تنوّعت مقاربات الإعلام العربي في تناول الملفات الإقليمية والدولية الراهنة، بما يعكس اتساع دوائر الاهتمام وتداخل مستويات التحليل بين الميداني والسياسي والقانوني، وقد برز تركيز واضح على الانتهاكات الممنهجة التي يرتكبها الاحتلال في قطاع غزة ومعالجتها من منظور القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتصل بمبادئ التناسب والتمييز واستهداف المدنيين، بوصفها محورًا مركزيًا في التغطية والتحليل.
إلى جانب ذلك، حظيت الأزمات المؤسسية والإدارية داخل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، بحيز ملحوظ من النقاش الإعلامي، في سياق البحث في انعكاسات هذه الأزمات على دور المجتمع الدولي ومسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية.
كما تناولت التحليلات مظاهر الأزمة البنيوية المتفاقمة داخل دولة الاحتلال، سواء من زاوية هجرة الكفاءات وتراجع المقومات الأكاديمية، أو من خلال التوسع الاستيطاني الحريدي في الضفة الغربية وما يحمله من تداعيات سياسية وديمغرافية بعيدة المدى.
وعلى مستوى أوسع، اتجه جزء من الخطاب الإعلامي العربي إلى مقاربة التحولات الجيوسياسية الكبرى في مناطق مثل القرن الأفريقي، وما تفرضه من مخاطر إقليمية وتشابكات دولية، بالتوازي مع تسليط الضوء على أنماط التدخل الخارجي في دول ذات سيادة، كما في الحالة الفنزويلية، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول تآكل الشرعية الدولية، وحدود احترام مبدأ السيادة، واستخدام القوة خارج إطار القانون الدولي.
في هذا السياق، يرصد التقرير أبرز القراءات والتحليلات التي تناولها الإعلام العربي خلال الأسبوع المنصرم، ضمن مادة بانورامية دورية يُعدّها مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، وتهدف إلى تتبع اتجاهات الخطاب الإعلامي وتحليل مقارباته المتعددة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، بما يعكس تعقيدات المشهد وتحولاته في مرحلة تتسم باضطراب سياسي وقانوني متزايد.
انتهاك قواعد الحماية وتفكيك أدواتها
حظيت الانتهاكات الممنهجة التي يرتكبها الاحتلال بحق القانون الدولي الإنساني بحيز واسع في تغطية الإعلام العربي، ولا سيما ما يتصل بتعمد خرق مبدأي التمييز والتناسب، بوصفهما من الركائز الأساسية لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وفي هذا السياق، كتب الدكتور إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، في مقال نُشر على موقع التلفزيون العربي، أن العدوان المتواصل على القطاع يعكس نمطًا منهجيًا في انتهاك هذين المبدأين، لا يمكن تفسيره على أنه أخطاء عسكرية معزولة أو غير مقصودة.
ويشير الثوابتة إلى أن قصف الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، بذريعة "الرد" أو "الدفاع عن النفس"، يمثل خرقًا مباشرًا لمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية المشروعة والمدنيين والأعيان المدنية، لافتًا إلى أن هذه المواقع لا تحمل أي قيمة عسكرية حقيقية. كما يؤكد أن استخدام قوة تدميرية هائلة، وإلقاء أطنان من المتفجرات في مناطق مكتظة بالسكان، وما يرافق ذلك من سقوط أعداد كبيرة من الأطفال والنساء وكبار السن، وتدمير واسع للبنية التحتية ومصادر الحياة، يشكل انتهاكًا صارخًا لمبدأ التناسب.
ويستشهد المقال بنماذج ميدانية موثقة، من بينها قصف منازل عائلة أبو دلال في مخيم النصيرات، الذي أدى إلى استشهاد 19 مدنيًا، غالبيتهم من الأطفال والنساء، بوصفه مثالًا يجسد التقاء انتهاك المبدأين في واقعة واحدة، ما يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان.
كما يلفت الثوابتة إلى أن هذه الجرائم تترافق مع حملات تضليل إعلامي تهدف إلى التشكيك في مصداقية الضحايا وشيطنة المدنيين، بما يضيف بعدًا آخر للمسؤولية القانونية والأخلاقية الواقعة على المجتمع الدولي، ولا سيما مجلس الأمن والدول الضامنة لاتفاقات وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
في موازاة ذلك، انتقل جزء من الخطاب الإعلامي العربي إلى مقاربة مستوى آخر من الإشكالية، يتمثل في تفكيك أدوات الحماية الدولية نفسها، وعلى رأسها وكالة الأونروا. ففي مقال نشره حكم شهوان في صحيفة الأخبار اللبنانية، انتقد قرارات وصفها بالمدمرة اتخذها المفوض العام للوكالة في أسابيعه الأخيرة قبل انتهاء ولايته، معتبرًا أنها تعكس مسارًا متسارعًا لتقويض الوكالة من الداخل.
وأوضح شهوان أن قرار استبدال موظفي الأمن والحراسة في مقر رئاسة الوكالة في عمّان، ومعظمهم من اللاجئين الفلسطينيين الذين خدموا لسنوات طويلة، بشركة أمن خاصة، جرى تبريره بذريعة الأزمة المالية، رغم أن كلفة هذا القرار – بحسب المقال – تفوق بكثير كلفة الإبقاء على الموظفين، فضلًا عن غياب أي دراسات شفافة أو تشاور مسبق مع العاملين. ويرى الكاتب أن هذا السلوك يعكس عقلية بوليسية تفتقر إلى الاعتبارات الإنسانية، وتتجاهل الأثر الاجتماعي والاقتصادي المترتب على حرمان عشرات العائلات من مصدر دخلها.
يضيف شهوان أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن مسار أوسع من التقليصات، يتجلى في انخفاض عدد الموظفين المحليين في الوكالة خلال السنوات الأخيرة، محذرًا من أن اللاجئ الفلسطيني هو من يدفع الثمن المباشر لهذه السياسات، سواء على مستوى التوظيف أو الخدمات الأساسية. كما يشير إلى أن هذه القرارات تأتي في وقت بدأت فيه منظمات أممية أخرى بتقديم مساعدات مباشرة خارج إطار الأونروا، ما يثير مخاوف جدية من إضعاف دور الوكالة تمهيدًا لتهميشها.
وتعكس هذه المواد الإعلامية تقاطعًا لافتًا بين استباحة المدنيين ميدانيًا في قطاع غزة وتقويض الأطر الدولية المفترض أن توفر لهم الحماية، فبينما تستمر الانتهاكات العسكرية بلا مساءلة فعالة، يجري في الوقت ذاته إضعاف المؤسسات الأممية المعنية بحماية اللاجئين، في مشهد يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل منظومة الحماية القانونية والإنسانية، وحدود التزام المجتمع الدولي تجاه الفلسطينيين في ظل تصاعد العدوان وتراجع أدوات الردع والمساءلة.
نزيف العقول والهجرة العكسية
احتلّت ظاهرة هجرة العقول من دولة الاحتلال حيّزًا متزايدًا في تحليلات الإعلام العربي، بوصفها مؤشرًا مركزيًا على أزمة بنيوية تتجاوز البعد الاجتماعي أو المهني، وتمسّ جوهر المشروع الصهيوني وقدرته على الاستدامة. ففي مقال نشره الكاتب سيف الدين موعد على موقع الجزيرة، اعتبر أن دلالة التقارير الصادرة عن مكتب الإحصاء المركزي التابع للاحتلال لا تكمن في أرقامها المجردة بقدر ما تكمن في توقيتها وسياقها السياسي والأمني، ولا سيما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويشير موعد، استنادًا إلى معطيات نشرتها صحيفة "هآرتس"، إلى أن الهجرة المتسارعة للنخب الأكاديمية العليا لم تعد قابلة للتوصيف كظاهرة محايدة أو كجزء من ديناميات العولمة، بل تطرح سؤالًا أعمق حول القدرة على "إنتاج المستقبل" داخل كيان قام منذ تأسيسه على احتكار المعرفة وربطها عضويًا بالقوة والعسكرة.
ويذهب المقال إلى أن المشروع الصهيوني أدار المعرفة بوصفها وظيفة استعمارية، عبر دمج الجامعات ومراكز البحث في بنية الدولة الاستيطانية، لتطوير تقنيات تخدم التوسع والمراقبة وبناء قاعدة صناعية–عسكرية، وتعويض الهشاشة الديمغرافية.
ويضيف أن هذا النموذج جرى تسويقه دوليًا، بعد الحرب الباردة، من خلال سردية "دولة الشركات الناشئة"، التي نزعت التكنولوجيا عن سياقها الاستعماري، وأخفت الدور المركزي للعسكرة والتمويل والتحالف البنيوي مع الولايات المتحدة.
غير أن هذه السردية، وفق الكاتب، بدأت بالتصدع مع تراكب مسارات بنيوية تسارعت بعد "طوفان الأقصى"، في مقدمتها الانقسام الحاد بين ما يُعرف بـ"إسرائيل العلمانية" و"إسرائيل الدينية"، والانقلاب على العقد الاجتماعي، ولا سيما في ملف الخدمة العسكرية وتقاسم الأعباء.
وفي هذا الإطار، تتحول الهجرة – بحسب المقال – إلى موقف سياسي صريح ضد تآكل التماسك الداخلي، يتغذى من عوامل إضافية، من بينها التسييس المتزايد للمجالين القضائي والأكاديمي، وتقليص ميزانيات التعليم العالي، وانكسار سردية الأمن بعد الإخفاقات الأمنية والحروب المفتوحة، فضلًا عن تراجع مكانة دولة الاحتلال دوليًا مع تصاعد المقاطعة الأكاديمية وتآكل سردياتها الأخلاقية، ما انعكس سلبًا على سمعة الباحثين والشراكات العلمية. ويرى الكاتب أن هجرة منتجي المعرفة باتت نزيفًا يطال الجامعات والابتكار العسكري ومنظومة الشركات الناشئة، ويهدد موقع دولة الاحتلال في سلاسل البحث العالمية.
وفي قراءة أكثر التصاقًا بالبعد السياسي الداخلي، أوضح الباحث برهوم جرايسي، في مادة منشورة على موقع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، أن تصاعد الهجرة إلى الخارج، ولا سيما بين أصحاب المؤهلات العالية والقدرات المهنية المتقدمة، قد يترك أثرًا مباشرًا على موازين القوى السياسية، إذا ما استمرت هذه الظاهرة حتى موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة.
ويرجّح جرايسي أن الغالبية الساحقة من المغادرين تنتمي إلى الجمهور الأقرب لمعسكر المعارضة، في مقابل قاعدة ائتلاف الحكم التي يغلب عليها الطابع الديني والمحافظ، ولا سيما جمهور الحريديم والتيار الديني الصهيوني، إضافة إلى شرائح أيديولوجية داخل حزب الليكود لا تميل إلى الهجرة.
وبالاستناد إلى معطيات تفيد بأن نحو 211 ألفًا غادروا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مقابل عودة قرابة 69 ألفًا، مع احتساب الأطفال ضمن هذه الأرقام، يقدّر جرايسي أن معسكر المعارضة قد يخسر ما بين مقعدين إلى ثلاثة مقاعد برلمانية افتراضية، إذا استمرت وتيرة الهجرة الحالية حتى الانتخابات المرتقبة.
من جهته، أشار الكاتب محمد جرادات، في تقرير نشره موقع الميادين، إلى أن النقاش داخل دولة الاحتلال انتقل للمرة الأولى من الحديث عن هجرة هامشية أو مؤقتة، إلى الإقرار بوجود نزيف حقيقي في الكفاءات الأكاديمية والعلمية، يترافق مع اعتراف رسمي بعجز فعلي في أعداد الباحثين، وتراجع القدرة على استقطاب العائدين من الخارج.
ويربط التقرير بين هذا النزيف وبين الانقلاب اليميني على القضاء أواخر عام 2022، والحرب على غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتآكل ميزانيات التعليم العالي، وتصاعد الهجوم السياسي على الجامعات، واتساع المقاطعة الدولية.
ويستند جرادات إلى تحقيقات وأبحاث استقصائية نشرتها وسائل إعلام عبرية اقتصادية وعامة، تشير إلى أن آلاف الباحثين والعلماء وجدوا أنفسهم أمام خيار المغادرة من دون ضمانات حقيقية للعودة. كما يلفت إلى أن نسبة المهاجرين من حملة شهادة الدكتوراه في تخصصات حيوية، مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء، تراوحت بين 14% و25%، وأن عددًا كبيرًا منهم أسس إقامات دائمة خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي هذا السياق، خلصت دراسة صادرة عن جامعة تل أبيب إلى أن ميزان الهجرة العكسية إلى الخارج ارتفع بنسبة 25% عام 2023، وبنسبة 56% عام 2024، ما يعكس اختلالًا حادًا في التوازن السكاني والمعرفي.
إلى جانب تصاعد ظاهرة هجرة العقول والنخب الأكاديمية من دولة الاحتلال، سلطت تحليلات أخرى في الإعلام العربي الضوء على مسار داخلي موازٍ، يقوم على تحول ديموغرافي استيطاني تقوده فئات الحريديم في الضفة الغربية، بوصفه أحد أخطر التغيرات البنيوية الجارية داخل المجتمع الإسرائيلي، لما يحمله من تداعيات مباشرة على مستقبل الاستيطان وإمكانية أي حل سياسي.
في هذا السياق، كتب الصحفي والمختص في الشأن الإسرائيلي أنس أبو عرقوب، في مقال نشره موقع "ألترا فلسطين"، أن التزايد المتسارع في أعداد الحريديم المقيمين في المستوطنات يُقدَّم في الخطاب الإسرائيلي السائد بوصفه تطورًا اجتماعيًا–اقتصاديًا "طبيعيًا"، في حين يخفي هذا التوصيف مسارًا سياسيًا بنيويًا أكثر عمقًا، يعمّق المشروع الاستيطاني الإحلالي عبر أدوات مدنية وميزانياتية، تنتج ما يمكن تسميته بـ"الاستيطان الصامت".
ويوضح أبو عرقوب أن هذا النمط من التوسع الاستيطاني لا يتم عبر قرارات ضم رسمية أو إعلانات سياسية صاخبة، بل من خلال ممارسات يومية تتعلق بالإسكان والتعليم والرفاه الاجتماعي، ما يسهم في تطبيع الاستيطان وتحويله من مشروع استعماري مخالف للقانون الدولي إلى "مسألة مدنية" مرتبطة بالاحتياجات المعيشية.
ويكمن الخطر، وفق المقال، في أن غياب الدوافع القومية أو الأيديولوجية الصريحة لدى الحريديم لا يخفف من أثر حضورهم، بل يجعله أكثر رسوخًا وأصعب على التفكيك، لأنه ينزع عن الاستيطان طابعه السياسي المباشر ويغلفه بغطاء اجتماعي–اقتصادي.
وتشير المعطيات الرسمية التي يستعرضها المقال إلى أن الحريديم يشكلون نحو 38% من مجموع المستوطنين في الضفة الغربية، أي قرابة 200 ألف شخص، وأكثر من نصفهم دون سن التاسعة عشرة، مع تركز 94% منهم في تسع مستوطنات فقط. كما يعتمد هذا الوجود السكاني بشكل شبه كامل على تمويل الدولة، إذ تأتي ما بين 85% و90% من الميزانيات الجارية من وزارة الداخلية، وترتفع النسبة إلى نحو 95% في ميزانيات التنمية، ما يحوّل الاستيطان إلى عبء مالي مستدام تتحمله الدولة، ويمنحه في الوقت ذاته حماية مؤسسية دائمة.
يرى أبو عرقوب أن هذه الكتلة السكانية الشابة، والفقيرة نسبيًا، تتحول تدريجيًا إلى قوة ضغط سياسية تُستخدم لعرقلة أي محاولات مستقبلية لإخلاء المستوطنات أو تجميد البناء الاستيطاني، ليس عبر خطاب أيديولوجي، بل باسم "الحقوق الاجتماعية" و"أزمة السكن". وبالنسبة للفلسطينيين، لا يتعلق الأمر بزيادة عددية فحسب، بل بتحول نوعي يجعل المستوطنات تجمعات حضرية كثيفة، ذات بنى تحتية مرتبطة عضويًا بالدولة، من دون حاجة إلى ضم رسمي أو إعلان سياسي، فقط بناء متواصل، وتمويل متواصل، ونمو ديموغرافي لا يتوقف.
وتعكس هذه الاتجاهات أن دولة الاحتلال تدخل مرحلة تتقاطع فيها أزمة الهوية الداخلية مع تآكل الجاذبية المعرفية والديموغرافية، في ظل انقسامات اجتماعية عميقة وحروب مفتوحة وتراجع الإحساس بالأمان.
وهو ما يجعل التغيّرات الراهنة ليست فقط مؤشرًا على اختلال داخلي، بل عاملًا فاعلًا في إعادة تشكيل مستقبل الصراع، عبر إضعاف مقومات الاستقرار من جهة، وترسيخ وقائع استيطانية تُفرغ أي أفق سياسي من مضمونه من جهة أخرى.
القرن الأفريقي والمخططات الإسرائيلية-الأمريكية لإعادة تشكيل الجغرافيا
احتلت التحولات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي موقعًا لافتًا في تحليلات الإعلام العربي، بوصفها إحدى أكثر الساحات عرضة لإعادة الهندسة الجيوسياسية في المرحلة الراهنة. وفي هذا السياق، كتب الصحفي السوداني الصادق الزريقي في مقال نشره موقع الجزيرة، أن المنطقة تواجه "رياحًا عاتية" مع تراكب الأزمات من حرب السودان، إلى الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال ككيان مستقل، في إطار مشروع تقسيمي قديم–جديد تقوده دولة الاحتلال بدعم أميركي.
ويرى الزريقي أن هذا الاعتراف لا يمكن فصله عن مسار طويل يستهدف فصل هذا الإقليم عن الدولة الصومالية الأم، وفتح الباب أمام موجات تفكك إضافية في منطقة ذات أهمية جيوسياسية واستراتيجية بالغة الحساسية، مطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وقريبة من مسارات التجارة والطاقة العالمية. ووفق المقال، لم تعد المشاريع الانفصالية تُدار بأساليب بطيئة وغير معلنة، كما في السابق، بل باتت تُطرح علنًا منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، في بيئة إقليمية مثقلة بالصراعات والهشاشة السياسية.
ويشير الكاتب إلى أن إثيوبيا تمثل اللاعب الخفي الأكثر استفادة من هذا المسار، في ظل سعيها المعلن للحصول على منفذ بحري "بأي ثمن"، وهو ما تُوّج باتفاق مع سلطات هرجيسا عام 2023، يمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا بطول نحو 20 كيلومترًا يصل إلى ميناء بربرة.
ويرى الزريقي أن هذا التطور ينذر بارتدادات داخلية خطيرة داخل إثيوبيا نفسها، حيث توجد قوميات وأقاليم ذات نزعات انفصالية كامنة، مثل تيغراي وبني شنقول والعفر وأوغادين وأمهرة والأورومو، ما يهدد بتفجير سلسلة أزمات متداخلة.
ويمتد القلق، وفق المقال، إلى دول الجوار المباشر، وفي مقدمتها إريتريا، التي تواجه مخاطر اندلاع صراع جديد على خلفية حدود ملتهبة وساحل طويل على البحر الأحمر، إضافة إلى جيبوتي التي قد تفقد جزءًا من أهميتها الاقتصادية والمينائية إذا نجحت إثيوبيا في تأمين منفذ بحري بدعم إقليمي ودولي.
أما الصومال، فيدخل – بحسب الزريقي – مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي عام 2026، وسط مخاوف من تأجيله وتصاعد النزعات الانفصالية في أقاليم مثل بونتلاند وجوبالاند، في ظل ضغوط خارجية ووجود إسرائيلي متزايد في القواعد والموانئ.
وفي مقابل هذه التحركات، يلفت المقال إلى وجود موقف شعبي صومالي رافض لدولة الاحتلال ومتمسك بالهوية العربية والإسلامية، في حين يشعر الجوار العربي، ولا سيما السعودية ومصر واليمن والسودان، بتهديد مباشر لأمنه القومي. وتدرك القاهرة، بحسب الزريقي، أن إثيوبيا هي المستفيد الأكبر من هذا المسار، وأن التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي ينقل صراع المياه إلى مربع جديد يهدد الأمن المائي المصري، ويعيد تشكيل معادلات النفوذ في البحر الأحمر.
ويربط الكاتب هذه التطورات بمساعٍ أوسع لدولة الاحتلال لبناء قواعد عسكرية ونقاط نفوذ في المنطقة، بما يهدد اليمن وإيران، ويخدم مشروعًا أشمل لتغيير الجغرافيا السياسية في أفريقيا، يبدأ من قرنها الأفريقي. وفي هذا الإطار، يفسر المقال ما جرى في السودان منذ عام 2019، وصولًا إلى الحرب الحالية، باعتباره جزءًا من سياق تفكيكي أوسع، قد يمتد إلى دارفور وأجزاء من كردفان، ويتقاطع مع دعوات انفصالية متنامية في جنوب السودان وكينيا.
اعتقال مادورو وتآكل الشرعية الدولية
أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية عسكرية أميركية واسعة النطاق، نُفذت فجر الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، نقاشًا واسعًا في الإعلام العربي حول حدود الشرعية الدولية ومستقبل النظام القانوني العالمي. وفي هذا السياق، كتب الدكتور محمود الحنفي، أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان، في مقال نشره موقع الجزيرة، أن العملية تمثل انتهاكًا صريحًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها مبدأ سيادة الدول، وحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
ويشير الحنفي إلى أن تنفيذ ضربة عسكرية داخل أراضي دولة ذات سيادة، واعتقال رئيسها أثناء ولايته ونقله لمحاكمته في دولة أخرى، جرى من دون أي تفويض أممي أو سند قانوني دولي، ما يجعل العملية خرقًا واضحًا للقانون الدولي وشرعيته.
كما يؤكد أن هذا السلوك ينتهك مبدأ الحصانة السيادية، المكرّس في القانون الدولي العرفي، ويقوض أسس المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، بما يفتح الباب أمام سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. ويقارن الكاتب هذه الحادثة بحالات نادرة في التاريخ الحديث، مثل غزو بنما عام 1989، واختطاف أدولف أيخمان عام 1960، ليدلل على استثنائية ما جرى وخطورته.
ويلفت المقال إلى أن ردود الفعل الدولية والإقليمية كشفت تفاوتًا لافتًا في المواقف، تراوح بين إدانات رمادية من معظم الدول والاتحاد الأوروبي، وتحذيرات محدودة من بريطانيا وألمانيا، وإدانة أكثر وضوحًا من إيطاليا، في حين اكتفت روسيا والصين بمواقف لفظية، وهو ما يعكس – بحسب الحنفي – محدودية قدرة النظام الدولي على الردع في ظل الهيمنة الأميركية.
ويذكّر الكاتب بأن الأمم المتحدة كانت قد اعتبرت سابقًا الحصار البحري الأميركي المفروض على فنزويلا "عدوانًا مسلحًا غير قانوني"، ما يشير إلى نمط متكرر من تجاوز الولايات المتحدة لقواعد الشرعية الدولية من دون مساءلة فعالة.
وفي قراءة سياسية أوسع، تناول الدكتور سعيد ذياب، رئيس حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، هذه التطورات في مقال نشره عبر بوابة الهدف، معتبرًا أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق استراتيجي أعمق، يعكس عودة الولايات المتحدة إلى تفعيل "مبدأ مونرو" بصيغته الصلبة، بوصفه إطارًا ناظمًا للتعامل مع أمريكا اللاتينية باعتبارها "مجالًا حيويًا" لا يُسمح فيه بقيام نماذج سيادية مستقلة.
ويرجّح ذياب أن استهداف فنزويلا يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية، أولها صعود اليسار في أمريكا اللاتينية بعد عام 2020، نتيجة فشل سياسات الليبرالية الجديدة، واستعادة الدولة لدورها في التنمية وإعادة توزيع الثروة وتعزيز السيادة الوطنية، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدًا مباشرًا لنفوذها التقليدي في "حديقتها الخلفية".
أما العامل الثاني، فيتصل بإدراج مبدأ مونرو ضمن وثائق واستراتيجيات الأمن القومي الأميركي، بما يشرعن التدخل المباشر لمنع تشكّل أي مسارات تحررية أو تحالفات خارج الهيمنة الأميركية. ويضيف أن العامل الثالث يرتبط بعقيدة "جعل أمريكا عظيمة مجددًا"، التي يتبناها دونالد ترامب، والقائمة على استخدام القوة الخشنة، وتجاوز الأعراف الدولية، وتحويل السياسة الخارجية إلى صفقات ومقاربات قسرية.
ويرى ذياب أن هذا النهج لا يقتصر على أمريكا اللاتينية، بل ينعكس على مناطق أخرى، من بينها الشرق الأوسط، حيث جرى التعامل مع دول المنطقة بوصفها أدوات وظيفية، وتكريس أنماط التبعية، وتآكل مفهوم الدولة الوطنية، مع تحميل القضية الفلسطينية كلفة هذا التحول باعتبارها "عبئًا سياسيًا" في الحسابات الأميركية.
محصّلة بانوراما الأسبوع
تُظهر المواد التي تناولها الإعلام العربي وكتّاب الرأي والتحليل خلال الأسبوع المنصرم اهتمامًا واسعًا برصد التغيرات البنيوية داخل دولة الاحتلال، وما تحمله من دلالات سياسية وديموغرافية ومعرفية بعيدة المدى، إلى جانب متابعة العواصف السياسية التي تضرب النظام الدولي وتنعكس على مناطق حساسة في قارات العالم، من القرن الأفريقي إلى أمريكا اللاتينية.
وفي هذا السياق، لم تغب التطورات المتصلة بقطاع غزة عن صدارة النقاش الإعلامي والنخبوي، إذ استمر تناول أبعادها العسكرية والإنسانية والقانونية والمؤسسية بوصفها إحدى أكثر القضايا اختبارًا لفاعلية القانون الدولي وحدود الشرعية الدولية.
ويعكس هذا التنوع في المقاربات أن قراءة هذا الأسبوع لم تقتصر على حدث بعينه، بل اتسمت بتعدد الزوايا واتساع دوائر التحليل، بما يتناسب مع تسارع الأحداث وتداخلها على المستويين الإقليمي والدولي، فالتغيرات الداخلية في دولة الاحتلال، والتحولات الجيوسياسية في محيطها، والانتهاكات المستمرة في غزة، والسابقة الخطيرة المتمثلة في استهداف سيادة الدول خارج الأطر الأممية، كلها حضرت بوصفها حلقات مترابطة في مشهد عالمي مضطرب، تتقاطع فيه الأزمات وتعيد تشكيل بنية النظام الدولي وقواعده الناظمة.