الرئيسية| أوراق تحليلية| تفاصيل الخبر

الحواجز وشبكة الطرق كمنظومة استعمارية للضبط اليومي

أوراق تحليلية التحكم الإسرائيلي بالحركة في الضفة الغربية: الطريق كأداة سيطرة

12:10 م،25 يناير 2026

فيروز سلامة

تشكِّل شبكة الطرق والحواجز في الضفة الغربية إحدى الأدوات المركزية التي تُمارَس من خلالها السيطرة الاستعمارية الاستيطانية على السكان الفلسطينيين. فلا يقتصر تحكم الاحتلال بالحركة والتنقل على المنع أو الإغلاق الكامل، بل يتجسد في إدارة يومية دقيقة للزمن، والمسار، وإمكانية الوصول، بما يحوِّل الطريق من بنية تحتية مدنية إلى أداة ضبط ومراقبة إسرائيلية مستمرة للحياة اليومية.

يستند هذا التقرير إلى قاعدة بيانات ميدانية حيوية جرى تجميعها من خلال متابعة رسمية ومنتظمة لحركة الناس اليومية وأحوال الطرق في الضفة الغربية، وذلك في خلال الفترة الممتدة من 1/1/2026 حتى 11/1/2026. تعتمد البيانات على رصدٍ حيٍّ ومتواصلٍ لتجربة التنقل مثلما يعيشها الناس فعليًّا، إذ يعكس كل بلاغ لحظةً ميدانيةً محدَّدةً لحالة طريق أو حاجز أو نقطة تحكُّم، ويجري توثيقه من خلال حركة المركبات والأفراد على الأرض. وقد جُمِعَت هذه البيانات بشكل متزامن مع حركة التنقل الفعلية في خلال الفترة المحدَّدة، بما يضمن حداثتها واتساقها الزمني.

تضم قاعدة البيانات أكثر من أربعة آلاف مدخل رصد موثَّق، يسجِّل كل منها التوقيت الزمني الدقيق للحالة الميدانية، واسم الموقع، وحالته التشغيلية، وطبيعة التدخل المرتبط به، بما في ذلك الإغلاق، أو الفتح، أو التفتيش، أو إرجاع المركبات، أو تعطيل الحركة. ويرتبط كل بلاغ بسياقه الجغرافي من خلال تحديد المحافظة والإقليم الأوسع (شمالي الضفة الغربية، وسطها، جنوبيها)، إلى جانب توحيد أسماء المواقع والحواجز وإسنادها بإحداثيات جغرافية دقيقة أو تقديرية، ما يتيح قراءة مكانية وزمنية دقيقة لأنماط التحكم بالحركة وتتبع تغيُّر الحالة في خلال اليوم الواحد.

تكتسب هذه البيانات أهميتها من كونها بيانات واقعية وغير تقديرية تعكس التجربةَ اليوميةَ الفعليةَ للتنقل تحت السيطرة، فهي توثق لحظات الفتح والإغلاق، والتفتيش، والتعطيل، والاختناقات المرورية كما تقع فعليًّا، وتكشف الطابع المتغير والديناميكي لمنظومة التحكم بالحركة. وبذلك، لا تقدِّم هذه البيانات صورةً ثابتةً عن "خريطة الحواجز"، بل ترصد نظامًا متحركًا للسيطرة الإسرائيلية يُدار بالساعة واليوم، ويُمارَس كجزء من روتين الضبط الاستعماري للحياة اليومية في الضفة الغربية. في هذا السياق، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك الكيفية التي تُدار بها الحركة اليومية في الضفة الغربية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، من خلال قراءة البيانات الميدانية بوصفها مؤشرًا على نمط السيطرة، لا مجرد توصيف لحالة الطرق.

  1. شبكة الطرق كمنظومة استعمارية لإدارة الحركة والحيز

تُظهِر البيانات أن تحكم الاحتلال بالحركة في الضفة الغربية لا يُمارَس عبر الحواجز الثابتة فحسب، بل من خلال شبكة واسعة من نقاط التدخل التي تشمل مداخل المدن والبلدات، والمفترقات الرئيسية، ومقاطع الطرق الحيوية. في حالات عديدة، يظهر الموقع ذاته في الرصد اليومي بوصفه طريقًا سالكًا في ساعة معيَّنة، ثم يتحول لاحقًا إلى نقطة تفتيش أو إغلاق جزئي، قبل أن يعود إلى حالة مختلفة في خلال اليوم نفسه. ويكشف هذا التبدل المتكرر أن الطريق لا يُدار بوصفه مسارًا ثابتًا، بل كحيِّز قابل للتفعيل والتعطيل المستمر.

وتُبرز البيانات أن مداخل المدن تشكل نقاطًا مركزية لهذا النوع من التحكم. فالدخول إلى المدينة أو الخروج منها لا يُمنع بالضرورة منعًا كاملًا، لكنه يخضع لسلسلة من التدخلات التي تشمل التفتيش، أو إبطاء الحركة، أو إرجاع المركبات في أوقات محددة. ويُبقي هذا النمط الحركةَ ممكنةً شكليًّا، لكنه يحوِّلها إلى تجربة مشروطة وغير مستقرة، حيث يصبح الوصول مسألة توقيت وحظ أكثر من كونه حقًّا في التنقل.

كما تكشف البيانات أن المفترقات الحيوية ومقاطع الطرق التي تربط بين محافظات مختلفة تتكرر فيها حالات التعطيل والأزمات المرورية، حتى في غياب إغلاق كامل. ففي العديد من البلاغات، لا يُذكَر الإغلاق بحد ذاته، بل تُسجَّل "أزمة"، "تفتيش"، أو "تعطيل"، ما يشير إلى استخدام أدوات ضبط ناعمة تُقيِّد الحركة دون إعلان منع صريح. تؤدي هذه الأدوات، على الرغم من جزئيتها، عمليًّا إلى النتائج ذاتها من حيث التأخير، والاستنزاف، وفقدان القدرة على التخطيط للحركة.

يُظهِر الرصد أيضًا أن بعض الطرق والحواجز تعود إلى الظهور في البيانات بشكل متكرر في خلال فترة زمنية قصيرة، ما يعكس إدارة نشطة ومستمرة للحركة في هذه المواقع. ولا يمكن فهم هذا التكرار كاستجابة لظروف استثنائية، بل بوصفه جزءًا من روتين يومي يُستخدم فيه التحكم المروري لإعادة تنظيم تدفُّق الناس والمركبات وفق اعتبارات خارجية. في هذا السياق، يصبح الطريق موقعًا دائمًا للتدخل، حتى في الأيام التي لا تشهد أحداثًا أمنيةً معلنة.

تعكس هذه الأمثلة مجتمعةً نمطًا من السيطرة يقوم على إدارة الحركة بدل إيقافها، وعلى تفكيك الاستقرار بدل فرض المنع الكامل. فالتحكم الإسرائيلي بالطرق في الضفة الغربية لا يهدف إلى تقييد الوصول فحسب، بل إلى إعادة تشكيل العلاقة مع المكان نفسه، بحيث يصبح التنقل تجربة خاضعة للمراقبة، والتعديل، والتدخل المستمر. وبهذا، تعمل شبكة الطرق كجزء من منظومة استعمارية لإدارة الحيز الفلسطيني عبر أدوات يومية متكررة، لا عبر إجراءات استثنائية أو مؤقتة.

حالة الطرق والحواجز. عرض بصري. من 1 حتى 11_2026
 

  1. تحليل أنماط السيطرة المكانية والزمنية: قراءة خرائطية في البلاغات الميدانية

تكشف البلاغات الميدانية، بوصفها منهجيةَ رصدٍ حيٍّ لحركة الناس اليومية وحالة الحواجز والطرق، عن نمط مركَّب من إدارة الحركة في الضفة الغربية من قبل الاحتلال، يقوم على التحكم بمسارات بعينها، تُختار لكونها عقدَ ربطٍ مركزيةً بين المحافظات والمناطق. لا تُسجَّل هذه البلاغات كحوادث منفصلة، بل بوصفها تتابعًا زمنيًّا للحالة نفسها في الموقع ذاته، ما يسمح بتتبُّع كيف يُدار الطريق أو الحاجز عبر اليوم الواحد بين فتح مشروط، وتفتيش، وتعطيل، وأزمات مرورية. في هذا السياق، لا يَظهر الإغلاق على أنه حالة نهائية، بل أداة مرنة يستخدمها الاحتلال لإنتاج عدم اليقين اليومي لدى الفلسطينيين.

 

  • منطقة الوسط (رام الله ومحيطها، شمالي القدس): شبكة ضبط متعددة العقد

في منطقة الوسط بالضفة الغربية، تُظهِر البلاغات أن السيطرة تُمارَس عبر شبكة من المداخل والمفترقات التي تحيط بمدينة رام الله وتشكِّل بواباتِها الشماليةَ والشرقية. يتكرر ذِكر حاجز عطارة (طلوع البرج)، وعطارة البلد، وعين سينيا بوصفها نقاطًا تعمل بمنطق تبادل الأدوار. ففي أوقات تُسجَّل فيها أزمات مرورية خانقة أو إغلاق جزئي على طلوع البرج، تُفتح مسارات بديلة مؤقتًا عبر عطارة البلد، بينما يُشدَّد التفتيش أو نصب حواجز طيَّارة في محيط عين سينيا، خصوصًا على الطريق الواصل بين نابلس ورام الله. لا يخفِّف هذا التوزيعُ المكانيُّ للتدخل الضغط، بل يعيد إنتاجه على أكثر من نقطة، ويُبقِي الوصولَ إلى رام الله خاضعًا للتقلب المستمر.

في محيط شمالي القدس، ولا سيما عند جبع، وحزما، ودوار جبع، وطريق "معاليه أدوميم"، تُظهِر البلاغات كثافةً للتدخل الشرطوي عبر التفتيش والتدقيق وتنظيم السير، دون الحاجة إلى إغلاق عسكري كامل. في هذه المواقع، يعمل الحاجز مصفاةً للحركة القادمة من شمالي الضفة ووسطها في اتجاه القدس، حيث يستخدم الاحتلالُ الزمنَ (الانتظار، والفحص، والإبطاء) أداةَ ضبطٍ يوميةً تُراكِم أثرَها على حياة المتنقلين الفلسطينيين.

 

  • محور نابلس – طوباس – الأغوار: التحكم بعقدة الوصول الشرقية

في المحور الواصل بين نابلس وطوباس والأغوار، تكشف البلاغات أن السيطرة الإسرائيلية لا تستهدف مدينةً بعينِها، بل تستهدف عقدةَ الوصول إلى الأغوار. يبرز هنا حاجز الحمرا بوصفه نقطة تحكُّم مركزية على مفترق يربط شمالي الضفة بالأغوار الشمالية والوسطى والجنوبية. تُظهِر البلاغات تغيُّرًا مستمرًا في حالة الحاجز بين فتح مشروط، وتفتيش مشدَّد، وأزمات مرورية، ما يجعل المرور عبره تجربةً غير مضمونة زمنيًّا، على الرغم من كونه المنفَذ الرئيسيَّ لآلاف العمال والمزارعين الفلسطينيين.

تكتسب هذه السيطرة بعدًا إضافيًّا في ضوء نقل الحاجز وتقريبه في اتجاه قرية عين شبلي شرقي نابلس، ما يحوِّل البلاغات اليومية من مجرد رصد لحالة مرورية إلى مؤشر إلى سياسة إعادة تموضُع للحاجز تهدف إلى إحكام السيطرة على الأغوار. ويعزِّز هذا التحولُ المكانيُّ من وظيفة الحاجز كأداة لعزل الأغوار عن عمق الضفة، لا عبر الإغلاق الكامل، بل عبر التحكم المستمر بزمن العبور واتجاهه.

 

  • منطقة الشمال (نابلس، وطولكرم، وقلقيلية): إدارة الحصار عبر البوابات والمداخل

في شمالي الضفة الغربية، تُظهِر البلاغات المتكررة حول عورتا، ودير شرف، والمربعة، وحوارة أن مدينة نابلس محاطة بشبكة من البوابات التي تُدار حالتها بشكل متغير. في عورتا تحديدًا، تتكرر البلاغات التي توثِّق تفتيش المركبات، وإرجاعها، وإجبار المواطنين على الانتظار أو الترجل، ما يشير إلى انتقال السيطرة من مستوى تنظيم الحركة إلى مستوى التنكيل المباشر.

وأما في حوارة، يتكرر ذِكر الشارع الالتفافي الجديد والطريق الواصل بين زعترة–أريحا كمسار يُفتَح ويُغلَق تبعًا لحركة المستوطنين، ما يضع البلدة في حالة حصار جزئي دائم. وأما في طولكرم، فتُظهِر البلاغات حول عناب وجبارة نمط الإغلاق الاتجاهي، حيث يُفتَح الحاجز في اتجاه ويُغلَق في باتجاه آخر، خصوصًا نحو نابلس، ما يفتِّت التواصل الجغرافي بين محافظات الشمال ويعطِّل الحركة البينية.

• منطقة الجنوب (بيت لحم والخليل): التحكم بالمحاور الطولية

في جنوبي الضفة الغربية، تكشف البلاغات أن السيطرة تتركز على المحاور الطولية التي تربط بيت لحم والخليل بوسط الضفة وشماليها. يبرز حاجز "الكونتينر" (وادي النار) كنقطة تحكُّم أساسية على هذا المسار، حيث يُسجَّل "سالكًا" غالبًا، لكن مع أزمات مرورية خانقة ناتجة عن التفتيش العشوائي، ما يجعل الزمن المستغرق لعبوره متغيرًا بشكل حاد.

كما تُظهِر البلاغات في محيط الخليل دور حاجز سِدّة الفحص جنوبي الخليل كنقطة ضبط رئيسية على مداخل المدينة الجنوبية، حيث تتكرر حالات التفتيش وإرجاع المركبات، ما يعكس سياسة تضييق مستمرة دون إعلان إغلاق شامل، ويحوِّل الحاجز إلى أداة لإبطاء الحركة وإعادة تنظيمها زمنيًّا.

 

  1. البلاغ كمنهجية رصد للتجربة اليومية

في مجمل هذه المسارات، يعمل البلاغ بوصفه وحدة الرصد الأساسية لمنظومة تحكم الاحتلال بالحركة. فمن خلال تكراره في المواقع نفسها، وفي أوقات مختلفة من اليوم، يكشف البلاغ كيف يُدار الطريق ليكُون فضاءًا متغيِّرًا، وكيف تُستخدم لحظات التفتيش، والتعطيل، والأزمات المرورية لتكُون أدواتِ ضبطٍ يومية. ولا يرسم هذا التراكم خريطةً ثابتةً للحواجز، بل يقدِّم قراءة خرائطية/زمنية لمنظومة تحكُّم إسرائيلية متحركة تُدار عبر المكان والزمن معًا، وتُمارَس بوصفها جزءًا من روتين الضبط الاستعماري للحياة اليومية في الضفة الغربية.

خاتمة:

تُظهِر البيانات الموثَّقة الواردة في هذه الورقة أن ممارسة التحكم الإسرائيلي بحركة الفلسطينيين في الضفة الغربية ليست إجراءً أمنيًّا ظرفيًّا، بل هي منظومة استعمارية متكاملة تُدار يوميًّا عبر الطرق والحواجز بوصفها أدوات ضبط للزمن والمكان. فمن خلال التدخل المتكرر في نقاط محدَّدة، وإدارة حالة الطريق بين الفتح المشروط والتعطيل المؤقت، تُنتج حالة دائمة من عدم اليقين لدى الفلسطينيين تَستنزف الوقت، وتفكِّك التواصل الجغرافي، وتعيد تشكيل الحياة اليومية وفق منطق السيطرة. تكشف هذه القراءة أن الطريق في الضفة الغربية لم يعُد مجرد مسار للتنقل، بل تحوَّل إلى فضاء للحُكم، تُمارَس من خلاله السلطة ممارَسةً روتينية، وغير معلنة، وقابلة للتكيُّف. وفي هذا السياق، يمكن فهم منظومة التحكم بالحركة على أنها جزء من هندسة إسرائيلية أوسع لإعادة تشكيل الضفة الغربية أمنيًّا وجغرافيًّا في مرحلة ما بعد حرب "طوفان الأقصى"، ضمن سياسات استعمارية استيطانية تهدف إلى ترسيخ السيطرة طويلة المدى وإعادة ضبط الحيز الفلسطيني بما يخدم متطلبات الحكم والسيطرة الإسرائيلية المستقبلية.

 

 

برنامج الإنتاج المعرفي

مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي

25-1-2026