أدى الحراك الفصائلي الأخير، على خلفية قرب انتهاء مرحلة تسجيل القوائم واقتراب مرحلة الدعاية الانتخابية، إلى فتح قنوات اتصال أكثر فاعلية بين القوى الفلسطينية، خصوصًا من خلال الحوار الثنائي الذي جرى بين الوفود الرسمية لحركة فتح وقيادات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركتي حماس والجهاد الإسلامي. وأفضت هذه الحوارات إلى الاتفاق على تأجيل الانتخابات، والشروع في إنجاز الترتيبات اللازمة لحوار وطني فلسطيني واسع.
وبالرغم من أن موعد الحوار لم يُعلن بصورة نهائية، فإن المواقف العلنية للقوى الفلسطينية، المؤيدة لتأجيل الانتخابات والمعارضة له، تتمسك بضرورة المضي قدمًا في الحوار الداخلي، وهو ما نصت عليه أيضًا بيانات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. غير أن الترتيب النهائي يبقى مرتبطًا بالتنسيق مع القيادة المصرية، بما يتطلب تفاهمًا فلسطينيًا مصريًا حول طبيعة الحوار ومستوى المشاركة فيه ومخرجاته المتوقعة، والدور المصري المأمول فلسطينيًا، سواء اقتصر على الاستضافة أو شمل الرعاية وضمان تنفيذ التفاهمات.
وفي كل الأحوال، فإن جدول الأعمال الفلسطيني مزدحم بالأولويات الوطنية التي تحتاج إلى تفاهم داخلي، تبدأ بشكل المواجهة مع خطط التصفية التي تهدد القضية الفلسطينية، وتمتد إلى الترتيبات المستحقة للمؤسسات الفلسطينية الرسمية، بما ينهي الانقسام الإداري والمؤسساتي وينظم العلاقة الداخلية ضمن قيادة موحدة قادرة على التعامل مع التحديات.
حجر في المياه الراكدة
أدى المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 9 يوليو/تموز 2026، والداعي إلى إجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني [1]2026، إلى خلق حالة من الحراك السياسي الفلسطيني الداخلي، بدأت مع القرارات المفاجئة لقوى المعارضة الفلسطينية، المعترضة على تفرد الرئيس بإدارة المؤسسة الرسمية، بإعلان نيتها خوض العملية الانتخابية، بالرغم من تحفظاتها وملاحظاتها حول التفرد بتحديد الموعد والاشتراطات المسبقة المفروضة على الترشح.
خالف التوجه الفصائلي الواسع للمشاركة التوقعات التي صاحبت تحديد موعد الانتخابات، وأنتج حيوية أوسع في التعاطي مع انعقادها. وفي سياق هذا الحراك، ارتفعت نسبة المسجلين في السجل الانتخابي بالضفة الغربية إلى 87.2%، وفقًا للإعلان الرسمي الصادر عن لجنة الانتخابات المركزية[2].
خلقت التحركات المرتبطة بتشكيل القوائم، سواء ذات الطبيعة الفصائلية أو النقاشات على مستوى المهنيين والمستقلين، نقاشًا جديًا حول النظام السياسي الفلسطيني ومعضلاته وأولوياته. وشكّل الإعلان المبكر عن تحالف واسع يجمع تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان وحركة حماس والتجمع الديمقراطي بقيادة ناصر القدوة وفصائل فلسطينية أخرى، وبدعم من حركة الجهاد الإسلامي[3]، المحطة الأبرز التي رفعت مستوى النقاش حول التحالفات والأفق التغييري الذي يمكن أن تحمله الانتخابات.
في هذا الإطار، برزت مبادرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تركز على محورية إنجاز الترتيبات الانتقالية الفلسطينية في إطار توافقي، عماده مجلس وطني انتقالي وحكومة توافق وطني، يجري الاتفاق على تشكيلهما في حوار وطني فلسطيني واسع. ويهدف هذا الحوار إلى إنجاز تفاهم داخلي يمنع تحول محطة الانتخابات أو تأجيلها إلى أزمة سياسية جديدة تعصف بالمشهد الفلسطيني المنقسم أصلًا، وتزيد الشرخ الداخلي[4].
وقد نجحت المبادرة المذكورة في تفعيل نقاش فلسطيني أوسع، شمل لقاءات ثنائية عقدها وفد قيادي من حركة فتح مع الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي، تلتها سلسلة اجتماعات أخرى مع الجبهة الشعبية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي. ودفعت هذه اللقاءات إلى تجميد الإجراءات المنفردة، خصوصًا ترتيبات تشكيل المجلس الوطني بمعزل عن التوافق الفلسطيني، والاتفاق على الذهاب إلى حوار وطني واسع، وصولًا إلى تأجيل الانتخابات التشريعية وإقرار إجرائها بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية في 11 سبتمبر/أيلول 2027، بموجب المرسوم الرئاسي الصادر في 10 أكتوبر/تشرين الأول [5]2026.
بالتوازي، شهدت فصائل منظمة التحرير حراكًا على مستوى اجتماعات اللجنة التنفيذية للمنظمة، تابعت خلاله مجرى الحوار الذي تجريه وفود حركة فتح، وجدول الأعمال المحدّث الذي دشّن مسارًا مختلفًا عن المسار السابق.
خلق هذا الحراك السياسي حالة واسعة من التفاعل الفلسطيني الداخلي، وأعاد ترتيب أولويات النقاش، بما يشمل مخططات التصفية وتجاوز التمثيل الرسمي الفلسطيني، والتدويل الجاري في قطاع غزة، ومخاطر الإبادة والتوسع الاستيطاني.
الحوار الوطني الفلسطيني المفقود
بالرغم من حساسية اللحظة التي فرضتها حرب الإبادة في قطاع غزة، والاندفاعة العدوانية للاحتلال الإسرائيلي التي شملت استهداف الكل الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، عجزت القوى الفلسطينية عن الوصول إلى تفاهم سياسي يتيح خوض المواجهة بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة ودقتها وحجم الكارثة، التي تستهدف تصفية الوجود الفلسطيني.
كان مسار الحوار الوطني الفلسطيني حافلًا بالتعثر؛ فقد سبق اتفاق مكة في فبراير/شباط 2007 الانقسام السياسي والجغرافي الذي وقع في يونيو/حزيران من العام نفسه. وفي أعقاب الانقسام، تواصلت المحاولات لتجاوز الأزمة وإعادة ترتيب البيت الداخلي، عبر محطات أبرزها اتفاق القاهرة في مايو/أيار 2011، الذي وضع إطارًا شاملًا للمصالحة، و"اتفاق الشاطئ" في أبريل/نيسان 2014، الذي أثمر عن الاتفاق على تشكيل حكومة توافق وطني[6]. ورغم تعثر هذه الجهود عند التنفيذ وملفات الأمن والانتخابات، استمرت المحاولات اللاحقة، وصولًا إلى إعلان الجزائر في أكتوبر/تشرين الأول 2022.
بقيت اللقاءات الوطنية الفلسطينية المنعقدة في ظل حرب الإبادة والعدوان على قطاع غزة دون مستوى الكارثة الإنسانية والسياسية غير المسبوقة؛ إذ شهدت الفترات اللاحقة لاندلاع الحرب تحركات جمعت القوى الفلسطينية، وظلت مخرجاتها عاجزة عن تجاوز البيانات السياسية إلى العمل المشترك. ومن أبرز هذه المحطات لقاء موسكو في أواخر فبراير/شباط ومطلع مارس/آذار 2024، الذي تناول سبل إنهاء الانقسام وتوحيد الجهود ورفض مخططات التهجير، من دون أن تتحول مخرجاته إلى برنامج سياسي مشترك وآليات تنفيذية فاعلة على الأرض، فبقي الواقع المؤسساتي والسياسي منقسمًا.
وتكرر المشهد بصورة أكثر زخمًا في جولتي حوار بكين خلال أبريل/نيسان ويوليو/تموز 2024، برعاية صينية مباشرة، حيث تمخضت الجولة الثانية عن توقيع 14 فصيلًا على "إعلان بكين" لإنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وفاق وطني مؤقتة، تتولى توحيد المؤسسات الفلسطينية وإعادة إعمار قطاع غزة والتمهيد للانتخابات العامة[7]. ورغم الثقل السياسي للإعلان ونصّه على آلية جماعية للتنفيذ ووضع أجندة زمنية، بقيت هذه الالتزامات دون ترجمة عملية ملزمة، فظلت الحكومة الموعودة حبرًا على ورق، واستمر غياب الرؤية المشتركة لإدارة الإغاثة والمعابر الحيوية، وسط تفاقم المعاناة الميدانية في قطاع غزة.
أكد هذا التباين بين خطورة الواقع الميداني وهشاشة المخرجات السياسية أن اللقاءات الفلسطينية خلال الحرب بقيت رهينة الحسابات الفصائلية التقليدية، وعجزت عن ترجمة التوافقات إلى أدوات صمود تلامس احتياجات الشعب الفلسطيني. وأسهم الموقف السلبي المستمر لقيادة السلطة تجاه تشكيل حكومة توافق وطني في إبقاء هذه الفجوة، بما أضعف القدرة على مواجهة الطموحات الإسرائيلية بشأن اليوم التالي للحرب. وحتى التوافق على "لجنة الإسناد المجتمعي"، بوصفها حدًا أدنى لترتيب إدارة قطاع غزة، بقي معلقًا، وصولًا إلى طرح لجنة تكنوقراط فلسطينية ضمن ترتيبات خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقرار مجلس الأمن 2803، بمرجعية انتقالية لمجلس السلام، ما يثير إشكالية علاقتها بالمؤسسة الرسمية الفلسطينية وحدود استقلال قرارها.
وبقي غياب الحوار الوطني الشامل وتردد القيادة الرسمية في إنجاز ترتيبات الشراكة مرتبطين، في جانب من حساباتها، بخشية الضغوط والعقوبات الأمريكية. وزادت الالتزامات التي قدمها الرئيس الفلسطيني في مؤتمر نيويورك في سبتمبر/أيلول 2025 المشهد تعقيدًا، خصوصًا تعهده بعدم إشراك حركة حماس في الحكم وتسليم سلاح الفصائل إلى السلطة الفلسطينية[8]، ما يضيف قيودًا على إمكان الوصول إلى وحدة وطنية فلسطينية.
وبالرغم من أن لقاءات القاهرة الأخيرة بين وفد حركة فتح، برئاسة أمين سر لجنتها المركزية جبريل الرجوب، ووفد حركة حماس أعادت تنشيط التواصل السياسي، فإن التفاؤل بوجود تغير جوهري في سياسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس واستعداده لتقديم مرونة داخلية يبقى مبكرًا.
جدول أعمال مزدحم بالأولويات
تضع اللحظة السياسية الراهنة القوى الفلسطينية أمام تحديات تجعل ترتيب الأولويات مهمة صعبة بحد ذاته، خصوصًا مع تداخل مواجهة العدوان ومخططات التصفية مع استحقاقات إصلاح المؤسسات وإنهاء الانقسام. ويتطلب التعامل مع هذه المهمات الاتفاق على خطوات يبدأ تنفيذها فورًا، وترتيبات انتقالية تتيح استمرار العمل المشترك، وجدول زمني لإنجاز الاستحقاقات المؤسساتية والديمقراطية، بما يمنع بقاء المخرجات معلقة إلى حين تسوية جميع الخلافات.
- إيقاف الإبادة في قطاع غزة واستراتيجية التعامل مع خطة ترامب: تتصدر مواجهة العدوان ووقف الإبادة جدول الأعمال، بما يستوجب مراجعة فلسطينية جماعية لطبيعة التعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار ومخاطره، والاتفاق على موقف موحد من الانتقائية الإسرائيلية في تنفيذه واستمرار القتل وتوسيع السيطرة. وتتمثل المهمة المباشرة في تحديد المطالب الفلسطينية المشتركة، وتنسيق التحرك تجاه الوسطاء والأطراف العربية والدولية للضغط من أجل وقف الاعتداءات، وضمان تدفق المساعدات، والبدء بالإعمار، وتحديد جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة. ويمنح هذا التوافق التحرك الفلسطيني مرجعية مشتركة في التعامل مع ترتيبات الاتفاق ومحاولات فرض وقائع تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية.
- وضع برنامج مواجهة فلسطيني: تتطلب مواجهة التوسع الاستيطاني وابتلاع الأرض الفلسطينية والتهجير الاتفاق على برنامج وطني يحدد أدوات العمل المشترك في مختلف الساحات، وينظم تفعيل الطاقات الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية. وتبقى مسألة أشكال المقاومة وضوابطها من القضايا التي تحتاج إلى نقاش وطني، فيما تتيح المهمات المتفق عليها البدء بخطوات مباشرة لإسناد صمود الفلسطينيين وحماية وجودهم، ومواجهة اعتداءات المستوطنين ومخططات الاقتلاع، بما يربط الحوار بالاحتياجات الفعلية للشعب الفلسطيني.
- تنظيم آلية قيادة انتقالية: يشكّل انتظام مرجعية قيادية مشتركة شرطًا عمليًا لمتابعة هذه المهمات، إلى حين استكمال إصلاح منظمة التحرير وانتخاب قيادتها الجديدة. وهذا يستدعي تفعيل صيغة اجتماع الأمناء العامين ضمن إطار متوافق عليه، وتحديد صلاحياته وآليات اتخاذ القرار فيه ومواعيد اجتماعاته، وتشكيل لجنة متابعة تتولى تحويل التفاهمات إلى خطوات محددة المسؤوليات والمواعيد. وتزداد أهمية هذه المرجعية في تنسيق الموقف السياسي وإدارة ملفات التفاوض واتفاق وقف إطلاق النار، بما يحد من تعدد المرجعيات والتفرد بالقرارات ذات الأثر الوطني العام.
- إصلاح منظمة التحرير وشمولية التمثيل: يتطلب تثبيت الشراكة الاتفاق على مسار واضح يضمن مشاركة جميع القوى الفلسطينية في منظمة التحرير بلا استثناء، وإنجاز التوافق على تشكيل مجلس وطني انتقالي يمثل الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، وينتخب لجنة تنفيذية جديدة تعبّر عن الكل الفلسطيني. ويستوجب ذلك حسم أسس التمثيل وآليات الاختيار والمدة الانتقالية، بالتوازي مع الاتفاق على حكومة توافق وطني توحّد المرجعيات الحكومية والمؤسسات الخدماتية، وتحدد علاقتها بترتيبات إدارة قطاع غزة. وتتيح هذه الخطوات نقل التوافق من مستوى التنسيق بين الفصائل إلى شراكة مؤسساتية قابلة للاستمرار والمساءلة.
- تثبيت الانتخابات كمحطة ديمقراطية رئيسية للتجديد: يبقى الموعد الجديد للانتخابات استحقاقًا يتطلب برنامج إعداد يبدأ منذ انتهاء الحوار، ويشمل معالجة الخلافات المتعلقة بقواعد المشاركة، وضمان الحريات السياسية، وتهيئة عمل لجنة الانتخابات، وحشد الدعم العربي والدولي لانتزاع حق الفلسطينيين في الاقتراع والترشح في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. وتستمد الترتيبات الانتقالية قيمتها من قدرتها على تهيئة هذا الاستحقاق ضمن مدة معلومة، وصولًا إلى تجديد الشرعية الديمقراطية للمؤسسات الفلسطينية، وتثبيت ممارسة الفعل السيادي الفلسطيني في مواجهة محاولات تصفية الكينونة السياسية الوطنية.
ويتيح هذا الترتيب البدء بالمهمات الملحة بالتوازي مع معالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، على أن يقترن كل توافق بجهة مسؤولة عن تنفيذه وموعد محدد لإنجازه. فالشعب الفلسطيني لا يمتلك ترف انتظار تسوية شاملة لكل الخلافات، فيما تستمر الوقائع الميدانية والسياسية في تقليص المساحة المتاحة أمام القرار الوطني الفلسطيني.
تحديات على الطريق
يواجه الحوار الوطني الفلسطيني معضلات كثيرة تحدّ من التفاؤل بنجاحه، وتثير الخشية من تحوله إلى محطة استهلاك سياسي جديدة، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية ودولية لا توفر دعمًا كافيًا للوحدة الوطنية الفلسطينية. ويرتبط ذلك بالاختلاف الواسع في المقاربات تجاه شكل النظام السياسي الفلسطيني المستقبلي، ومدى القبول الدولي بوحدة وطنية حقيقية تكون حركتا حماس والجهاد الإسلامي جزءًا من مؤسساتها التمثيلية.
في الإطار ذاته، يبرز الضغط الخارجي المرتبط بالإصلاح المشروط وفقًا للمقاييس الخارجية بوصفه أحد أبرز دوافع التوجه إلى الانتخابات، إلى جانب الالتزامات المقدمة في مؤتمر نيويورك، ومنها التعهد بعدم مشاركة حركة حماس في الحكم، وتسليم سلاح الفصائل إلى السلطة الفلسطينية وحصره في مؤسساتها. ويضع هذا الضغط الخارجي بمجمله مجموعة من العقبات أكبرها مسألة الكفاح المسلح التي ستتصدر الخلاف مع قوى فلسطينية رئيسية تتمسك به بوصفه شكلًا رئيسيًا من أشكال المقاومة المكفولة في القانون الدولي، وتبدي استعدادًا لمناقشة ضوابط استخدام السلاح وتوقيته وأدواته، ضمن اتفاق وطني واسع على أشكال المقاومة ضمن استراتيجية مواجهة موحدة.
إلى جانب ذلك، فإن التجربة التاريخية لمآلات الحوار الوطني الفلسطيني، ومحدودية المرونة التي يبديها الرئيس تجاه الحوار والشراكة الواسعة، تطغيان على تقدير فرص تحول مخرجات الحوار إلى برنامج تنفيذي.
وعلى مستوى آخر، فإن ترتيبات خطة ترامب وقرار مجلس الأمن 2803، بما تشمله من صلاحيات انتقالية لمجلس السلام ومرجعية للجنة التكنوقراط الفلسطينية التي يُفترض أن تتولى العمل الحكومي في قطاع غزة، وما تتضمنه من التزامات تقيد الفصائل الفلسطينية، قد تشكّل عقبة إضافية أمام النقاش الداخلي حول سبل التعامل معها، خصوصًا مع ضيق مساحة المناورة أمام المواقف الفلسطينية المتباينة من الاتفاق.
إضافة إلى ذلك، سيكون الخلاف الفتحاوي الداخلي، خصوصًا مع تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان، الذي يتمتع بصلات إقليمية ودولية، حاضرًا في النقاش بين الحكومات العربية المعنية وقيادة السلطة. وتبرز هنا مسألة تمثيل التيار في الحوار الفلسطيني، أو إطلاق مسار جدي للحوار الفتحاوي الداخلي بالتوازي مع الحوار الوطني الواسع. وبقدر ما تسعى القاهرة إلى تفاهمات تستوعب هذا الخلاف، قد يتحول استمرارُه إلى عقبة أمام رعاية مصرية فاعلة للحوار الفلسطيني.
وقد تصبح الرعاية المصرية ضمانة رئيسية لنجاح الحوار، إذا استندت إلى تفاهم مع الأطراف الفلسطينية المختلفة، واقترنت بإلزامها بالتعامل الجدي مع المخرجات ومتابعة تنفيذها. ويشمل ذلك تشكيل حكومة توافق وطني تنظم المرجعيات الحكومية وترتب أوضاع المؤسسات الخدماتية الفلسطينية، وانتظام الإطار القيادي المؤقت أو الانتقالي إلى حين إنجاز الترتيبات العالقة في منظمة التحرير والاستعداد للانتخابات العامة. وهي مخرجات ذات حساسية عالية تتطلب ضغطًا جديًا حتى تتحول إلى خطوات فعلية.
خلاصة
تمنح العودة إلى الحوار الوطني الفلسطيني فرصة لإعادة بناء الحد الأدنى من العمل المشترك، بعد أن أتاح الحراك المرتبط بالانتخابات فتح قنوات اتصال وتحريك ملفات بقيت عالقة لسنوات. غير أن تراكم الخلافات الداخلية والاشتراطات الخارجية، ومحدودية المرونة في التعامل مع استحقاقات الشراكة، تجعل فرص الوصول السريع إلى تسوية شاملة للانقسام محدودة. وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو التوافق على ترتيبات جزئية وآلية متابعة أكثر ترجيحًا من إنجاز تحول مؤسساتي واسع خلال جولة حوار واحدة.
وتبقى قيمة هذا التوافق مرتبطة بمضمونه وقدرته على فتح مسار تراكمي نحو الوحدة. ويمكن قياس جدية الحوار بانتظام المرجعية القيادية المشتركة، وإقرار خطوات محددة لتوحيد المؤسسات، والاتفاق على أسس إصلاح منظمة التحرير، ووضع برنامج للتحضير للانتخابات. أما الاكتفاء ببيان سياسي عام وإحالة القضايا الأساسية إلى لقاءات لاحقة دون مواعيد ومسؤوليات واضحة، فيرفع احتمال تكرار التجارب السابقة واستنزاف الفرصة التي أتاحها الحراك الأخير.
يستلزم دفع الحوار نحو نتائج فعلية ضغطًا من القوى الفلسطينية الأخرى على حركتي فتح وحماس، ورعاية مصرية تستند إلى جدول أعمال متوافق عليه وتتابع تنفيذ المخرجات. وتزداد فاعلية هذه الرعاية حين تقترن بدعم عربي وإسلامي يشكّل شبكة أمان للتفاهمات الفلسطينية في مواجهة الضغوط الخارجية، ويحمي حق الفلسطينيين في بناء مؤسساتهم واختيار ممثليهم دون إقصاء أو هندسة مفروضة للنظام السياسي.
وتقع المسؤولية الرئيسية على الأطراف الفلسطينية في تغليب المصلحة الوطنية العليا، وتقديم المرونة اللازمة لإنجاز الشراكة، وربط الترتيبات الانتقالية بمدة محددة واستحقاقات واضحة. وسيكشف الانتقال من جلسات الحوار إلى تنفيذ أول خطوة متفق عليها مدى استعداد هذه الأطراف لتحويل التوافق إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية، في لحظة تُقاس فيها كلفة التأخير بما يخسره الشعب الفلسطيني من أرض وحقوق وقدرة على مواجهة مخططات التصفية.
[1] "مرسوم رئاسي بإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر 2026"، وكالة سند للأنباء، 9 يوليو 2026، https://2u.pw/vIZVGA
[2] "لجنة الانتخابات تعلن ارتفاع نسبة المسجلين في الضفة الغربية إلى 87.2%"، الموقع الرسمي للجنة، 20 أغسطس 2026، https://2u.pw/JREx3t
[3] "تحالف انتخابي يضم حماس والجهاد وتيار دحلان.. قائمة موحدة في مواجهة فتح"، وكالة وطن للأنباء، 29 سبتمبر 2026، https://2u.pw/Z7fLRF
[4] "الجبهة الشعبية تطرح 'خارطة طريق للإنقاذ الوطني' تدعو لحوار وطني شامل"، بوابة الهدف الإخبارية، 13 سبتمبر 2026، https://2u.pw/1FF2UB
[5] " 1. "مصادر فلسطينية للعربية: الفصائل تتفق على تأجيل الانتخابات التشريعية عاماً كاملاً وإلغاء نتائج المجمعات الانتخابية للمجلس الوطني"، قناة العربية، 9 أكتوبر 2026، https://nabd.com/s/179151309-007b87.
[6] "اتفاق إعلان الشاطئ للمصالحة الفلسطينية (23 نيسان 2014)"، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني - وفا، https://2u.pw/LE3ENP
[7] إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية 22 تموز 2024، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني- وفا، https://2u.pw/z0ZDR7
[8] "عباس يؤيد نزع سلاح حماس.. وعدم مشاركتها في حكم غزة"، سكاي نيوز عربية، 10 يونيو 2025، https://2u.pw/Vvwgwe