يستعرض مسؤولون أمنيون تكلفة اعتراض الصواريخ، والفوارق بين تل أبيب وكريات شمونة، وحجم الاحتياجات الإضافية من الذخائر، ودلالات الحملة الممتدة ضد حزب الله، كما يطرحون تساؤلًا مركزيًا: كيف يمكن معالجة هذا العجز؟ ويخلصون إلى أن "هذا العبء سيلازمنا لعقود قادمة".
إذًا، كم تُكلف هذه الحرب؟ الخلاصة في مستهل المقال: نحو 1.8 مليار شيكل يوميًا، وبالأرقام: قرابة 22 مليار شيكل حتى الآن، تشمل تكلفة القنابل التي أُلقيت على إيران، وساعات الطيران والوقود اللازم لنقلها، وعددًا هائلًا من الصواريخ الاعتراضية، إلى جانب نفقات أخرى. وسنعود إلى التفاصيل لاحقًا، لكن من المهم الإشارة إلى أن هذه الكلفة لا تشمل تعويضات الأضرار التي لحقت بالمنازل المدمرة، ولا تكاليف الإجلاء إلى الفنادق، ولا خسائر الناتج المحلي الإجمالي الناجمة عن الإغلاق الجزئي للاقتصاد، ونحن نتحدث هنا عن مليارات إضافية تُقدّر حتى الآن بين 5 و10 مليارات شيكل، مع احتمالية ارتفاعها في حال استمرار الحرب.
تشير سلسلة الحروب والعمليات التي انخرطت فيها "إسرائيل" منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أنها تمثل الأعباء المالية الأثقل في تاريخها، والمفارقة أن الاقتصاد الإسرائيلي تمكن من التعافي سريعًا والعودة إلى النمو حتى في ظل الحرب، وكاد أن يستعيد وتيرته الطبيعية. غير أن الحرب الأولى على إيران، تلتها الثانية، إلى جانب الحملة المستمرة في لبنان، أعادت إنتاج حالة قلق متصاعدة، ليس أمنيًا فحسب، بل اقتصاديًا أيضًا.
في الواقع، يختلف التقدير باختلاف الجهة التي يُستند إليها. إذ يرى بعض المعلقين أن تحقيق "نصر حاسم" على إيران، بما في ذلك إسقاط نظام "آيات الله"، قد يفضي إلى ازدهار اقتصادي واسع في "إسرائيل" لسنوات. في المقابل، يدعو آخرون إلى تبني سيناريو أقل تفاؤلًا، وربما أكثر واقعية، يقوم على استمرار وجود "آيات الله" وحزب الله وحماس، بما قد يدفع الاقتصاد إلى حافة الإفلاس. وفي هذا السيناريو، ستجد الأجيال القادمة نفسها أمام عبء سداد المليارات التي تُنفق اليوم على الحروب، مرفقة بفوائد مرتفعة.
وقد قدّر محافظ بنك "إسرائيل"، البروفيسور أمير يارون، الكلفة الاقتصادية للحرب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول بنحو 352 مليار شيكل، وهو رقم بات مرجعًا رئيسيًا للتقديرات اللاحقة. وتشير التفاصيل إلى أن تكلفة التصدي للهجوم الصاروخي الإيراني في نيسان/أبريل 2024 بلغت نحو 5 مليارات شيكل، فيما قُدّرت تكلفة الحرب على إيران في حزيران/يونيو 2025 بنحو 20 مليار شيكل، بينما تتجاوز تكلفة الحرب الإيرانية الثانية هذا الرقم بكثير، إذ تُقدّر بنحو 22 مليار شيكل خلال الأسبوعين الأولين فقط.
وخلال الأسبوع الجاري، ارتفع حجم ميزانية الدفاع، أو بالأحرى اتسع العجز فيها، بنحو 32 مليار شيكل إضافية، إلى جانب احتياطي مالي قدره 7 مليارات شيكل مخصص لحالات الطوارئ. ويعكس هذا التقدير موقف المؤسسة العسكرية أكثر من موقف وزير المالية الذي قدم تقديرات أقل. وبذلك، تُقدّر الحكومة كلفة الحرب الحالية بنحو 40 مليار شيكل.
غير أن التقديرات الفعلية، وفق مصادر مطلعة، تشير إلى أن الكلفة النهائية قد تصل إلى نحو 60 مليار شيكل، ما ينذر باستمرار الحملة لعدة أسابيع إضافية.
ويترتب على ذلك ارتفاع حاد في العجز المتوقع في ميزانية عام 2026، إذ ارتفع بالفعل من 3.9% إلى 5.1%، ومن المرجح ألا يكون هذا السقف نهائيًا. ووفق تقديرات خبراء اقتصاديين، فإن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تآكل كامل في نمو الناتج المحلي الإجمالي، رغم استمرار تسجيل معدلات نمو مرتفعة نسبيًا.
الاعتراض أم عدمه؟
يُقدّر العميد (احتياط) رام عميناخ، المستشار المالي السابق لرئيس الأركان ورئيس قسم الميزانيات في وزارة الجيش، أن الحرب الحالية على إيران كلّفت "إسرائيل" حتى الآن نحو 22 مليار شيكل. ويقول: "في حرب (الأسد الصاعد)، التي كانت الأكثر تطورًا تكنولوجيًا في العالم آنذاك، بلغت التكلفة – من وجهة نظر إسرائيل – نحو 20 مليار شيكل خلال 12 يومًا، أي ما يعادل 1.7 مليار شيكل يوميًا من القتال". ويضيف: "هذه الحرب حطمت الرقم القياسي على المستويين: فهي أكثر تطورًا تكنولوجيًا من سابقتها، وتكاليفها أعلى كذلك".
ويشمل هذا الرقم إنفاق نحو 11 مليار شيكل على الذخائر، بما في ذلك الصواريخ الاعتراضية لأغراض الدفاع، والقنابل المستخدمة في الهجمات على جبهتي إيران ولبنان، كما يتضمن حسابه تكلفة استدعاء جنود الاحتياط، الذين جرى تجنيدهم على خلفية هاتين الحملتين، إذ تُقدّر تكلفة الجندي الاحتياطي بنحو 1400 شيكل يوميًا (شاملة الرواتب ونفقات الإعاشة)، أي ما مجموعه قرابة 1.3 مليار شيكل. وتُعد تكلفة تشغيل سلاح الجو بندًا آخر مرتفع الكلفة، حيث تُقدّر بنحو 5 مليارات شيكل.
لكن، لماذا تفوق هذه التكاليف نظيرتها في حرب حزيران/يونيو 2025؟ يجيب عميناخ: "هناك تغيّر في طبيعة هذه الحرب وحدّتها. نحن ندرك أن هناك نافذة زمنية محدودة تتيح لنا تنفيذ عمليات قد لا تتكرر لاحقًا. في المرة السابقة، طُلب منا إعادة الطائرات. نحن نُدرك أن هذا قد يحدث في أي لحظة، ولذلك نتحرك بسرعة الآن. وهناك تكاليف إضافية مرتبطة بالأضرار وعوامل أخرى لا يمكنني الخوض فيها".
ويضيف أن جزءًا من هذه النفقات يُغطى عبر المساعدات الأمريكية، لكنه يستدرك: "لا، لا يمكن القول إن العبء النهائي سيكون أقل على ميزانية الدولة. فعملية (السيوف الحديدية) كانت أول حرب منذ حرب أكتوبر (حرب "يوم الغفران") نشتري فيها أسلحة تتجاوز قيمة المساعدات الأمريكية".
وفيما يتعلق بحجم الذخائر المستخدمة، يؤكد أن جزءًا كبيرًا من الكلفة يعود إليها، إذ يشير إلى أن نحو 11 مليارًا من أصل 22 مليار شيكل خُصصت للذخائر. ويضيف: "قد لا يكون معروفًا على نطاق واسع، لكن خلال حرب (السيوف الحديدية) وحتى نهاية (الأسد الصاعد)، بلغ حجم الذخائر الجوية التي استخدمناها ما يعادل خمسة أضعاف الكمية التي كانت متوفرة في المستودعات عشية الحرب. وهذا يعني أنه لو اضطررنا لخوض الحرب بالذخائر المتاحة فقط، دون دعم أمريكي، لما كنا قادرين على خوضها أصلًا".
أما فيما يتعلق باقتصاديات الاعتراض، فيوضح: "لا يمكنني الحديث عن الأرقام الإجمالية، لكن يمكن توضيح تكلفة كل عملية اعتراض. ففي أقصى طيف منظومات الدفاع، تبلغ تكلفة صاروخ «حيتس 3» نحو 3 ملايين دولار، أي ما يعادل قرابة 16 مليون شيكل. في المقابل، تبلغ تكلفة صاروخ «القبة الحديدية» نحو 70 ألف دولار فقط. وعند اعتراض صاروخ إيراني، يتعين استخدام منظومة «حيتس». لكن السؤال هو: هل يتم اعتراض كل صاروخ؟ أم يُترك بعضها؟ أم يتم التعويل على الأمريكيين لاعتراضه؟".
ولا تقتصر عمليات الاعتراض على الصواريخ القادمة من إيران، بل تشمل أيضًا ما يُطلق من لبنان، ما يضاعف من حجم العمليات والتكاليف. وفي هذا السياق، يبرز الفارق الكبير بين تكلفة 3 ملايين دولار مقابل 70 ألف دولار. فجزء كبير من التكاليف يتراكم نتيجة استخدام منظومات عالية الكلفة في عمليات متكررة. ويكمن المعيار الحاسم في عدد محاولات الاعتراض، وليس فقط في تكلفة الصاروخ الواحد.
ولتوضيح ذلك، يشير إلى سيناريو عملي: إذا تم رصد صاروخ متجه نحو تل أبيب، وجرى اتباع سياسة "الإطلاق والمراقبة"، أي اعتراضه مرة، ثم إعادة الاعتراض، ثم الانتظار حتى يقترب أكثر قبل إطلاق صاروخ إضافي، فإن التكاليف تتضاعف بسرعة لتصل إلى أرقام هائلة.
خسائر بمليارات الدولارات للاقتصاد
تكمن الإشكالية الرئيسية في تقدير تكلفة الحرب الحالية في حالة عدم اليقين التي تحيط بها، ولا سيما فيما يتعلق بمدتها. فإذا استمرت المواجهة مع حزب الله لأشهر، فقد يتكبد الاقتصاد خسائر جسيمة، سواء على مستوى النفقات المباشرة أو من حيث تراجع أدائه العام.
كما تؤثر وتيرة القصف في إيران بشكل مباشر على تكلفة الحرب، إلى جانب وتيرة إطلاق الصواريخ من إيران باتجاه "إسرائيل". ففي الأسبوع الأول، أبدى المسؤولون الأمنيون ثقة نسبية في تراجع القدرة الإيرانية على إطلاق الصواريخ، غير أن هذا التقدير تعرض للاهتزاز في الأسبوع الثاني، مع تسجيل أيام صعبة شهدت إطلاقًا مكثفًا للصواريخ من إيران ولبنان.
وتشير البيانات الأولية إلى أن إيران أطلقت نحو 250 صاروخًا باتجاه "إسرائيل" خلال الأيام الاثني عشر الأولى من القتال، أي ما يعادل قرابة نصف عدد الصواريخ التي أطلقتها في حزيران/يونيو 2025. وقد رصدت المؤسسة العسكرية ما وصفته بتراجع "حماسة" القيادات الإيرانية، إلى جانب ضعف في التنسيق مع المستويات التنفيذية. كما يُحتمل أن يكون نمط القصف المتقطع جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إنهاك السكان. في المقابل، صعّد سلاح الجو التابع للجيش الإسرائيلي من وتيرة هجماته مقارنة بالحرب السابقة، حيث أُلقي نحو 10 آلاف قنبلة، مقابل نحو ثلث هذا العدد في حزيران. وبطبيعة الحال، تنعكس هذه الأرقام على كلفة باهظة، تتمثل في اتساع عجز الموازنة العامة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الجيش، تسريع وتيرة الإنتاج في الصناعات العسكرية، بهدف زيادة إنتاج الأسلحة. وقد زار المدير العام للوزارة، اللواء (احتياط) أمير برعام، شركة "إلبيت سيستمز"، وعقد اجتماعًا مع قيادتها لتقييم الوضع الراهن ورفع معدلات الإنتاج بما يتلاءم مع الاحتياجات العسكرية المتوقعة، مع تركيز خاص على منظومات الدفاع الجوي.
كما شهد الأسبوع الجاري استمرار الجسر الجوي لطائرات الشحن التي تصل إلى "إسرائيل" ضمن جهود التوريد والدعم اللوجستي للعمليات العسكرية. ومنذ بداية الحرب، وصلت نحو 50 طائرة شحن محملة بأكثر من 1000 طن من الأسلحة والمعدات العسكرية. وأشارت وزارة الدفاع إلى توقع تكثيف هذه العمليات في الفترة المقبلة، في ما وصفته بأنه ليس مجرد "رحلة تسوق"، بل عملية مكلفة للغاية.
وفي السياق ذاته، نشر معهد "تاؤب" تقديرًا لتكلفة الحرب على إيران يتراوح بين 15 و25 مليار شيكل. ويُقسّم التقرير هذه التكاليف إلى ثلاثة مكونات رئيسية: النفقات العسكرية المباشرة، وخسائر الناتج الاقتصادي، والأضرار التي لحقت بالممتلكات. وبالمقارنة مع الهجوم الصاروخي الإيراني في نيسان/أبريل 2024 (الذي تراوحت تكلفته بين 4 و5 مليارات شيكل)، والحرب في حزيران/يونيو 2025 (نحو 20 مليار شيكل)، فإن التقديرات الحالية تصل إلى نحو 25 مليار شيكل.
ومع القيود المفروضة على النشاط الاقتصادي، تُقدّر الخسائر الاقتصادية بنحو 9 مليارات شيكل أسبوعيًا. ويشرح البروفيسور بنيامين بنتال، رئيس قسم الاقتصاد في مركز "تاؤب"، كيفية التعامل مع هذه الأرقام، قائلًا إن الاقتصاد دخل الحرب من موقع قوي نسبيًا، حيث بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 60%. ورغم أن التقديرات الإجمالية لتكلفة الحرب تصل إلى نحو 350 مليار شيكل، وفق بنك "إسرائيل"، فإن الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز تريليوني شيكل، ما يعني أن هذه الكلفة تقل عن 20% من الناتج، وهي موزعة على فترة زمنية، وليست خسارة فورية.
ويضيف بنتال أن تقدير التكلفة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يخفف من حدة الصدمة، مشيرًا إلى أن الاقتصاد تراجع عقب حرب غزة، لكنه عاد إلى مستواه السابق تقريبًا، مؤكدًا أن "الاقتصاد لا يزال ينمو".
لكن، هل سيستمر هذا النمو في تغطية تكاليف الحرب؟ وفق هذا الطرح، وفي حال استمرار النمو الاقتصادي بمعدلات تتراوح بين 3% و4% سنويًا، ومع افتراض عدم تكرار الحروب بوتيرة متقاربة، فإن تكلفة تتراوح بين 20 و30 مليار شيكل يمكن استيعابها نسبيًا، وهو ما يفسر عدم انهيار الاقتصاد حتى الآن.
في المقابل، يشير تقرير معهد "تاؤب" إلى أن التكاليف غير المباشرة للحرب، والأضرار التي تلحق بالاقتصاد، تفوق في تأثيرها التكاليف المباشرة المرتبطة بشراء الأسلحة والصواريخ الاعتراضية. وتستند هذه التقديرات إلى تجارب سابقة من الإغلاق الاقتصادي، كما حدث خلال جائحة كورونا وبعد "هجوم 7 أكتوبر".
فغياب نحو مليون عامل عن العمل لفترة زمنية يُشكل ضربة اقتصادية كبيرة، تعادل انخفاضًا بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي على أساس ربع سنوي. وإذا أدت الحرب الحالية إلى إغلاق لمدة أسبوعين، فإن الضرر يُقدّر بنحو 2% من النمو ربع السنوي، أو ما يعادل 0.5% سنويًا.
وبالأرقام، فإن "نصف بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي يُعادل نحو 10 مليارات شيكل".
ويخلص بنتال إلى أن حتى تعويضات الأضرار تبدو محدودة مقارنة بالخسائر الاقتصادية العامة، قائلًا: "نحن نتحدث عن أرقام كبيرة جدًا، بحيث يصبح هذا الجزء ثانويًا. الضرر الذي يلحق بالناتج في تل أبيب هو جوهر المسألة. إذا تضررت تل أبيب، فإن الناتج القومي كله يتضرر. أما إذا تضررت كريات شمونة، فالأثر أقل بكثير"، في طرح يعكس مقاربة "براغماتية" بحتة، حتى وإن بدت أقرب إلى حسابات "ساخرة".
أعباء الحرب
شهد هذا الأسبوع نقاشًا حكوميًا حول حجم الزيادة في ميزانية الدفاع نتيجة تكاليف الحرب، في توقيت غير اعتيادي، وانتهى بتقدير إجمالي يبلغ نحو 40 مليار شيكل. بدأ النقاش مع وزير المالية سموتريتش، الذي قدّر الزيادة المطلوبة بنحو 9.5 مليارات شيكل، غير أن وزارة الجيش قدمت تقديرًا مغايرًا، معتبرة أن تكلفة حرب تمتد لأربعة أسابيع تصل إلى نحو 42 مليار شيكل، أي ما يعادل قرابة 1.5 مليار شيكل يوميًا.
لاحقًا، رفع سموتريتش سقف تقديره إلى 28 مليار شيكل، إلا أن هذا الرقم ظل غير كافٍ من وجهة نظر المؤسسة العسكرية. وعليه، أقرت الحكومة إضافة 5 مليارات شيكل أخرى، إلى جانب تخصيص احتياطي بقيمة 7 مليارات شيكل لا يُستخدم إلا في حالات الضرورة. وتُضاف هذه الزيادات إلى الميزانية الأصلية لوزارة الدفاع لعام 2026، والتي تبلغ 112 مليار شيكل، وهو رقم ضخم لم يكن متوقعًا أن يبقى دون تعديل.
في المقابل، اتفق شركاء الائتلاف على تأجيل المضي قدمًا في قانون "التهرب من الخدمة العسكرية"، في خطوة بدت مريحة لجميع الأطراف، كما جرى الاتفاق على خفض أفقي بنسبة 3% في ميزانيات الوزارات المختلفة، مع رفع سقف العجز إلى 5.1%.
على الصعيد الاقتصادي، خفّض كبير الاقتصاديين في وزارة المالية توقعاته للنمو خلال عام 2026 إلى 4.7%، مقارنة بالتقدير السابق البالغ 5.2%، في ضوء تباطؤ النشاط الاقتصادي، والضغط على الاحتياطيات، وتداعيات الحرب.
وفي تصريحات لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أشارت مصادر في وزارة المالية إلى أن الزيادة في ميزانية الدفاع أصبحت ممكنة بفضل ما وصفته بأكثر من عقدين من "السياسات الاقتصادية الرشيدة"، مضيفة: "باختصار، الاقتصاد الإسرائيلي هو من يمول الحرب".
وتربط هذه المصادر قدرة "إسرائيل" على مواصلة الحرب لفترة طويلة بما تمتلكه من قدرات عسكرية، إلى جانب ما تصفه بـ"الانضباط المالي"، الذي أوصل الاقتصاد إلى وضع قوي نسبيًا عشية 7 أكتوبر، من حيث المصداقية المالية وانخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ووفق هذا الطرح، فإن هذه العوامل منحت الحكومة هامشًا زمنيًا يقارب عامين ونصف قبل أن تظهر ضغوط حادة.
وتقارن المصادر هذا الوضع بما شهده الاقتصاد خلال الانتفاضة الثانية في مطلع الألفية، حين واجهت "إسرائيل" مخاوف حقيقية بشأن قدرتها على إصدار السندات. أما اليوم، فتؤكد المصادر أن "إسرائيل" لا تزال قادرة على إصدار السندات بوتيرة مرتفعة، بل وتدّعي أنها تحقق في بعض الأحيان شروطًا أفضل من الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، تصف ما يُعرف بعملية (زئير الأسد) بأنها ذات كلفة مرتفعة، لكنها "تكاليف لمرة واحدة" يمكن احتواؤها عبر أدوات مالية، مشيرة إلى أن رفع العجز من 3.9% إلى نحو 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي يمثل أحد هذه الأدوات.
في المقابل، ترى وزارة المالية أن مسؤولية توظيف هذه الموارد دون الإضرار بالنمو الاقتصادي تقع على عاتق وزارة الجيش، داعية إلى تجنب عمليات تجنيد غير ضرورية لقوات الاحتياط، وتحسين كفاءة الإنفاق. وفي هذا الإطار، تُستخدم عبارات ذات طابع تحذيري مثل: "مع القوة الكبيرة تأتي مسؤولية كبيرة، ومع الموارد الكبيرة تأتي مسؤولية أكبر".
وتطرح وزارة المالية تساؤلات بشأن موعد إنهاء هذا التوسع في الإنفاق والعودة إلى المسار الاقتصادي الطبيعي، منتقدة ما تصفه بعمل وزارة الجيش "دون قيود ميزانية"، وكأنها تمتلك "شيكًا مفتوحًا". كما تشير إلى أن أعدادًا كبيرة من جنود الاحتياط جرى استدعاؤهم دون حاجة فعلية، وأن بعض الخدمات تُشترى من القطاع الخاص بأسعار تفوق المعدلات السائدة في السوق، لتخلص إلى تساؤل ضمني: "من سيكون المستفيد الحقيقي من هذه الحرب؟".
فجوة هائلة في الميزانية
عقب قرار الحكومة، نشر بنك "إسرائيل" موقفًا انتقد فيه سلوك الحكومة فيما يتعلق بإدارة تمويل الائتلاف والموازنة العامة. ويوضح الدكتور عدي براندر، مدير قسم الأبحاث في بنك "إسرائيل"، أن هذا الموقف لا يعارض زيادة ميزانية الدفاع بحد ذاتها، بل يركز على ضرورة أن تبعث الحكومة برسائل واضحة للأسواق تفيد بنيتها الاستمرار في إدارة العجز الناتج عن الحرب بمسؤولية.
ويقول براندر: "ربما وصلنا إلى مرحلة من الإرهاق من كثرة التعديلات، بحيث نترك الأمور تسير كما هي. لكننا نتوقع من الحكومة إدخال تعديلات جوهرية تتناسب مع حجم النفقات الضخمة". ويضيف أن هذا ليس التوقيت المناسب لخفض الضرائب، في ظل تضخم الإنفاق، مشيرًا إلى أن مثل هذه الخطوة قد تزيد العجز بأكثر من 4 مليارات شيكل سنويًا، دون أن تُسهم في معالجة الأزمة أو حتى الإشارة إلى التزام جدي باحتوائها.
ويطرح تساؤلًا ضمنيًا: هل وصلت الحكومة إلى حالة من الإرهاق في إدارة الميزانية في ظل النفقات المتواصلة للحروب؟ ليجيب بأن "التعب من إدخال التعديلات في كل مرة لا يبرر ترك العجز يتفاقم دون معالجة". ويضيف أن الحكومة، التي كانت مسؤولة عن توسيع العجز سابقًا، تبدو اليوم وكأنها تقول: "سنضيف 40 مليار شيكل أخرى دون اتخاذ خطوات جدية لمواجهتها"، ما يستدعي وقف النفقات غير الضرورية.
وفيما يتعلق بتقديرات كلفة الحرب، كان محافظ بنك "إسرائيل" قد أشار سابقًا إلى أنها تبلغ نحو 350 مليار شيكل. وحول ما إذا كان هذا الرقم قد تغير، يوضح براندر أن الأمر يعتمد إلى حد كبير على مسار الحرب ومدتها، قائلًا: "إذا انتهت الحرب مع لبنان وإيران بنهاية الشهر، فقد ننتقل من 350 إلى 380 مليار شيكل، ومع إضافة نحو 10 مليارات شيكل كنفقات مدنية، قد تصل الكلفة إلى 390 مليار شيكل. هذه هي التقديرات الحالية، لكنها بطبيعتها متحركة وتتغير يوميًا".
من جانبه، قدّر شاؤول مريدور، المدير المالي لشركة "لايتريكس" والرئيس السابق لقسم الميزانيات في وزارة المالية، في منشور على منصة X، أن تكلفة الحرب على إيران تصل إلى عشرات المليارات من الشيكل، معربًا عن قلقه من قرار الحكومة تحويل 6 مليارات شيكل إلى "اتفاقيات الائتلاف". واعتبر أن هذه الخطوة لا تمثل خطأً اقتصاديًا فحسب، بل تحمل أبعادًا أمنية أيضًا.
أما بشأن كيفية التعامل مع العجز بعد انتهاء الحرب، فتشير التقديرات إلى أن "إسرائيل" ستواجه ديونًا ضخمة تتجاوز 250 مليار شيكل، تراكمت منذ الحرب السابقة، ولن تختفي قريبًا، بل ستبقى عبئًا ممتدًا لعقود. ويؤكد الطرح الوارد أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة هذا الواقع بدلًا من تجاهله.
وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل عملي: ماذا تعني "معالجة الوضع"؟ والإجابة المطروحة هي: تقليص النفقات غير الضرورية، في ظل إنفاق ضخم على الحرب. فمع بلوغ الكلفة الإجمالية نحو 300 مليار شيكل، فإن خدمة الدين وحدها تُقدّر بنحو 18 مليار شيكل سنويًا، وقد تنخفض إلى نحو 10 مليارات شيكل في حال تراجع أسعار الفائدة.
وهذه المبالغ، كما يُشار، تأتي على حساب قطاعات أساسية، مثل التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والدعم النفسي للمتضررين من الحرب، سواء من الجنود أو المدنيين الذين يتعرضون للقصف أو فقدوا منازلهم.
ويُطرح هنا نقاش داخلي حول أولويات الإنفاق: هل تكمن المشكلة في ميزانية الدفاع الضخمة، أم في المخصصات المرتبطة بـ"الحريديم" واتفاقيات الائتلاف؟ ويُقدَّم الطرح على أن تقليص هذه النفقات "غير الضرورية" كان سيحظى بقبول واسع، بل ربما يعزز الثقة بالحكومة، حتى لدى خصومها.
ولإبراز الفكرة، يُطرح مثال حسابي: ما تكلفة الفائدة على 6 مليارات شيكل؟ بافتراض معدل فائدة سنوي يبلغ 5%، فإن الفائدة وحدها تصل إلى نحو 300 مليون شيكل سنويًا، على مدى سنوات طويلة. ويُطرح السؤال هنا: لماذا الاستمرار في مثل هذه النفقات، مقابل تقليص الإنفاق على الخدمات الأساسية أو زيادة الضرائب؟
ويخلص هذا الطرح إلى انتقاد حاد للأولويات الحكومية، معتبرًا أن الإبقاء على هذه المخصصات، رغم كلفة الحرب، يعكس غياب الإرادة لاتخاذ قرارات اقتصادية صعبة، لكنها ضرورية.
عن الكاتب:
تل شاحف: صحفي إسرائيلي يكتب في صحيفة “يديعوت أحرونوت” ومنصتها الرقمية، يركز في تغطيته على الشؤون الاقتصادية والتكنولوجية، مع اهتمام خاص بتداعيات السياسات العامة على الاقتصاد الإسرائيلي، بما في ذلك تأثيرات الحروب والإنفاق العسكري.