد دحلان منافساً جدّياً مسنوداً بدعمٍ إقليمي ودولي، فتيار “الإصلاح الديمقراطي” الذي يقوده بمعيّة ناصر القدوة بات أحد أعمدة “التحالف الوطني” المرتقب مع حماس والجهاد ولجان المقاومة، في مفارقةٍ تجمع خصوم 2007.
وقد طرح “رؤيةً وطنية شاملة” تركز على قاعدة أن “الشعب مصدر الشرعية”، نافياً أن يكون هدفه استبدال طرفٍ بطرف، مع أن جوهر المبادرة يقود إلى إعادة بناء النظام لا إصلاحه. قاعدته تتركّز في غزة، حيث النفوذ التاريخي والشبكات التي غذّاها من الإمارات بالمال والخدمات، وثمة ما يرجّح أن حساباته تقوم على قاعدةٍ يدركها أكثر من غيره، وهي أن الطريق إلى رام الله تمرّ عبر غزة، وأن الشرعية من القطاع مدخله لقيادة “اليوم التالي”.
أما المخاوف من توجّهاته فمزدوجة، ما بين ارتباطه الإقليمي الذي يجعله محلّ اشتباهٍ في أنه رأس حربةٍ لترتيباتٍ خارجية، وتاريخه الأمني الذي يصعب على قطاعاتٍ واسعة تجاوزه. ومع ذلك، تعيد عودته خلط أوراق فتح، وتضع عباس أمام خصمٍ داخلي لا يقلّ خطراً عن البرغوثي.
فيما تتوزّع بقية فصائل المنظمة والقوى الديمقراطية بين المشاركة المشروطة والتحفّظ، وحتى اللحظة لم تُحسَم خارطة التحالفات، والمرجّح ألّا تذهب فصائل المنظمة في قائمةٍ واحدة، بل أن تتكرّر صيغة 2006 مع تغييراتٍ طفيفة تشمل احتمال دخول اليسار في قائمةٍ موحّدة. فيما يبرز “التحالف الوطني للتغيير” القائم على شخصياتٍ وطنية وديمقراطية بوصفه أكثر الأشكال جدية، وسط دراسةٍ من المبادرة الوطنية بقيادة مصطفى البرغوثي للانضمام إليه، وانفتاح الجبهة الشعبية على الحوار معه.
ويبقى السؤال المفتوح فرص تشكيل قوائم تتجاوز البنية الفصائلية؛ وهي فرصةٌ يحدّها عاملان متعاكسان: نقمةٌ شعبية على الثنائية الحزبية (44% يرون أن لا فتح ولا حماس تستحقّ القيادة) تفتح مساحةً للبدائل، مقابل بنيةٍ انتخابية مصمَّمة لتفتيت الأصوات لا لتجميعها في كتلةٍ ثالثة، ما يجعل المستقلين رافداً لتعدديةٍ شكلية لا قوةً كاسرة للاستقطاب.
حسابات التحالفات:
وهكذا يصبح السؤال الحاكم: هل تُبنى التحالفات على برنامجٍ وطني، أم تنحدر إلى حساباتٍ لتقاسم المقاعد؟ والمرجّح أن الخريطة ستجمع بين تحالفٍ برنامجي، وتحالفٍ تنظيمي لتعظيم الحصص، وتحالفٍ انتخابي مؤقّت. بما يجعل “التحالف الوطني” الواسع أقربَ إلى ائتلافٍ انتخابي منه إلى تكتّلٍ برنامجي متجانس.
وزن دحلان وعلاقاته الإقليمية يجعلانه رافعةً مغرية، من حيث شبكات النفوذ في غزة، وقدرة التمويل، وغطاءٌ إقليمي–دولي قد يمنح أي تحالفٍ يضمّه حمايةً من الإقصاء. لكنّ الارتباط به يحمل مخاطر موازية، إذ قد يعني منحه دوراً مؤثّراً استبدال هيمنةٍ بهيمنة لا كسرَ الهيمنة.
وثمة معادلةٌ تحكم حسابات الأطراف، إذ تحتاج القوى إلى كسر احتكار عباس، لكنها تخشى أن يقودها ذلك من هيمنة عباس إلى هيمنة دحلان مسنودةً بظهيرٍ إقليمي أقوى. في المقابل، تجد حماس فيه المظلّة الإقليمية والدولية التي تتيح لها البقاء شريكاً دون أن تكون العنوان المكشوف للتحالف، وهذه الحاجة تحديداً هي ما يُرجّح أنه يفتح الباب أمام مرونةٍ غير مسبوقة في القبول بالمضيّ مع خصم الأمس.
أما دحلان فيريد أن يُثبت أنه ينجح فيما فشل فيه عباس، عبر احتواء القوى وتجميعها في بوتقته لا إقصائها. وبين حاجة حماس للمظلّة وطموح دحلان للاحتواء، يتشكّل تقاطعٌ مصلحي هشّ، قوّته في المنفعة المتبادلة وضعفه في انعدام الثقة وتضارب المشاريع.
ويبقى توجّه الجبهة الشعبية محوريّاً في تحديد شكل التحالفات، فموقعها كقوةٍ يسارية غير محسوبة على قطبَي الاستقطاب يجعل انحيازها مرجِّحاً لكفّة أي معسكر، وثمة ما يرجّح أن تمضي نحو قائمةٍ ديمقراطية واسعة تحمل برنامجاً إصلاحيّاً، تتفادى بها مخاطر أي تحالفٍ آخر – لا سيما الذي يضمّ دحلان- حتى لو كلّفها ذلك خسارة امتيازات الحسابات التحالفية الأكبر، فسياق مواقفها السياسية تاريخيّاً يميل إلى المسار البرامجي على حساب المصلحي.
صمتُ الراعي وفيتو الاحتلال
ثمة عنصران يكشفان أن مصير المسار ليس بيد عباس وحده؛ الأول أن واشنطن والاحتلال الإسرائيلي لم تُبديا موقفاً رسميّاً من فكرة الانتخابات، فواشنطن، رغم إلحاحها على “إصلاح” السلطة، لم تحدّد موقفاً واضحاً من الاستحقاق، فيما لم تبحث حكومة الاحتلال الإسرائيلي الملف بعد. والأرجح، وفق القراءات “الإسرائيلية” نفسها، أن يعمد الاحتلال إلى شروطٍ تُفضي إلى تأجيل الانتخابات لا منعها المباشر، فرفض إجرائها في القدس محسومٌ لديه، وبمقدوره منعها في مناطق “ج” و”ب” بذرائع أمنية، كما سيقرأ الاستحقاق أصلًا كمحاولةٍ لبسط سيطرة السلطة على غزة.
أما العنصر الأخطر بنيويّاً، فثغرةٌ قانونية تنسف الفرضية في غزة، فالولاية على القطاع، بموجب قرار مجلس الأمن 2803 الصادر تحت الفصل السابع في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مناطةٌ بمجلس السلام، وتنص على إدارةٍ انتقالية دولية ذات شخصية قانونية مستقلة يمتدّ تفويضها حتى نهاية 2027.
بالتالي السلطة ليست صاحبة الولاية إلا بعد إكمالها برنامج الإصلاح “على نحوٍ مُرضٍ” وفقاً للقرار الدولي. ومعنى ذلك أن إجراء انتخاباتٍ في غزة يقع خارج ولاية رام الله ويحتاج غطاءً من سلطةٍ دولية لا تملكها، ما يرفع احتمال تعطيل الاستحقاق في القطاع إما بصمت الراعي، أو فيتو الاحتلال، أو بحكم بنية الوصاية نفسها.
أي نظامٍ سياسي يمكن أن تنتجه الانتخابات؟
هل تصبح الانتخابات محطةً لاستعادة التمثيل وتجديد المؤسسات وإعادة بناء النظام على أسسٍ وطنية تعدّدية، أم أداةً لإعادة هندسته وفق الاشتراطات الخارجية وحسابات فريق السلطة؟
المعطيات ترجّح الكفّة الثانية، فالمسار الذي يبدأ باشتراطات الترشّح، وخفض نسبة الحسم الذي يصنع تعدّديةً شكلية ويفتّت المعارضة، مصمَّمٌ لإنتاج نتيجةٍ بعينها. والأخطر أن التلاعب بالقوانين يمنح عباس مخرجاً يُبقيه ممسكاً بزمام اللعبة في كل الأحوال، فالتعديل على نظام المجلس الوطني يخصّص نحو 67 عضواً من الداخل يُختارون “بالتوافق والتشاور” لا بالانتخاب، ومقعداً للرئيس، بما يضمن لفريقه كتلةً تناهز 218 مقعداً من أصل 350.
القوى الفلسطينية إذن أمام ممرٍّ إجباري، لا تملك ترف مقاطعته دون أن تُخلي الساحة لخصومها، ولا تضمن إن عبرته أن تغيّر وجهته؛ فالدخول في مسارٍ مشوّه قد يقود إلى شرعنة النتائج التي صُمّم المسار أصلاً لإنتاجها. والرهان المعاكس على أن تتحوّل المشاركة الواسعة نفسها إلى أداةٍ لكسر الهندسة من الداخل يبقى ممكناً نظريّاً، لكنه مشروطٌ بوحدةٍ في الموقف تفتقر إليها القوى حتى اللحظة.
ويبقى التذكير الحاسم قائماً فوق كل هذه الحسابات، وهو أن محمود عباس لن يُكمل مسار الانتخابات ما لم يطمئنّ إلى نتيجتها، تماماً كما فعل في 2021. وحين يملك، عبر التلاعب بالقوانين، ضمانةَ تشكيل المجلس الوطني بالتكليف والتوافق، فإنه يُمسك بزمام اللعبة سواءٌ أجرى الانتخابات أم أجّلها. ومع ذلك، يبقى الصندوق قاراً على إنتاج المفاجآت وقلب المعادلات، وهو الاحتمال الوحيد الذي لا يستطيع عباس، بكل هندسته، أن يضمن إغلاقه تماماً.
المصدر: متراس