الإصدار الثالث من بانوراما الإعلام العربي

بانوراما الإعلام العربي | إدارة الأزمات في المنطقة: من تفكيك الهوية إلى هندسة الصراع

06:23 م،22 يناير 2026

يشكّل الإصدار الثالث من بانوراما الإعلام العربي صورة بانورامية لجملة من القضايا التي شغلت الإعلام العربي، وعكست تشابك الأزمات السياسية والاجتماعية والأمنية والإنسانية في المنطقة، في لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية وتتعقد فيها مسارات الاستقرار والسيادة والهوية.

في الملفات الفلسطينية، يبرز أولًا ملف فلسطينيي الداخل المحتل في الأراضي المحتلة عام 1948، حيث تتواصل السياسات الممنهجة التي تقوم على التمييز العنصري والأسرلة وتفكيك الهوية الفلسطينية، عبر أدوات قانونية ومؤسساتية وسياسات عامة تُطبع التمييز في تفاصيل الحياة اليومية، وتنعكس على التعليم والموارد وممارسات الأمن والإدارة، وصولًا إلى اتساع حضورها داخل المزاج العام للجمهور اليهودي.

ويتصل بذلك ملف اللاجئين الفلسطينيين، حيث تتناول بعض التحليلات استمرار سياسات التضييق وتقليص الخدمات وتبديل أولويات البرامج التعليمية والخدمية بما يُخشى أن يفضي إلى تمييع المعنى السياسي لقضية اللجوء وتحويل اللاجئين إلى جماعات مُدارة بالإعاشة، في مقابل التأكيد على ضرورة مواجهة هذا المسار للحفاظ على الهوية الوطنية وصون حق العودة.

أما في قطاع غزة، فتظهر نماذج إدارة الإقليم بعد الحروب بوصفها حقل اختبار لمقاربات دولية وإقليمية تُطرح تحت عناوين إنسانية وخدمية، لكنها تُستخدم عمليًا كأدوات سياسية وأمنية لإرساء نماذج حكم مُقنّعة تحت الاحتلال. وتبرز هنا مخاطر تحويل الأطر المؤقتة إلى بدائل دائمة لإدارة الصراع، بما يضعف السيادة الفلسطينية ويعيد إنتاج واقع طويل الأمد بدل معالجته.

وفي الملف الإيراني، تتناول التغطيات الاحتجاجات الشعبية في ظل تراكم الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية، وتفاقم آثار العقوبات الغربية والتهديدات العسكرية، بما حوّل المطالب المعيشية والحقوقية إلى ملف أمني شديد الحساسية. وتوقفت التحليلات عند تداخل البعد الداخلي مع الاهتمام الدولي، في سياق حسابات جيوسياسية تتصل بالطاقة والنفوذ الإقليمي، وما يحمله ذلك من مخاطر توسيع دائرة عدم الاستقرار، سواء عبر التصعيد العسكري أو أدوات الضغط غير المباشر.

ويتقاطع هذا المسار مع التصعيد الإسرائيلي ضد إيران، الذي جرى تناوله بوصفه أداة سياسية وإعلامية تهدف إلى إعادة ضبط المشهد الإقليمي، وتعزيز المصالح الإسرائيلية–الأميركية، وإضعاف إيران اقتصاديًا وسياسيًا، بما يمهّد لإعادة تشكيل معادلات الردع والتفاوض، وعلى رأسها الملف النووي، في حين تتحمل شعوب المنطقة كلفة هذا التصعيد المتدرج.

وعلى مستوى القرن الإفريقي، أثار اعتراف دولة الاحتلال بـ«إقليم أرض الصومال» نقاشًا واسعًا حول تداعيات هذه الخطوة على الأمن والاستقرار الإقليميين، وإمكانية فتح الباب أمام مشاريع انفصالية جديدة في بيئة هشة سياسيًا وأمنيًا. وركزت القراءات على البعد الجيوسياسي المرتبط بالموقع الاستراتيجي للإقليم، وقربه من مضيق باب المندب، وما يحمله ذلك من مخاطر على التوازنات الإقليمية والأمن العربي، في ظل غياب أطر قانونية دولية رادعة.

تجتمع هذه الملفات، كما عكستها قراءات الإعلام العربي، لتقدّم مشهدًا مركبًا من الأزمات المتداخلة، حيث تتقاطع أدوات السيطرة غير العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية، بما يطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل السيادة، والهوية، وإدارة الصراعات في الإقليم، في مرحلة تتسم بتآكل الضوابط القانونية وتزايد منطق القوة وإدارة الأزمات بدل حلّها.

الأونروا والتعليم الفلسطيني: استهداف الهوية الوطنية للاجئين

تشير التطورات الأخيرة إلى تصاعد المخاطر التي تهدد الهوية الوطنية الفلسطينية لدى اللاجئين، في ظل سياسات متزايدة لوكالة الأونروا تمسّ جوهر العملية التعليمية ومضامينها. وتتمثل هذه السياسات في تعديل المناهج والبرامج التربوية، وحذف الإشارات إلى فلسطين وخارطتها، وتقليص الخدمات التعليمية، إلى جانب إعادة هيكلة برامج التعليم بما يعكس مقاربة تتماهى مع ضغوط خارجية، وتبتعد عن مركزية حق العودة والهوية الوطنية الفلسطينية. وتترافق هذه الإجراءات مع ضغوط إدارية وأمنية على الموظفين الفلسطينيين، وقيود متصاعدة على المؤسسات التعليمية، ما يضع مسألة حماية الوعي الوطني وحقوق اللاجئين في صلب التحدي الراهن.

في هذا السياق، تناول مقال نُشر على بوابة الهدف سياسات وكالة الأونروا تجاه اللاجئين الفلسطينيين، مسلطًا الضوء على ما وُصف بمحاولات ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني عبر التعليم، في ظل تأثير متزايد للوبي الصهيوني والدوائر الأميركية. وأوضح الكاتب والباحث الفلسطيني أحمد عويدات أن ما تقوم به الأونروا لا يمكن قراءته كإجراءات عابرة، بل يأتي امتدادًا لمسار طويل بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويشمل حذف اسم فلسطين وخارطتها، وتعديل المناهج وفق مقاربات مفروضة، وإعادة هيكلة برامج التربية والتعليم، إلى جانب تقليص الخدمات وتخفيض الرواتب، وفرض إجراءات صارمة بحق الموظفين الفلسطينيين تحت عناوين "الحياد" و"عدم التسييس".

وأشار المقال إلى أن هذه السياسات تهدف إلى تفريغ قضية اللاجئين من بعدها الوطني، وتحويل الفلسطينيين من شعب صاحب حق تاريخي في العودة إلى مجموعات تعتمد على الإعاشة والمساعدات، في تناقض صارخ مع حقيقة أن الفلسطينيين حوّلوا تجربة اللجوء إلى رافعة للوعي الوطني والتمسك بالعودة. كما حذر من أن هذا المسار يشجع دولة الاحتلال على المضي في استهداف الأونروا نفسها، بما في ذلك هدم مبانيها في القدس. واستند المقال إلى قرارات الأمم المتحدة، ولا سيما القرار 302 لعام 1949، وقراري 181 و194، بوصفها مرجعيات قانونية ثابتة لحق العودة، ليخلص إلى أن مواجهة هذا الانحياز تتطلب تحركًا فلسطينيًا رسميًا وشعبيًا ومنظمًا، عبر إطلاق حملات وطنية لحماية التعليم الفلسطيني والحفاظ على المناهج والبرامج التعليمية من التحريف والتزييف.

العنصرية البنيوية في دولة الاحتلال: من القوانين إلى المجتمع

تُظهر التطورات المتسارعة في دولة الاحتلال أن السياسات العنصرية بحق فلسطينيي الداخل المحتل في الأراضي المحتلة عام 1948 لم تعد محصورة في ممارسات فردية أو خطاب تحريضي، بل باتت جزءًا راسخًا من البنية القانونية والسياسية والمؤسسية للدولة. إذ تنعكس هذه السياسات في القوانين الناظمة، وتوزيع الموارد، والمناهج التعليمية، وأداء الأجهزة الأمنية والإدارية، بما يكرّس منظومة تمييز وعنصرية ممنهجة، تتقاطع فيها سياسات الدولة مع اتجاهات واسعة داخل المجتمع اليهودي.

وفي هذا الإطار، تناول محمود ميعاري، المختص في علم الاجتماع، في مقال نُشر على موقع عرب 48، الطابع البنيوي للعنصرية في دولة الاحتلال، موضحًا أن التمييز ضد فلسطينيي الداخل ليس حالة طارئة أو انحرافًا عن القاعدة، بل هو جزء عضوي من تعريف الدولة لنفسها ومن آليات عمل مؤسساتها. وأشار إلى أن تعريف "إسرائيل" قانونيًا كـ"دولة يهودية" يُنتج تراتبية واضحة في المواطنة، تضع اليهود في مرتبة متقدمة، مقابل تهميش الفلسطينيين وتحويلهم إلى جماعة منقوصة الحقوق.

وأوضح المقال أن قانون القومية لعام 2018 شكّل محطة مفصلية في تقنين هذا التمييز، عبر إضعاف مكانة اللغة العربية، وتشجيع الاستيطان اليهودي، وتعزيز سياسات الأسرلة وتفكيك الهوية الفلسطينية. كما بيّن أن العنصرية تتغلغل في مؤسسات التخطيط والبناء، وتوزيع الميزانيات، والمناهج التعليمية، حيث يُفرض تمويل غير متكافئ على التعليم العربي، وتُدار شؤون فلسطينيي الداخل من خلال مقاربة أمنية ترى فيهم "خطرًا" لا مواطنين، وهو ما ينعكس في سلوك الشرطة الإسرائيلية بوصفها أداة ضبط وقمع لا حماية، كما كشفت تسجيلات مسرّبة لقيادات أمنية.

وسلط المقال الضوء على انتشار هذه المواقف داخل المجتمع اليهودي، مستشهدًا باستطلاعات رأي أظهرت نسبًا مرتفعة من التأييد لسياسات التهجير والطرد، سواء بحق فلسطينيي الداخل أو سكان قطاع غزة. ويخلص ميعاري إلى وجود علاقة جدلية بين عنصرية القيادة والجمهور، حيث تقوم النخب الحاكمة بتقنين التمييز وتحويله إلى سياسات وقوانين، فيما يُعيد الجمهور إنتاجها وتطبيعها عبر السلوك اليومي والخيارات السياسية، بما يجعل العنصرية منظومة متكاملة لا مجرد انحرافات فردية.

تصاعد الاحتجاجات في إيران والتوتر الإقليمي

بالتوازي مع الملفات الفلسطينية، أولى الإعلام العربي اهتمامًا واسعًا بالموجات المتصاعدة من الاحتجاجات الشعبية في إيران خلال الفترة الأخيرة، في ظل تراكم الضغوط الاقتصادية والمعيشية، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وتشديد العقوبات الغربية، ما أسهم في نقل هذه الاحتجاجات من إطارها الاجتماعي والحقوقي إلى مربع أمني–جيوسياسي أكثر تعقيدًا. وقد عكست التغطيات تداخلاً متزايدًا بين الداخل الإيراني وسياقات الصراع الإقليمي، لا سيما مع تصاعد التوتر الأميركي–الإسرائيلي، واستخدام الاحتجاجات كورقة ضغط في معادلات أوسع تتجاوز المطالب الداخلية.

في هذا السياق، تناول محمود الحنفي، أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان، في مقال نُشر على موقع الجزيرة، طبيعة الاحتجاجات في إيران بوصفها نتاجًا لمطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة تفاقمت بفعل العقوبات الغربية والضغوط الخارجية. وأوضح أن هذه العقوبات أرهقت المجتمع الإيراني بشكل مباشر، وأثّرت على مستويات المعيشة وفرص العمل والخدمات الأساسية، محذرًا من أن الخطاب الغربي المصحوب بالتلويح بالتدخل العسكري أعاد تعريف الاحتجاجات من تعبيرات حقوقية إلى ملف أمن قومي، ضمن ما وصفه بمنطق “الحرب الهجينة”.

وأشار الحنفي إلى أن هذا التحول يعزز سردية الضغط الخارجي داخل إيران، ويدفع الدولة إلى التعامل الأمني مع الاحتجاجات، بما في ذلك قطع الإنترنت وسقوط ضحايا، مؤكدًا أن أي دعم خارجي لحقوق الإنسان يجب أن يركز على حماية الإنسان دون تسييس أو استغلال أو تهديد بالعدوان. واستحضر المقال تجارب تاريخية مثل الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، والحصار على العراق بين عامي 1990 و2003، بوصفها دروسًا تحذر من توظيف الأزمات الداخلية لتحقيق أهداف جيوسياسية. وخلص إلى أن حماية المظلومية الإيرانية تمر عبر إبقاء مركز القرار داخل المجتمع الإيراني، ومراجعة منظومة العقوبات، وتحقيق توازن دقيق بين حقوق الإنسان والسيادة الوطنية.

من زاوية أخرى، ناقش حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، في مقال تحليلي، المواقف الإقليمية والدولية من الاحتجاجات الإيرانية، مشيرًا إلى أن بعض النخب الإقليمية تنظر إلى هذه الاحتجاجات كفرصة للتخلص من النظام الإيراني، انطلاقًا من اعتبارات طائفية أو سياسية أو انسجامًا مع مصالح خارجية. وأكد أن هذا المنطق يتجاهل المبدأ الأساسي المتمثل في حق الشعوب الحصري في اختيار أنظمتها السياسية دون تفويض لأي طرف خارجي.

وأوضح نافعة أن العداء الأميركي لإيران لا يرتبط بطبيعة النظام السياسي بقدر ما يرتبط بسعي طهران إلى الاستقلال ورفضها الاندماج في الفلك الأميركي، مستعرضًا مسار العقوبات الأميركية والدولية منذ اقتحام السفارة الأميركية، مرورًا بالاتفاق النووي عام 2015، وصولًا إلى سياسة “الضغوط القصوى” التي أعاد دونالد ترامب تفعيلها بالتنسيق مع إسرائيل. وخلص إلى أن الاحتجاجات الجارية تتقاطع مع سياق إقليمي ودولي أكثر خطورة، في ظل احتمالات تدخل عسكري، وسعي إسرائيلي لتحقيق ما يُسمى “النصر المطلق”، مقابل أهداف أميركية أوسع تتعلق بالتحكم بمصادر الطاقة ومساراتها في الخليج.

وفي مقاربة ثالثة، تناول سامي الأسطل، المدون والكاتب المستقل، في مقال نُشر على موقع الجزيرة، دوافع التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد إيران، معتبرًا أن هذا التصعيد لا ينبع من ضرورة استراتيجية بقدر ما يعكس أزمات سياسية وإعلامية داخلية تعيشها إسرائيل. وأشار إلى أن الحرب على غزة ألحقت ضررًا كبيرًا بصورة إسرائيل الدولية، مع تصاعد الدعوات لمحاسبتها على جرائم الحرب، ما دفعها إلى إعادة تقديم إيران بوصفها “الخصم العالمي” القادر على استعادة سردية “الضحية” وتخفيف الضغط الدولي.

وأوضح الأسطل أن التصعيد يوفر أيضًا مخرجًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أزماته الداخلية والقضائية، عبر توحيد الجبهة الداخلية وتأجيل استحقاقات المساءلة، في انسجام مع رؤية أميركية أكثر تشددًا تجاه إيران، وسعي لإعادة صياغة الاتفاق النووي بشروط جديدة. ويخلص المقال إلى أن الحرب والتصعيد يُستخدمان كأدوات لإعادة ترتيب المشهد السياسي والإعلامي لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، فيما تبقى الشعوب، من الإيرانيين الخاضعين للعقوبات إلى الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، هي الخاسر الأكبر في معادلة الصراع المفتوح.

إدارة غزة المؤقتة: بين الاستقرار المزيف والتحكم الإقليمي

تشهد إدارة قطاع غزة في المرحلة الراهنة تحولات معقدة في بنيتها السياسية والإدارية، تتداخل فيها الضرورات الإنسانية الملحّة مع حسابات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة هندسة المشهد الفلسطيني من بوابة “إدارة ما بعد الحرب”. وقد انعكس هذا التداخل في مقاربات متعددة، من طرح لجان تكنوقراط مؤقتة لإدارة الخدمات الأساسية، إلى الترويج لأطر أوسع مثل ما يُعرف بـ“مجلس السلام”، بما يحوّل غزة إلى ساحة اختبار لنماذج حكم وإدارة إقليمية تُفرض تحت الاحتلال، وتُسوّق باعتبارها حلولًا للاستقرار بدل كونها مسارات لإنهاء الصراع.

في هذا السياق، تناول أحمد زكارنة، الكاتب والباحث السياسي، في مقال نُشر على موقع عرب 48، إشكالية لجنة غزة، معتبرًا أن جوهر المعضلة لا يكمن في الاستجابة للحاجة الإنسانية أو في الطابع الخدماتي المؤقت للجنة، بل في المنطق الإسرائيلي الذي يوظف المسارات الإنسانية والإدارية لخدمة أهدافه الاستراتيجية بعيدة المدى. وأوضح أن الخطر يتمثل في تفريغ اللجنة من مضمونها الوطني، وتحويلها إلى أداة لإدارة الصراع بدل حلّه، في ظل غياب ضمانات سياسية واضحة تربط أي ترتيبات انتقالية بأفق سياسي ملزم.

وأشار زكارنة إلى أن نجاح اللجنة في إدارة الخدمات قد يُستثمر دوليًا لتكريس مقولة “الاستقرار ممكن دون حل سياسي”، محذرًا من تكرار تجربة ما بعد اتفاق أوسلو، حيث تحولت ترتيبات مؤقتة إلى واقع دائم لإدارة الحياة تحت الاحتلال. ويخلص المقال إلى أن الإشكالية ليست في تلبية الاحتياجات الإنسانية بحد ذاتها، بل في خطر تحويل هذه الاستجابة إلى إطار دائم يخدم مقاربة واشنطن القائمة على تحسين إدارة الصراع بدل تفكيكه، وفرض ترتيبات إدارية وأمنية تُغلف بشعارات السلام والاستقرار.

من زاوية أكثر حدة، تناول عماد أحمد العيسى، الكاتب الفلسطيني، في مقال نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية، ما يُعرف بـ“مجلس السلام لغزة”، معتبرًا أنه يمثل تحولًا بنيويًا خطيرًا في شكل الحكم الدولي. وأوضح أن هذا المجلس لم يعد مبادرة إنسانية أو إطارًا انتقاليًا، بل بنية سياسية–أمنية–اقتصادية تُدار خارج منظومة الأمم المتحدة، ويرأسها رئيس دولة واحدة، وتشرف على إقليم محتل، وتتحكم بأمنه وإدارته وإعادة إعماره، دون تفويض أممي أو تمثيل شعبي أو مساءلة قانونية.

وأشار العيسى إلى أن هذا النموذج يعني عمليًا نزعًا منظمًا للسيادة باسم الاستقرار، وتحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة هامشية عبر استبدالها بأطر موازية تستمد شرعيتها من المال والقوة وفرض الوقائع. كما لفت إلى انتقال الدور العربي الرسمي من العجز إلى الشراكة الوظيفية الصامتة، معتبرًا أن المشاركة العربية في إدارة إقليم محتل أو الإشراف على ترتيبات أمنية فيه تمثل تفويضًا ضمنيًا لإفراغ القضية الفلسطينية من بعدها التحرري وتحويلها إلى ملف أمني–إداري. ويخلص المقال إلى أن غزة اليوم لا تُدار بقدر ما تُستخدم، وأن القبول بهذا النموذج يفتح الباب لتعميمه لاحقًا في ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا وليبيا، في إطار هيمنة ناعمة طويلة الأمد تُفرض باسم السلام وتُدار باسم الإنسانية وتُموّل باسم الإعمار.

في مقاربة مختلفة، تناول جمال زقوت، مدير مركز الأرض للأبحاث، في مقال نُشر على موقع الغد، فكرة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة بوصفها إجراءً اضطراريًا في ظل الفراغ السياسي والإداري العميق الذي خلّفته الحرب وتداعياتها الإنسانية. وأوضح أن طرح اللجنة جاء استجابة لانهيار شبه كامل في البنية الخدمية، لكنه شدد على أن نجاحها مرهون ببقائها ضمن الإطار الوطني الجامع وربطها بسقف زمني واضح يمنع تكريس الانقسام أو تحويل المؤقت إلى دائم.

وأشار زقوت إلى أن فعالية اللجنة تقاس بقدرتها على تنظيم الإغاثة وإدارة الخدمات بشفافية وعدالة وكفاءة، وبمنع إعادة إنتاج الانقسام، محذرًا من سعي الاحتلال للتعامل مع غزة كملف منفصل عبر التحكم بالتمويل والإدارة وفرض الفيتو على البنية الإدارية. ويخلص المقال إلى أن غزة ليست ملفًا إنسانيًا أو إداريًا معزولًا، وأن إنصاف أهلها يمر عبر إدماجهم السياسي والمعنوي في الكيانية الفلسطينية الواحدة، من خلال ضغط شعبي منظم يفضي إلى إنهاء الانقسام وبناء وحدة القرار والمشروع الوطني، والتقدم نحو تقرير المصير وتجسيد دولة الاستقلال.

تحوّلات استراتيجية تهدد استقرار القرن الأفريقي

أثار الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال نقاشًا واسعًا في الإعلام العربي، بوصفه خطوة تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز بعدها الثنائي، وتمسّ بشكل مباشر توازنات الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي. وقد عكست التحليلات أن هذا الاعتراف لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع من السياسات التوسعية الإسرائيلية، التي تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في مناطق النزاع والهشاشة، عبر تشجيع مسارات التفكك والانفصال، بما يفتح الباب أمام جماعات متمردة في دول عدة للمطالبة بالاعتراف الدولي خارج أطر القانون الدولي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لإقليم أرض الصومال على مدخل مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، والذي يشكل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية بين آسيا وأوروبا. وقد دفعت هذه المعطيات مراقبين إلى التحذير من أن تداعيات الاعتراف قد لا تقتصر على الصومال وحده، بل تمتد إلى أمن البحر الأحمر، وتوازنات القرن الأفريقي، وانعكاساتها على دول عربية وإقليمية فاعلة.

في هذا السياق، كتب ياسر يوسف إبراهيم، الكاتب السوداني المتخصص في العلاقات الدولية، في مقال نُشر على موقع الجزيرة، أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يكشف عن ملامح مشروع توسعي أوسع، يمكن قراءته ضمن ما يُعرف بـ«مشروع كيفونيم»، الهادف إلى تفكيك دول المنطقة على أسس إثنية وعرقية. وأوضح أن هذه الخطوة قد تشكّل سابقة خطيرة تشجع جماعات مسلحة ومتمردة في دول مثل السودان وليبيا واليمن، وحتى في إثيوبيا وكينيا، على السعي لإعلان كيانات مستقلة والحصول على اعتراف دولي خارج الأطر القانونية المعتمدة.

وأشار إبراهيم إلى أن موقع الإقليم على مدخل مضيق باب المندب يمنحه وزنًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بالغ الحساسية، إذ يمر عبره نحو 12% من حجم التجارة الدولية، بما يقدَّر بنحو 790 مليار دولار، إضافة إلى ما يقارب 40% من حجم التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا. ويرى الكاتب أن هذا العامل يفسّر الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالمنطقة، في إطار السعي لتعزيز النفوذ على الممرات البحرية الحيوية، بما يهدد أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر معًا.

ويخلص المقال إلى أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يمثل مسألة محلية أو إقليمية محدودة، بل يحمل تداعيات واسعة تطال دولًا عربية وإقليمية مثل السعودية ومصر وإريتريا وتركيا، فضلًا عن قوى دولية كبرى، وعلى رأسها الصين. ويشدد على ضرورة تحرك عربي منسق للتعامل مع هذه التطورات، والاستفادة من تجارب إقليمية سابقة، مثل الدور التركي في تهدئة التوتر بين الصومال وإثيوبيا، بهدف احتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من التفكك وعدم الاستقرار.

خلاصة

تُظهر قراءة بانوراما الإعلام العربي هذا الأسبوع صورةً مركبة لشبكة أزمات متداخلة تضرب الإقليم، وتكشف عن أنماط متكررة في إدارة الصراعات بعيدًا عن الحلول الجذرية. فمن سياسات التمييز العنصري والأسرلة وتفكيك الهوية الفلسطينية بحق فلسطينيي الداخل المحتل في الأراضي المحتلة عام 1948، إلى تصاعد الاحتجاجات في إيران وتحويلها إلى ملف أمني–جيوسياسي في ظل الضغوط والعقوبات والتصعيد العسكري الإسرائيلي، تتقاطع مسارات الداخل والخارج في إنتاج عدم الاستقرار.

وفي السياق الفلسطيني، برزت إشكالية إدارة غزة المؤقتة بوصفها نموذجًا لتحويل الترتيبات الإنسانية والإدارية إلى أدوات سياسية وأمنية لإدارة الصراع لا إنهائه، بما يهدد السيادة الفلسطينية ويُعيد إنتاج واقع الانقسام. ويتكامل هذا المسار مع سياسات وكالة الأونروا التي تمسّ التعليم والهوية الوطنية للاجئين الفلسطينيين، في ظل محاولات تحييد البعد السياسي لقضية اللاجئين وإفراغها من مضمونها الحقوقي.

إقليميًا، عكس الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال توجّهًا توسعيًا يتجاوز الساحة المحلية، ويهدد استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويفتح الباب أمام مسارات تفكيك وانفصال في مناطق هشّة، بما يحمل تداعيات عربية وإقليمية ودولية واسعة.

وتشير هذه القضايا مجتمعة إلى أن التحديات الراهنة لم تعد محصورة في أزمات منفصلة، بل باتت تعبيرًا عن منظومة ضغط متكاملة توظّف الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية والإدارية للتأثير على السيادة والهوية وإدارة الصراعات بدل حلّها. وهو ما يطرح الحاجة إلى وعي شعبي متقدم، وحركة سياسية وإدارية متكاملة، قادرة على الربط بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لأي استقرار حقيقي أو حماية مستدامة للهوية والحقوق.