- مقدمة:
تُعد الانتخابات المحلية في فلسطين، البلدية والقروية، أحد الأعمدة الرئيسة لمنظومة الحكم المحلي، لارتباطها المباشر بتقديم الخدمات وإدارة الشأن اليومي وتنظيم المجال العام داخل المدن والقرى. غير أن هذا البعد الخدماتي لم يكن يوماً معزولاً عن السياق السياسي الأشمل، إذ تداخلت عملية الانتخابات المحلية، منذ نشأتها، مع صراع الشرعية والتمثيل في ظل واقع الاحتلال الصهيوني، وما يفرضه من قيود على الممارسة الديمقراطية الفعلية.
تبلورت منظومة الحكم المحلي بصيغتها الراهنة بعد اتفاق أوسلو 1993 وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية [1]1994 بوصفها كيان حكم ذاتي انتقالي محدود الصلاحيات في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، أُدرجت الانتخابات، بما فيها المحلية، ضمن وظيفة السلطة الإدارية والسياسية، لكنها بقيت محكومة بقيود بنيوية تتصل باستمرار الاحتلال وغياب السيادة والتحكم بالجغرافيا والموارد، إلى جانب الانقسام السياسي الداخلي منذ عام 2007 وما ترتب عليه من فصل إداري بين الضفة وغزة. وفي الضفة الغربية تحديداً، حيث جرت معظم الانتخابات المحلية منذ 2005 تعمل المجالس المنتخبة ضمن واقع جغرافي مجزأ تحكمه تقسيمات (أ، ب، ج)[2]، بما أدى إلى تفاوت حاد في الصلاحيات الفعلية وخضوع مساحات واسعة لسيطرة إسرائيلية مباشرة، الأمر الذي يجعل العملية الانتخابية تجري في سياق غير متكافئ، تتقاطع فيه الاعتبارات الإدارية مع الحسابات الأمنية والسياسية، بما يحد من مضمونها التمثيلي.
في هذا السياق، صدر القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية بتاريخ 19 تشرين الثاني 2025، مُحدثاً تحولاً جوهرياً في الإطار الناظم للانتخابات المحلية؛ ليس فقط عبر إعادة ترتيب آليات الانتخاب بين البلديات والمجالس القروية، بل أيضاً عبر إدخال اشتراطات سياسية جديدة للترشح، بما يعيد تعريف وظيفة الانتخابات المحلية وحدود التمثيل فيها. وتتعزز دلالة هذا القانون بالنظر إلى ظرف صدوره: حرب نكبوية متواصلة على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول 2023، وضغوط دولية متزايدة لإعادة تنظيم الواقع الفلسطيني الداخلي تحت عناوين "إصلاح السلطة" و"إعادة هيكلتها"، إلى جانب استمرار التشريع بالمراسيم في ظل تعطل المجلس التشريعي منذ 2007 وحله رسمياً في كانون الأول 2018[3]، وما أثاره ذلك من جدل حول مشروعية التعديلات وحدود الصلاحيات وطبيعة "الإصلاح" وحدوده.
انطلاقاً من ذلك، لا يُقرأ القانون الانتخابي المحلي المعدل بوصفه أداة تنظيمية محايدة لإجراء انتخابات بلدية وقروية، بل بوصفه مدخلاً لفهم تحولات أوسع في بنية النظام السياسي الفلسطيني ووظيفة السلطة وحدود التمثيل السياسي الممكن في المرحلة الراهنة. وعليه، تتمحور الورقة حول تساؤل رئيسي: إلى أي حد يعكس القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 تحولاً في وظيفة الانتخابات المحلية من آلية للتمثيل والمشاركة، إلى أداة لضبط المجال السياسي المحلي وإعادة تعريف شروط التنافس، في سياق التحولات السياسية الفلسطينية الراهنة؟ وتتناول الورقة هذا التساؤل عبر قراءة القانون في سياقه التاريخي والسياسي، وتحليل أهدافه المعلنة والضمنية، واستشراف انعكاساته المحتملة على الحكم المحلي والمسار الديمقراطي الفلسطيني.
- التطور التاريخي، الموقع الجغرافي، والفاعلية السياسية
يشكل قانون الانتخابات المحلية الإطار القانوني الناظم لانتخاب مجالس الهيئات المحلية في فلسطين، سواء البلديات أو المجالس القروية، وهي الهيئات المسؤولة عن إدارة الشأن المحلي وتقديم الخدمات الأساسية ضمن حدودها الجغرافية. وعلى الرغم من الطابع الخدماتي الظاهر لهذه الهيئات، فإن القوانين التي تنظم انتخابها تعكس في جوهرها فلسفة النظام السياسي القائم، وحدود المشاركة، وطبيعة التمثيل المسموح به، بما يتجاوز البعد الإداري إلى أبعاد سياسية بنيوية.
أولًا: التطور التاريخي لقانون الانتخابات المحلية
مر قانون انتخابات الهيئات المحلية الفلسطينية بعدة مراحل تاريخية ارتبطت بتطور بنية السلطة الوطنية الفلسطينية والتحولات السياسية المحيطة بها. ففي عام 1996، ومع بدايات قيام السلطة، صدر أول قانون ينظم انتخابات مجالس الهيئات المحلية[4]، واعتمد نظام الأغلبية والترشح الفردي، بما انسجم مع طبيعة المرحلة الانتقالية، وضعف الأحزاب، وهيمنة البنى العائلية والاجتماعية. وقد اتسم هذا القانون بمحدودية فاعليته السياسية، سواء من حيث نطاق تطبيقه أو قدرته على إنتاج تمثيل تعددي فعلي، في ظل استمرار الاحتلال وغياب الاستقرار السياسي.
وشكل صدور قانون رقم (10) لسنة [5]2005 نقطة تحول مفصلية، إذ ألغى القوانين السابقة واعتمد النظام النسبي القائم على القوائم الانتخابية، ما أتاح مشاركة أوسع للقوى السياسية، وعزّز الطابع التنافسي للانتخابات البلدية، وأدخل العمل الحزبي بصورة أوضح إلى الحكم المحلي. كما أقر كوتا للمرأة، في إطار السعي لتعزيز تمثيلها وربط الانتخابات المحلية بالمسار الديمقراطي العام.
لاحقاً، خضع قانون 2005 لسلسلة تعديلات بين عامي 2005 و2017، ركزت بمعظمها على الجوانب الإجرائية والتنظيمية، مثل الطعون وتنظيم الحملات وإدارة العملية الانتخابية، دون المساس بجوهر النظام النسبي[6]. وخلال هذه الفترة، جرت معظم الانتخابات المحلية في الضفة الغربية فقط، في ظل تعطيل متكرر للانتخابات في قطاع غزة، وهو ما أظهرته تقارير لجنة الانتخابات المركزية، ولا سيما تقريري عامي 2012 و2017، التي عكست الطابع الجزئي والمتراجع للعملية الانتخابية المحلية[7].
في هذا السياق، جاء القرار بقانون رقم (23) لسنة [8]2025 ليشكل قطيعة قانونية مع قانون 2005، إذ نص صراحة على إلغائه، وأعاد صياغة فلسفة الانتخابات المحلية، سواء على مستوى النظام الانتخابي أو شروط الترشح أو طبيعة التمثيل، بما يمنحه بعدًا سياسياً يتجاوز التعديل التقني.
ثانيًا: الموقع الجغرافي وفاعلية القانون
يُطبق قانون الانتخابات المحلية الفلسطيني ضمن نطاق جغرافي محدود يقتصر عملياً على الضفة الغربية، مع استثناء القدس بفعل القيود الإسرائيلية، وتعطيل الانتخابات في قطاع غزة منذ عام 2007. ويتم ذلك في ظل واقع جغرافي مجزأ تحكمه تقسيمات اتفاق طابا لعام 1995 إلى مناطق (أ، ب، ج)، حيث تخضع مساحات واسعة، ولا سيما في المناطق المصنفة (ج)، لسيطرة إسرائيلية كاملة.
ويجعل هذا الواقع من قانون الانتخابات المحلية قانوناً جزئي التطبيق، يعمل في بيئة غير متجانسة، ويعاني من فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق العملي. كما يحد من فاعليته التمثيلية، ويضعف الادعاء بتحقيق تمثيل وطني شامل، في ظل غياب الانتخابات في غزة، وعدم مشاركة القدس، وتفاوت الصلاحيات الفعلية للمجالس المنتخبة على الأرض.
ثالثاً: القانون الجديد والتعديلات الجوهرية في القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025:
يمثل القرار بقانون رقم 23 لسنة [9]2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية تحولاً نوعياً في فلسفة تنظيم الانتخابات المحلية، اذ لم يأتِ كتعديل جزئي على قانون 2005، بل الغاه بالكامل وأعاد بناء المنظومة القانونية للحكم المحلي الانتخابي. ويعكس هذا القانون رؤية مغايرة لدور الانتخابات المحلية وطبيعة المشاركة السياسية فيها وحدود التعددية المسموح بها مقارنة بالقانون السابق.
على مستوى النظام الانتخابي، أقر القانون ازدواجية واضحة بين البلديات والمجالس القروية، فحافظ على التمثيل النسبي في البلديات، لكنه انتقل من القوائم المغلقة الى القوائم المفتوحة، بما يسمح للناخب بالتأثير على ترتيب المرشحين داخل القائمة. ورغم ما يبدو من تعزيز لدور الناخب، إلا أن هذا الخيار يفتح عملياً باب التنافس الداخلي داخل القوائم، ويضعف الانضباط الحزبي، ويزيد من تأثير العلاقات الشخصية والعائلية، حتى ضمن الإطار النسبي.
في المقابل، أعاد القانون اعتماد نظام الأغلبية والترشح الفردي في المجالس القروية، في عودة صريحة الى المنطق الاجتماعي التقليدي للحكم المحلي في القرى، حيث تلعب العائلة والعشيرة دوراً مركزياً. ويشكل هذا التحول تراجعاً عن توجه قانون 2005، الذي سعى إلى إدخال العمل السياسي المنظم، ولو جزئياً، إلى القرى وربطها بالسياق السياسي العام. وبذلك، يفصل القانون الجديد بين البلديات كفضاء سياسي نسبي، والقرى كفضاء إداري اجتماعي منزوع السياسة.
إلا أن التعديل الأكثر حساسية يتمثل في إدخال شرط سياسي صريح للترشح، ورد في المادة [10]16، يلزم القوائم بتقديم اقرار خطي بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية الدولية، وهو شرط لم يكن وارداً في قانون 2005 الذي اكتفى بشروط أهلية عامة[11]. ويؤسس هذا الشرط لتحول جوهري في طبيعة الانتخابات المحلية، إذ ينقلها من انتخابات إدارية خدمية إلى انتخابات مشروطة سياسياً بسقف أيديولوجي محدد، ويمنح الجهة المشرفة سلطة تقدير سياسية غير مباشرة حول أهلية القوائم، ويقيد حق الترشح للمستقلين أو للقوى غير المنسجمة مع هذا الالتزام، محولاً حق الترشح من حق عام إلى حق مشروط بالولاء السياسي.
كما تضمن القانون تعديلات أخرى، منها خفض سن الترشح الى 23 عاماً[12] في إطار خطاب تمكين الشباب، وهو تعديل يبقى محدود الأثر في ظل القيود السياسية وضعف البيئة التشاركية وغياب الأحزاب الفاعلة، خاصة في القرى. وفي المقابل، رفع القانون نسب تمثيل النساء عبر تعديل الكوتا النسائية، بما يضمن عدداً أكبر من النساء في المجالس التي يتراوح عدد أعضائها بين 9 و15 عضواً[13]، وهو تعديل ايجابي من حيث المبدأ، لكنه لا يعالج البنية السياسية المقيدة للمشاركة ولا يحصن تمثيل النساء من الطابع الشكلي أو العائلي.
رابعاً: مقارنة القانون الجديد بقانون 2005 وأثره على العملية الانتخابية:
تكشف مقارنة القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 بقانون رقم 10 لسنة 2005 عن تحول يتجاوز الأدوات الاجرائية إلى الفلسفة السياسية الناظمة للعملية الانتخابية المحلية. فقد قام قانون 2005 على توسيع المشاركة وتعزيز التعددية، من خلال إقرار التمثيل النسبي، والاعتراف بالأحزاب والحركات السياسية، وعدم فرض شروط سياسية أو أيديولوجية على الترشح، بما جعل الانتخابات المحلية جزءاً من المسار الديمقراطي العام رغم الاحتلال والانقسام[14].
في المقابل، يعكس القانون الجديد توجهاً يقوم على ضبط المجال السياسي المحلي وإعادة تعريف وظيفة الانتخابات كأداة إدارة واستقرار لا كأداة تمثيل وتنافس سياسي. ويتجلى ذلك في الفصل بين البلديات والقرى، وإعادة الاعتبار للبنى الاجتماعية التقليدية، وادخال شروط سياسية للترشح، بما يضيق هامش التعددية ويحجم دور الفاعلين السياسيين غير المرغوب فيهم[15]. ويصدر هذا التحول في ظل غياب المجلس التشريعي والاعتماد على القرارات بقانون[16]، ما يضعف الشرعية التمثيلية للقانون ويمنحه بعداً سياسياً يتجاوز إطار الحكم المحلي، خاصة مع توقيت صدوره في ظل الحرب على قطاع غزة والضغوط الدولية لإعادة هيكلة السلطة الفلسطينية.
وعليه، لا يمكن قراءة القانون الجديد بمعزل عن إعادة تعريف دور السلطة الفلسطينية وحدود المشاركة السياسية وشكل النظام السياسي في المرحلة المقبلة، إذ لا يكتفي بتنظيم اجراءات الانتخاب، بل يعيد رسم حدود من يشارك وتحت أي شروط وفي اي فضاء سياسي مسموح.
خامساً: لجنة الانتخابات المركزية في ظل القانون الجديد:
أعاد القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 التأكيد على الدور المركزي للجنة الانتخابات المركزية بوصفها الجهة المختصة بإدارة العملية الانتخابية المحلية والاشراف عليها، مع التأكيد على استقلالها الإداري والمالي واختصاصها بتنظيم سجل الناخبين واعتماد القوائم والمرشحين والحملات والنتائج[17].
غير أن هذا الاستقلال يبقى عملياً استقلالاً اجرائياً لا موضوعياً، إذ تعمل اللجنة ضمن إطار قانوني وسياسي محدد سلفاً، ولا تملك صلاحية تجاوز الشروط الجوهرية، ولا سيما الشروط السياسية للترشح الواردة في المادة [18]16. ويقتصر دورها على التحقق من استيفاء هذه الشروط دون تقييم دستوريتها أو مدى انسجامها مع مبادئ المساواة والحق في المشاركة السياسية.
وبذلك، تتحول اللجنة من هيئة يفترض بها ضمان الحياد وتكافؤ الفرص، إلى جهة تنفيذية تطبق قانوناً ذا مضمون سياسي يحدد مسبقاً سقف المشاركة ويقيد حق الترشح على أسس غير اجرائية. ويترتب على ذلك اضعاف دور اللجنة في حماية التعددية السياسية، ويضع استقلاليتها موضع تساؤل فعلي، ليس من حيث بنيتها، بل من حيث قدرتها على صون الحق العام في المشاركة وضمان أن تكون الانتخابات المحلية أداة تعبير حر عن إرادة الناخبين، لا مجرد اجراء إداري مضبوط سياسياً. ويعكس هذا الأمر نقل عبء تنفيذ القيود السياسية من المستوى التشريعي إلى الإدارة الانتخابية، بما يعيد تعريف دور اللجنة ضمن معادلة سياسية وقانونية أوسع.
- آلية عمل السلطة الفلسطينية
أولاً: برنامج الاصلاح في الخطاب الرسمي الفلسطيني (2024–2025)
طرحت السلطة الفلسطينية جملة من التعديلات القانونية والسياسية التي اتخذت خلال العامين الاخيرين، ولا سيما منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من تشرين الاول 2023، ضمن ما وصفته ببرنامج إصلاح وطني شامل. وقد جرى تثبيت هذا البرنامج تدريجياً في الخطاب الرسمي خلال عامي 2024 و2025، وقدم على أنه يهدف إلى تطوير منظومة الحكم، وتعزيز الحوكمة، ورفع مستويات الشفافية والمساءلة، وتوحيد النظام القانوني، والتمهيد للانتقال المنظم من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة، باعتباره استجابة لحاجات داخلية ومتطلبات تحديث المؤسسات وضمان استمرارية عملها في ظل ظروف سياسية وامنية استثنائية[19].
وبرز هذا التوجه بشكل أوضح في خطاب الرئيس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2024، حيث تعهد بالمضي في أجندة إصلاح تشمل إصلاح النظام المالي، وتحديث القوانين، وإعادة تنظيم النظام السياسي، وصياغة إطار دستوري مؤقت، واجراء انتخابات عامة بعد انتهاء الحرب. وأعيد التأكيد على هذا المسار في تصريحات لاحقة ربطت الاصلاح بالالتزامات الدولية ومتطلبات المرحلة التي تلي الحرب، وبما سمي أعادة تأهيل السلطة الفلسطينية.[20]
ثانياً: آليات تنفيذ الاصلاح واعادة هيكلة وظيفة السلطة
غير أن برنامج الاصلاح كما ينفذ فعلياً يقوم على آليات استثنائية، أبرزها إصدار القرارات بقانون في ظل غياب المجلس التشريعي منذ حله بقرار من المحكمة الدستورية العليا في كانون الاول 2018[21]، واستمرار تركيز الصلاحيات التشريعية والتنفيذية بيد مؤسسة الرئاسة. وقد تعزز هذا النمط خلال عامي 2024 و2025 مع صدور سلسلة قرارات بقانون دون نقاش تشريعي او توافق وطني، ما أدى إلى غياب الرقابة البرلمانية وتحويل الإصلاح من مسار سياسي تشاركي إلى مسار إداري أُحادي تفرض فيه التعديلات من أعلى إلى أسفل.
وفي هذا السياق، تثار تساؤلات حول ما إذا كان ما يجري يمثل إصلاحاً حقيقياً لبنية النظام السياسي الفلسطيني، أم أنه أقرب إلى إعادة هيكلة لوظيفة السلطة ذاتها. وتشير الاجراءات المتخذة منذ أواخر 2024، بما فيها تشكيل حكومة ذات طابع تكنوقراطي في ربيع [22]2024، وتوسيع الاعتماد على الإدارات التنفيذية، وتعديل القوانين الناظمة للحياة السياسية والاجتماعية، إلى توجه لحصر دور السلطة في الوظيفة الإدارية والخدماتية، مع تقليص دورها السياسي التمثيلي وتحجيم قدرتها على استيعاب التعددية والاختلاف.
ثالثاً: القرارات المالية والامنية كأدوات ضبط داخلي
يتجلى هذا التوجه بوضوح في القرار الصادر في 10 شباط 2025، القاضي بإلغاء القوانين والأنظمة المتعلقة بمخصصات ورواتب عائلات الشهداء والأسرى والجرحى واستبدالها بمنظومة حماية اجتماعية موحدة[23]. وقد قدم القرار في إطار اصلاح مالي وإداري يهدف إلى توحيد نظام الرعاية الاجتماعية وتحقيق الاستدامة المالية، إلا أنه شكل تحولاً سياسياً بالغ الحساسية، نظراً لرمزية هذه الفئات وتوقيته المرتبط بضغوط مالية وسياسية خارجية، ولا سيما من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وتزامن ذلك مع تصعيد الاجراءات الأمنية في الضفة الغربية، بما في ذلك عملية "حماية وطن"[24] التي نفذتها الأجهزة الأمنية في مخيم جنين في كانون الأول 2024 واستمرت تداعياتها حتى كانون الثاني 2025. وقد قدمت العملية باعتبارها خطوة لفرض سيادة القانون وضبط الأمن الداخلي، لكنها أثارت جدلاً واسعاً بسبب الاشتباكات المسلحة وارتقاء شهداء، وبسبب تزامنها مع استمرار الاقتحامات العسكرية الاسرائيلية للمخيم، ما أعاد طرح أسئلة حول وظيفة السلطة وحدود دورها الأمني في ظل الاحتلال.
رابعاً: الإملاءات الخارجية وسيناريو اليوم التالي للحرب
استناداً إلى الخطابات الرسمية والقرارات بقانون والإجراءات المالية والأمنية خلال عامي 2024 و2025، يمكن قراءة مسار الإصلاح بوصفه نتاج تفاعل بين اعتبارات داخلية وضغوط خارجية متزايدة، مرتبطة بالالتزامات الدولية واستمرارية الدعم المالي وإدارة مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، لا يبدو الإصلاح مساراً داخلياً خالصاً، بل عملية مشروطة بسياقات اقليمية ودولية تتقاطع مع اشتراطات أوروبية وأميركية لضبط المجال السياسي، مع تصورات أمنية إسرائيلية تنظر إلى السلطة كأداة إدارة وضبط أكثر من كونها كياناً سياسياً ذا أفق سيادي.
ويتجسد هذا التوجه في سيناريوهات اليوم التالي للحرب على قطاع غزة منذ أواخر 2024، حيث يجري البحث عن صيغة حكم فلسطينية مقبولة دولياً وقابلة للضبط الأمني والسياسي، بما يضمن استقراراً مداراً. وفي هذا الإطار، صدر القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 بشأن انتخابات الهيئات المحلية كجزء من أدوات إدارة المرحلة وضبط المجال السياسي الداخلي.
وقد تحول الجدل حول القانون من نقاش قانوني تقني إلى نقاش سياسي ودستوري، إذ اعتبره قانونيون متعارضاً مع مبادئ دستورية أساسية، خاصة الحق في الترشح والمساواة، ورأته قوى سياسية اقصائياً يستهدف إعادة تشكيل الخريطة المحلية، فيما دافعت عنه السلطة باعتباره ضرورة إصلاحية لضمان انسجام الحكم المحلي مع المرجعية السياسية الرسمية.
وفي ظل أزمة ثقة مجتمعية متراكمة نتيجة تعطيل الاستحقاقات الوطنية وحصر الانتخابات في مستويات جزئية وغياب أفق ديمقراطي واضح، لا يمكن فصل القانون الانتخابي المحلي الجديد عن سياسات عمل السلطة الفلسطينية وبرنامج الاصلاح والسياق الخارجي الضاغط والحرب المستمرة، إذ يشكل أداة تنظيم وإدارة سياسية بقدر ما هو نص انتخابي، ويعكس توجها لإعادة تعريف المجال السياسي المحلي وحدود المشاركة فيه.
- السيناريوهات المتوقعة:
استناداً إلى السياق السياسي والقانوني العام، وطبيعة القانون الانتخابي المحلي المعدل، وبرنامج الاصلاح كما يجري تنفيذه، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات المرحلة المقبلة، تتراوح بين استمرار الوضع القائم، واصلاح منضبط محدود، ومسار جذري ناتج عن تراكم الازمات السياسية والاجتماعية.
السيناريو الأول: الحفاظ على الوضع القائم وتمرير القانون
يقوم هذا السيناريو على استمرار السلطة الفلسطينية في تطبيق القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 دون إدخال تعديلات جوهرية، وإجراء الانتخابات ضمن السقف السياسي والقانوني القائم. وفي هذا الإطار، يجري احتواء الاعتراضات السياسية والقانونية عبر تجاهلها أو ادارتها اعلامياً، مع التعويل على عامل الوقت وتشتت القوى المعارضة وانشغال الشارع بتداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية. ومن المرجح أن تكون المشاركة الانتخابية محدودة، نتيجة المقاطعة السياسية أو العزوف الشعبي، وأن تفرز الانتخابات مجالس منسجمة مع السقف السياسي القائم أو ذات طابع محلي عائلي وخدماتي. ويتيح هذا السيناريو للسلطة الحفاظ على الوضع القائم وتوفير قدر من الشرعية الشكلية خارجياً، دون معالجة أزمة الشرعية الداخلية أو تقديم حل سياسي فعلي.
السيناريو الثاني: سيناريو اصلاحي منضبط وتعديلات محدودة
يفترض هذا السيناريو توجهاً نحو إدخال تعديلات جزئية أو إعادة تفسير بعض المواد الخلافية في القانون، ولا سيما المتعلقة بشروط الترشح، بهدف توسيع هامش المشاركة واحتواء الاعتراضات دون المساس بجوهر التوجه العام لبرنامج الاصلاح. وقد يترافق ذلك مع حوارات محدودة أو ضمانات اجرائية تسمح بمشاركة أوسع نسبياً، بما يحقق توازناً بين متطلبات الضبط السياسي والاستقرار المجتمعي والحفاظ على صورة السلطة خارجياً. غير أن فرص نجاح هذا السيناريو تبقى محدودة في ظل ضعف الثقة وغياب ضمانات لإعادة تفعيل مسار ديمقراطي شامل.
السيناريو الثالث: سيناريو جذري ناتج عن تراكم الأوضاع والانفجار المجتمعي الشعبي
يقوم هذا السيناريو على تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وصولاً الى انفجار شعبي أوسع، يتحول فيه القانون الانتخابي المحلي من مادة خلافية إلى أحد محفزات الغضب العام، إلى جانب الحرب على قطاع غزة والسياسات الاقتصادية وقرارات تمس بخطوط وطنية عالية. وقد يشهد هذا المسار تصاعداً في الاحتجاجات الشعبية قد تتوسع للمواجهة ضد الاحتلال الصهيوني وتدخلاً فصائلياً أوسع، مع إعادة طرح أسئلة جوهرية حول وظيفة السلطة وحدودها وعلاقتها بالاحتلال. ورغم أن هذا السيناريو هو الأكثر جذرية، إلا أنه غير مستبعد في ظل هشاشة الوضع الداخلي واستمرار الحرب وانسداد الأفق السياسي.
- الخاتمة
لا يمكن فصل قانون انتخابات الهيئات المحلية لسنة 2025 عن السياق السياسي والأمني الأوسع الذي تتحرك فيه السلطة الفلسطينية في ظل الحرب الصهيونية قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023، وما رافقها من ضغوط لإعادة ضبط الحقل السياسي الفلسطيني، وتحييد أي مساحات يمكن أن تنتج فعلاً سياسياً أو اجتماعياً خارج السيطرة. فالقانون لا يندرج فقط ضمن مسار إداري لإعادة تنظيم الحكم المحلي، بل يشكل أداة سياسية تهدف إلى إعادة هندسة التمثيل المحلي بما يحد من إمكانيات تشكل بيئات حاضنة أو متعاطفة مع أشكال المقاومة، أو قادرة على التعبير السياسي المستقل.
ويظهر ذلك بوضوح في إدخال الشروط السياسية للترشح، التي تنقل الانتخابات المحلية من فضاء خدمي مجتمعي إلى أداة ضبط سياسي، تستهدف إقصاء القوى والفئات التي لا تنسجم مع المرجعية السياسية الرسمية، أو التي يمكن أن تشكل امتداداً سياسياً أو اجتماعياً لخطاب مقاوم. وبذلك، يتحول الحكم المحلي من مستوى قريب من الناس، قابل للتفاعل مع المزاج الشعبي، إلى بنية منضبطة، منزوع عنها أي بعد سياسي قد يتقاطع مع المقاومة أو يعارض منطق إدارة الاستقرار.
يتقاطع هذا المسار مع سياسات الاحتلال الصهيوني في تفكيك المجتمع الفلسطيني، وتجفيف مصادر الفعل المقاوم، ودفع السلطة إلى لعب دور وظيفي يركز على الضبط الأمني والإداري، لا على حماية الفضاء الوطني أو تعزيز الصمود. وفي هذا الإطار، يسهم القانون الانتخابي المحلي المعدل في تقويض إمكانيات المواجهة الشعبية والسياسية، من خلال إعادة تشكيل المجال المحلي بما يتلاءم مع متطلبات الاحتواء، لا مع متطلبات التحرر.
وعليه، تخلص هذه الورقة إلى أن القانون الانتخابي المحلي المعدل الجديد لا يستهدف فقط تنظيم الانتخابات البلدية والقروية، بل يشكل جزءاً من مقاربة أوسع لإدارة الصراع الداخلي، وتحجيم أي تعبير سياسي أو اجتماعي يمكن أن يتحول إلى فعل مقاوم، في لحظة وطنية كان يفترض فيها توسيع فضاءات المشاركة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء أدوات مواجهة شاملة للاحتلال، لا إعادة ضبط المجتمع تحت عنوان الإصلاح.
[1] الأمم المتحدة، إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو)، 1993. https://shorturl.at/xJL9a
[2] الأمم المتحدة، الاتفاق المرحلي الإسرائيلي-الفلسطيني بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة (اتفاق أوسلو الثاني / طابا (، وُقع في 28 أيلول 1995، وثيقة أممية رسمية، https://shorturl.at/DcIr0
[3] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، وفا تنشر نص قرار المحكمة الدستورية بشأن حل المجلس التشريعي وإجراء الانتخابات، رام الله، 24 كانون الأول 2018، https://shorturl.at/h7eub
[4] السلطة الوطنية الفلسطينية، قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية الفلسطينية رقم (5) لسنة 1996، https://shorturl.at/k2FNS
[5] المجلس التشريعي الفلسطيني، قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005، أقر بتاريخ 13 آب 2005، وصدر بمرسوم رئاسي بتاريخ 15 آب 2005. https://shorturl.at/mfaaC
[6] المجلس التشريعي الفلسطيني، قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005، أقر بتاريخ 13 آب 2005، وصدر بمرسوم رئاسي بتاريخ 15 آب 2005. https://shorturl.at/mfaaC
[7] لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، تقارير الانتخابات المحلية 2005–2017، رام الله، https://2cm.es/1gWCy
https://2cm.es/1gWCG
[8] دولة فلسطين، القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، صدر في 19 تشرين الثاني 2025 ونُشر رسميًا في 20 تشرين الثاني 2025. https://shorturl.at/AO8fw
[9] المرجع نفسه.
[10] المرجع نفسه، المادة (16).
[11] قانون رقم 10 لسنة 2005، المادة 18. https://shorturl.at/mfaaC
[12] دولة فلسطين، القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، المادة (21).
[13] دولة فلسطين، القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، المادة المواد الخاصة بتشكيل القوائم والتمثيل النسائي.
[14] دولة فلسطين، قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005، المواد (1)، (14)، (18)، (25)، (26). https://shorturl.at/mfaaC
[15] دولة فلسطين، القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025، المواد 14، 16. https://shorturl.at/AO8fw
[16] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، وفا تنشر نص قرار المحكمة الدستورية بشأن حل المجلس التشريعي وإجراء الانتخابات، رام الله، 24 كانون الأول 2018، https://shorturl.at/h7eub
[17] دولة فلسطين، القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، المواد (6)، (7). https://shorturl.at/AO8fw
[18] المرجع نفسه، المادة (16).
[19] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، تصريحات رسمية حول برنامج الإصلاح الوطني، رام الله، 2024–2025. https://2cm.es/1gWI6
[20] السيد الرئيس محمود عباس، كلمة أمام الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة، 27 أيلول 2024،
https://www.youtube.com/watch?v=_UknqljHGLo
السيد الرئيس محمود عباس، خطاب أمام الدورة 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة،
https://www.youtube.com/watch?v=xAZvw2u_acs.
[21] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، وفا تنشر نص قرار المحكمة الدستورية بشأن حل المجلس التشريعي وإجراء الانتخابات، رام الله، 24 كانون الأول 2018، https://shorturl.at/h7eub
[22] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، مرسوم تشكيل حكومة محمد مصطفى، رام الله، آذار 2024. https://www.wafa.ps/pages/details/91852
[23] القرار بقانون رقم (4) لسنة 2025، الصادر بتاريخ 10 شباط 2025، بشأن تعديل قرار بقانون رقم (1) لسنة 2019 المتعلق بالمؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي. https://2cm.es/1lRtq
[24] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، حملة “حماية وطن” في جنين: معالجة سنوات من الفوضى وضمان أمن المواطنين، جنين، 16 كانون الأول 2024. https://2cm.es/1gWJM