تشكل القضايا المطروحة في هذا العدد من بانوراما الإعلام العربي صورة مركبة للمشهدين الدولي والإقليمي، حيث تتقاطع التحولات السياسية والصراعات الجيوسياسية مع أزمات أخلاقية وأمنية عابرة للحدود، بما يعكس طبيعة المرحلة الراهنة بوصفها مرحلة اضطراب متعدد المستويات تتداخل فيها أدوات القوة الصلبة والناعمة. ففي الفضاء الدولي، أعادت فضيحة جيفري إبستين تسليط الضوء على شبكة معقدة من النفوذ المالي والسياسي والإعلامي الممتد بين الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، كاشفةً عن تداخل المال والسلطة والعلاقات العابرة للحدود، وما يحمله ذلك من دلالات أخلاقية وسياسية تتجاوز البعد الجنائي لتطال بنية النفوذ العالمي وآليات اشتغاله.
وفي الشرق الأوسط، يتواصل التوتر بين إيران والولايات المتحدة ضمن معادلة تجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسي، في ظل مركزية الملف النووي والصاروخي في تحديد مسارات التصعيد أو التهدئة، وتباين مواقف القوى الإقليمية والدولية حيال احتمالات المواجهة أو التسوية. وبينما تحاول بعض الأطراف الإقليمية الدفع نحو مسارات احتواء دبلوماسي، تبقى خيارات الضغط والعقوبات والتهديد العسكري حاضرة في حسابات واشنطن وتل أبيب، بما يجعل المنطقة في حالة ترقب دائم لتوازنات الردع والانفجار.
أما فلسطينيًا، فتتواصل التحديات المركبة في مختلف الساحات، من تفاقم العنف والجريمة في الأراضي المحتلة عام 1948 بما يحمله من أبعاد سياسية واجتماعية تتجاوز البعد الأمني، إلى استمرار تداعيات الحرب والحصار على قطاع غزة، حيث تتجدد المخاوف من توظيف الأطر الدولية والإقليمية، بما فيها مبادرات “مجلس السلام”، لإدارة الأزمة بدل حلها، في ظل هشاشة المسارات المطروحة وعجزها عن تقديم أفق سياسي مستدام.
وتعكس هذه الملفات مجتمعةً تداخلاً متزايدًا بين بنى النفوذ العالمي والصراعات الإقليمية والتحديات المحلية، بما يجعل التحليل المتكامل ضرورة لفهم اتجاهات المرحلة، واستشراف تأثيراتها على المجتمعات والدول، في عالم تتقاطع فيه الفضائح العابرة للحدود مع الحروب والصراعات، وتتشابك فيه الاعتبارات الأخلاقية والسياسية والأمنية ضمن مشهد عالمي شديد التعقيد.
فضيحة جيفري إبستين: شبكات النفوذ والمال والسياسة العابرة للحدود
أثارت فضيحة رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين صدمة عالمية واسعة، لم تقتصر على طبيعة الجرائم الشخصية المنسوبة إليه، بل تجاوزتها إلى كشف شبكة معقدة من النفوذ والمال والسياسة والجنس، امتدت خيوطها بين نخبة واشنطن وول ستريت وهوليود وأوروبا والشرق الأوسط. وقد أظهرت التسريبات المرتبطة بالقضية قدرة إبستين على توظيف العلاقات العامة والصفقات المالية والحفلات المغلقة لتوسيع نفوذه وتحصين موقعه داخل دوائر القرار، مع تقاطعات محتملة مع أجهزة استخباراتية ودبلوماسية، ما منح الفضيحة أبعادًا أخلاقية وقانونية وسياسية عابرة للحدود.
وتكشف هذه التطورات كيف أصبح تداخل المال والقوة والقولبة الأيديولوجية أداة مؤثرة في توجيه السياسات والاقتصاد والأمن العالمي، في وقت يفرض فيه العصر الرقمي مزيدًا من الانكشاف والشفافية على النخب العالمية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين السلطة والفساد والنفوذ غير الرسمي.
في هذا السياق، يقدم حسن أوريد، الأكاديمي والسياسي المغربي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في مقال نُشر على موقع الجزيرة، قراءة تحليلية في تسريبات وزارة العدل الأميركية المرتبطة بفضائح إبستين. ويرى أوريد أن هذه التسريبات جاءت في غمرة أحداث دولية كبرى، لكنها كشفت – بحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز في 3 فبراير/شباط – قدرة إبستين على جمع نخبة واشنطن وول ستريت وهوليود والنخبة العالمية في شبكة علاقات معقدة وظفها لخدمة مصالحه، بما يعكس طبيعة الانزياح الحاصل في عالم الأعمال والعلاقات العامة والسياسة.
ويشير أوريد إلى أن ما يمكن تسميته بـ"إبستين غيت" يتشكل من أربع حلقات مترابطة: أولها شبكة العلاقات العامة والوساطة وصفقات الأعمال، وثانيها الحفلات المغلقة التي كانت تقام في جزيرة ليتل جيمس المعروفة إعلاميًا بـ"جزيرة الشيطان"، وثالثها توظيف التصوير والابتزاز لتقديم معلومات إلى جهات رسمية، قيل إن بعضها انتهى إلى أجهزة استخبارات بينها الموساد، أما الحلقة الرابعة فتتمثل في القولبة الأيديولوجية التي يرى فيها مرتادو الجزيرة أنفسهم من "الإنسان الأسمى" القادرين بالتقنية والتشبيك على حل مشكلات العالم، بما في ذلك قضايا الشرق الأوسط، في ظل حضور شخصيات فاعلة في الدبلوماسية والسياسة من العالم العربي والغرب وإسرائيل.
ويلفت أوريد إلى أن الفضيحة ذات بعد عالمي يذكّر بتسريبات ويكيليكس وأوراق بنما، لكنها أكثر تعقيدًا لاختلاط المال والسياسة والجنس والمخابرات والقولبة الأيديولوجية، حيث يتحول الانحراف الأخلاقي إلى رافعة من روافع السياسة والاقتصاد والأمن. ومع ذلك، يدعو إلى التعاطي الموضوعي مع القضية، وتجنب التسرع في إصدار الأحكام على الحضارة الغربية أو الأسماء الواردة قبل التثبت القضائي والإعلامي، مؤكدًا أن الصمت لا يبدد الشبهات ويستوجب توضيحات وإجراءات تحمي المؤسسات.
ويرى أن تداعيات التسريبات قد تكون أخلاقية وقانونية في الغرب، وسياسية في العالم العربي، مع احتمال أن تخلخل المشهد السياسي إذا لم تطمرها أحداث دولية أخرى، في ظل كونها ظاهرة مرشحة للتكرار بفعل تداخل المال والمخابرات والسياسة في العصر الرقمي.
من زاوية أخرى، تناول مقال نُشر على موقع القدس العربي قضية وثائق إبستين، مسلطًا الضوء على عالم مريب محاط بالأسرار والشذوذ والطقوس الغامضة في جزيرة خاصة بالبحر الكاريبي. وفي هذا السياق، يشير الكاتب اليمني محمد جميح إلى أن إبستين، الذي اتُهم بممارسة الجنس مع قاصرات والاتجار بالبشر، عُثر عليه منتحرًا في سجنه عام 2019 وسط شكوك واسعة بكونه اغتيالًا لحماية شخصيات نافذة. ويرى جميح أن الوثائق المسربة كشفت عن ممارسات وحشية شملت اتهامات بأفعال متطرفة وطقوس منحرفة، وأن إبستين ربما لعب دورًا استخباراتيًا هدفه ابتزاز النخب السياسية والمالية والإعلامية عالميًا.
كما يلفت إلى أن ورود أسماء شخصيات عالمية بارزة في هذه الملفات يثير شبهات حول الانحدار الأخلاقي لدى بعض النخب وقدرتها على إخفاء تناقضاتها، مستشهدًا بحالات انهيار نفسي لبعض المرتبطين بالفضيحة بوصفها مؤشرات على طبيعة العالم المغلق الذي كانت تُدار فيه تلك الشبكات. ويخلص المقال إلى أن جزيرة إبستين تمثل تجسيدًا لثلاثية السلطة والثروة والجنس، بما يحول الإنسان إلى كائن أسير غرائزه، محذرًا من محاولات تفريغ الإنسان من قيمه الروحية والأخلاقية في ظل تحفظ رسمي أميركي على نشر معظم الوثائق خشية انهيار الثقة بالمؤسسات.
وفي سياق نقدي أكثر حدّة، تناول مقال رأي في جريدة الأخبار اللبنانية قضية وثائق إبستين بوصفها مؤشرًا على الانحراف والتوحش داخل بعض النخب العالمية في إطار نقد التاريخ الاستعماري والرأسمالي. وترى الكاتبة زينب الموسوي أن الوثائق تكشف أعلى درجات السادية والتوحش، حيث يتحول الإجرام إلى وسيلة للمتعة وإعادة إنتاج الشعور بالسيطرة المطلقة.
وتشير إلى أن الأعمال الموثقة شملت اختطاف قاصرين والاتجار بالبشر واعتداءات جسدية متطرفة، معتبرة أن هذه الممارسات ليست عرضية بل امتداد لسلوكيات تاريخية ارتبطت بالمشاريع الاستعمارية والعنصرية.
وتستشهد الموسوي بأمثلة تاريخية من جيمس تاون إلى الحروب الصليبية وحصار سراييفو، حيث دفع أثرياء أوروبيون مبالغ مالية لقوات صربية لقنص مدنيين كنوع من "الترفيه"، في دلالة على استمرار نمط التوحش المرتبط بالشعور بالتفوق.
وتفسر هذه الظاهرة، وفق علم النفس الاجتماعي ونظرية ألبرت باندورا حول تآكل الحدود الأخلاقية، بوصفها نتاج بيئات نخبوية مغلقة تحصّن أفرادها سياسيًا واجتماعيًا وتُطبّع الانحراف داخل الجماعة. وتخلص إلى أن "وثائق إبستين" ليست حادثة فردية شاذة، بل مرآة تعكس بنية إنسانية لدى طبقة اعتادت العيش كأنها فوق المساءلة، في ظل نظام رأسمالي يشرعن التوحش ويمنح النخب شعورًا بالألوهية والسيطرة المطلقة.
إيران على صفيح ساخن بين الحرب والدبلوماسية
تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة توتر متصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، في ظل حشد عسكري متبادل وتصاعد الخطاب التهديدي، مقابل جهود دبلوماسية إقليمية ودولية مكثفة للحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
وتواجه طهران ضغوطًا متزايدة على برنامجها النووي ومنظومتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي، في وقت تتداخل فيه الهشاشة الاقتصادية الداخلية مع تحديات سياسية وأمنية متصاعدة، بينما تدفع إسرائيل باتجاه رفع مستوى التصعيد وتوسيع نطاق المواجهة.
وتمنح حساسية مضيق هرمز هذه الأزمة بعدًا عالميًا، إذ يجعل أي صراع محتمل تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، مع عبور نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية عبره. وبين المسارين العسكري والدبلوماسي، يتشكل المشهد على إيقاع توازن هش، يطرح احتمال أن يكون الهدوء النسبي الراهن مجرد هدنة مؤقتة تسبق انفجارًا أوسع. وفي هذا السياق، تناولت وسائل الإعلام العربية القضية من زوايا متعددة، عاكسةً تعقيدات المشهد وتداخل مستوياته المحلية والإقليمية والدولية.
قدّم جمال قاسم، الكاتب المتخصص في دراسات الشرق الأوسط والعلوم السياسية بجامعة غراند فالي ستيت الأميركية، عبر موقع الجزيرة، قراءة تحليلية لتصاعد التوتر الأميركي–الإيراني مع انطفاء نيران الحرب في غزة رغم هشاشة وقف إطلاق النار، حيث تتجه الأنظار مجددًا إلى الشرق الأوسط في ظل ارتفاع دقات طبول الحرب والضغوط العسكرية الأميركية.
وتساءل قاسم عمّا إذا كانت واشنطن تتجه نحو حرب شاملة لتغيير النظام الإيراني، أم أن الحشود العسكرية تهدف إلى دفع طهران نحو اتفاق سياسي تتخلى بموجبه عن برنامجها النووي والصاروخي وتحالفاتها الإقليمية.
ويرى أن فهم توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتطلب قراءة تجربته في فنزويلا وكوريا الشمالية وسياق سياسته الخارجية القائمة على المزج بين التهديد والتفاوض، إذ تجمع تصريحاته بين الدعوة إلى تغيير النظام الإيراني والرغبة في اتفاق نووي جديد.
ويشير إلى أن صعوبة التنبؤ بقرارات ترامب تمثل سلاحًا ذا حدين، خاصة مع اعتماده على أساليب تجمع بين الدراما السياسية والخبرة الإعلامية، كما ظهر في قرارات سابقة مثل اغتيال قاسم سليماني أو التعامل مع ملفات دولية أخرى، ويؤكد أن إيران ليست فنزويلا، وأن الشرق الأوسط يختلف جذريًا عن أميركا اللاتينية، نظرًا لما تمتلكه طهران من عقيدة قتالية وقدرات عسكرية وخبرة طويلة، فضلًا عن قدرتها على تهديد مضيق هرمز وإمدادات الطاقة العالمية، رغم هشاشة أوضاعها الاقتصادية الداخلية واحتمالات التغيير من الداخل.
كما أشار قاسم إلى رفض دول الخليج استخدام أراضيها في أي هجوم أميركي، ومساعي تركيا لخفض التصعيد، والموقفين الروسي والصيني الرافضين للتدخل العسكري، مقابل احتمال وجود ترتيبات أميركية–إسرائيلية سرية تشمل اختراقات استخباراتية أو سيناريو انقلاب داخلي أقل تكلفة. ويرجّح أن ترامب قد يسعى لتحقيق أهدافه إما عبر الضغط العسكري المحدود أو من خلال مسار تفاوضي يتيح له إعلان إنجاز سياسي، في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة.
ومن زاوية إقليمية أوسع، قدّم عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية، عبر منصة المركز، قراءة لمشهد يتقدم فيه الحراك الدبلوماسي على قرع طبول الحرب، مع دخول المنطقة ما وصفه بـ"ربع الساعة الأخير" في سباق محتدم بين السياسة والميدان.
ويشير إلى انقسام داخل الإدارة الأميركية بين فريق وساطة تقوده دول إقليمية مثل مصر وقطر وتركيا يسعى إلى احتواء الأزمة عبر التفاوض، وفريق تدفع به إسرائيل نحو "الضربة النهائية" لإسقاط النظام الإيراني.
ويرى الرنتاوي أن الحرب، إن اندلعت، لن تبقى محصورة داخل إيران، بل ستمتد إلى إسرائيل والقواعد الأميركية وتهدد مضيق هرمز وباب المندب، مع تداعيات عالمية على أسواق الطاقة والهجرة والأمن الدولي.
ويشير إلى أن هذا السيناريو يفسر التحرك الإقليمي غير المسبوق نحو الوساطة ومحاولات احتواء التصعيد، مقابل سعي حكومة اليمين الإسرائيلي لإفشال هذه الجهود والدفع نحو مواجهة شاملة. ويخلص إلى ثلاثة مسارات محتملة: تسوية تفاوضية، أو ضربة عسكرية محدودة لدفع تغيير داخلي، أو حرب واسعة أقل ترجيحًا، مع تأكيد أن تعزيز فرص المسار الدبلوماسي يتطلب مرونة إيرانية ودورًا إقليميًا فاعلًا.
وفي رصد ميداني، قدّم حازم كلاس، مراسل التلفزيون العربي في طهران، عبر موقع القناة، تصويرًا دقيقًا للأجواء السائدة في الخليج وإيران، حيث يتعايش الهدوء الظاهري مع استعدادات عسكرية مكثفة. فبينما تستمر الحياة اليومية في مدن الخليج، تحوم فوق المياه أساطيل عسكرية وتراقب الرادارات كل حركة، في ظل عبور أكثر من 21% من النفط العالمي و20% من الغاز المسال عبر مضيق هرمز، ما يجعل المنطقة حقل ألغام جيوسياسي يهدد استقرار أسواق الطاقة.
وأشار إلى تعليق بعض الرحلات الجوية وإجراء مناورات عسكرية مستمرة، مقابل نشاط دبلوماسي مكثف يشمل اتصالات بين طهران والرياض والدوحة وأنقرة والقاهرة وموسكو وواشنطن. كما أعلن مسؤولون إيرانيون أولوية المسار الدبلوماسي مع الاستعداد للحرب إذا فشلت المفاوضات، فيما تطرح واشنطن شروطًا صارمة تتعلق بوقف التخصيب النووي وتقييد البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي. ويخلص كلاس إلى أن المشهد يتأرجح بين الهدوء المؤقت واحتمال التصعيد، مع بقاء السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا الهدوء مقدمة لتسوية أم عاصفة قادمة.
من جهة أخرى، تناول مشاري الذايدي، في مقال على صحيفة الشرق الأوسط، الحوار المباشر بين طهران وواشنطن في مسقط بوصفه بديلاً مؤقتًا للحرب المباشرة، معتبرًا أن قرار إيران الانخراط في الحوار يعكس إدراكًا لمخاطر المواجهة العسكرية بعد وصول الحشد الأميركي إلى ذروته.
ويرى أن المعارك الدبلوماسية لا تقل خطورة عن العسكرية، وأن البرنامج النووي يمثل أولوية قصوى لإدارة ترامب، مع احتمال توسيع جدول المفاوضات ليشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي. ويخلص إلى أن طهران تتعامل مع المفاوضات بواقعية حذرة، في ظل مسار تفاوضي طويل يتطلب صبرًا واستعدادًا لتقديم تنازلات تدريجية.
ومن منظور خليجي، تناول حسن المصطفى في مقال آخر على صحيفة الشرق الأوسط السياسة السعودية تجاه إيران، مشيرًا إلى اعتماد الرياض خيار الحوار والدبلوماسية لتجنب التصعيد العسكري. وأوضح أن المملكة تؤكد احترام سيادة إيران وعدم السماح باستخدام أراضيها لأي هجوم، وتدعم أي جهود للحوار تعزز الأمن والاستقرار الإقليمي. ويرى أن سياسة الاحتواء والتفاهم تهدف إلى تشجيع إيران على تعديل سلوكها الإقليمي تدريجيًا، في ظل ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة قد تدفعها إلى خيارات إصلاحية لتجنب مواجهة مدمرة.
ماذا تناول الإعلام العربي في الشأن الفلسطيني؟
سلّطت المعالجات الإعلامية العربية للشأن الفلسطيني خلال هذا الأسبوع الضوء على مجموعة من الملفات المتداخلة التي تعكس تعقيد الواقع الفلسطيني في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، وتزايد محاولات تفكيك البنية المجتمعية والسياسية الفلسطينية، سواء داخل الأراضي المحتلة عام 1948 أو في قطاع غزة والضفة الغربية، مع تزايد النقاش حول مستقبل إدارة القطاع وأدوار الأطراف الإقليمية والدولية.
في ملف الجريمة داخل الداخل الفلسطيني المحتل، تناول ياسر مناع، الباحث في الشأن الإسرائيلي، في مقال عبر موقع عرب 48، مسألة انتشار الجريمة بوصفها نتاجًا بنيويًا لسياسات استعمارية تستهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على الفعل الجماعي. ويرى أن المشروع الاستعماري منذ نشأته عمل على فصل مكونات الشعب الفلسطيني جغرافيًا وسياسيًا واجتماعيًا، بما يحوّل الفلسطينيين إلى تجمعات منفصلة تختلف ظروفها وسقوف مطالبها، ما يضعف وحدة الجماعة الوطنية.
وأشار مناع إلى أن هذا الفصل يُقدَّم باعتباره واقعًا قانونيًا وسياسيًا ثابتًا، بينما يخفي جوهر السيطرة الاستعمارية التي تقوم على إدارة أزمات الفلسطينيين بدل التعامل معهم ككتلة واحدة، بحيث يصبح أي خطر يطال جزءًا منهم انعكاسًا لخطر أشمل يطال الجميع.
وفي هذا السياق، اعتبر أن تصاعد الجريمة والقتل داخل المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 – والذي أودى بحياة نحو 525 فلسطينيًا خلال عام 2025 – لا يمكن فهمه بوصفه انحرافًا اجتماعيًا أو خللًا ثقافيًا داخليًا، كما يروّج الخطاب الإسرائيلي، بل هو نتاج مسار طويل من السياسات البنيوية التي تُحمّل الضحية المسؤولية وتُخفي دور الدولة الاستعمارية في إنتاج العنف. ويرى مناع أن التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها شأنًا داخليًا معزولًا يمثل مقاربة قاصرة وخطرة، داعيًا إلى إسناد فلسطيني شامل من الضفة وغزة والشتات يقوم على إدراك وحدة الخطر.
ويقترح مسارات عملية تبدأ بدعم إعلامي يربط الجريمة بسياقها الوطني، وفضح التمييز في تطبيق القانون والتلكؤ في التحقيق والمحاسبة، مرورًا بإطلاق حملات مساندة للحراكات الشعبية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وإنشاء مرصد فلسطيني موحد للجريمة يتولى التوثيق وجمع البيانات ومتابعة التحقيقات وإصدار تقارير دقيقة، بما يوفر قاعدة معرفية للإعلاميين والحقوقيين والباحثين. ويخلص إلى أن الجريمة داخل الأراضي المحتلة عام 1948 تمثل تهديدًا وطنيًا شاملًا يتطلب مواجهة جماعية تعزز التضامن الوطني وتضع المسؤولية في سياقها الاستعماري الصحيح.
وفي سياق استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تناول مقال منشور على موقع عربي21 تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الهش، حيث أشار الكاتب والباحث الفلسطيني أحمد عويدات إلى أن المشهد الميداني لم يتغير جذريًا خلال أكثر من عامين، مع استمرار الحصار والاغتيالات ونسف المنازل ومنع إدخال المساعدات، ما يفاقم معاناة المدنيين.
ويرى أن استمرار الهجمات يعكس فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة، ويكشف تحديه للمجتمع الدولي، في ظل تمسك المقاومة الفلسطينية بأرضها وسلاحها رغم الضغوط المتواصلة. ويخلص المقال إلى أن استمرار سياسات حكومة نتنياهو يهدد بإفشال المشاريع الدولية والإقليمية المرتبطة بإدارة القطاع، ويستدعي ضغطًا دوليًا حقيقيًا لوقف العدوان وفتح المعابر وتمكين إدارة فلسطينية وطنية من الإشراف على إعادة الإعمار دون ربطها بنزع سلاح المقاومة.
وفي قراءة للموقف الإسرائيلي، تناول مقال في القدس العربي تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائه مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث جدّد رفضه قيام دولة فلسطينية ودعا إلى توجيه ضربة أميركية لإيران.
وأشار المقال إلى أن طبيعة الاجتماع وحضور قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية منحاه طابعًا عسكريًا واضحًا، في ظل إصرار نتنياهو على ربط إعادة إعمار غزة بنزع سلاح المقاومة واستكمال أهداف الحرب. ويرى المقال أن هذه المواقف تعكس استمرار مشروع سياسي طويل الأمد يسعى إلى تقويض أي مسار سياسي فلسطيني، مع الاستمرار في خرق اتفاقات وقف إطلاق النار ومنع إدخال المساعدات الإنسانية، ما يفاقم الأوضاع الكارثية في القطاع.
وفي ملف معبر رفح والحصار، تناولت عدة مقالات استمرار التحكم الإسرائيلي في تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة. فقد أشار نزار السهلي في مقال على عربي21 إلى أن الإعلان عن فتح المعبر يمثل خطوة رمزية لا تنهي واقع الحصار، في ظل استمرار الخروق الإسرائيلية للاتفاقات وسقوط ضحايا جدد. ويرى أن التحكم الإسرائيلي في المعابر والموارد يكرّس سياسة الابتزاز والضغط، ويُفرغ أي مسار سياسي أو إنساني من مضمونه.
وفي السياق ذاته، أوضح عماد عنان في تقرير على موقع نون بوست أن إعادة تشغيل معبر رفح جاءت بنتائج محدودة ومخيبة للآمال، مع استمرار السيطرة الإسرائيلية الفعلية على حركة العبور عبر منظومة أمنية معقدة تفرض موافقات مسبقة وتقيّد العودة والبضائع، في حين يقتصر دور بعثة الاتحاد الأوروبي على إطار إداري شكلي. ويخلص المقال إلى أن تشغيل المعبر يُستخدم دعائيًا لإظهار الالتزام بالاتفاقات، بينما تُفرغ هذه الاتفاقات عمليًا من مضمونها، ما يرسخ السيطرة الإسرائيلية ويُبقي القطاع رهينة الحصار.
وفي زاوية أخرى، تناولت مقالات رأي قضية محاولات تفتيت المجتمع الفلسطيني من الداخل عبر دعم مجموعات محلية مرتبطة بالاحتلال. فقد أشارت إسلام شحدة العالول، في مقال على شبكة قدس، إلى أن بعض الميليشيات المرتبطة بالاحتلال تمثل محاولة لتفكيك المجتمع الفلسطيني وإضعاف المقاومة، مستغلة الفوضى والجوع وغياب المنظومة المؤسسية. وترى أن هذه المحاولات تهدف إلى تصوير المجتمع الفلسطيني بوصفه منقسمًا، بينما تؤكد الوقائع استمرار الحاضنة الشعبية للمقاومة وتماسك المجتمع رغم الضغوط.
وفي ما يتعلق بمستقبل إدارة غزة، تناول محسن محمد صالح في مقال على مركز الزيتونة فكرة "مجلس السلام" الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيرًا إلى هشاشته البنيوية وصعوبة نجاحه في تحقيق أهدافه المعلنة. ويرى أن المجلس يفتقر إلى الشرعية الدولية والفلسطينية ويعاني من غياب رؤية واضحة وارتباطه بمزاجية الإدارة الأميركية، ما يجعله أقرب إلى إطار لإدارة الأزمة منه إلى حل مستدام. ويطرح ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبله، تتراوح بين نجاح شكلي محدود، أو تآكل تدريجي، أو إعادة توزيع للأدوار بين القوى الدولية، مع احتمال أن يؤدي ذلك إلى زيادة الإحباط الفلسطيني وفتح المجال أمام جولات جديدة من الصراع.
خلاصة بانورامية:
تكشف مضامين هذا العدد عن تداخل متسارع بين دوائر النفوذ والمال والصراع السياسي، حيث لم تعد الأزمات تُقرأ بوصفها أحداثًا منفصلة، بل كحلقات ضمن بنية عالمية واحدة تتقاطع فيها السلطة والاقتصاد والإعلام والأمن. فمن فضائح النخب العابرة للحدود إلى توترات الشرق الأوسط واحتمالات الحرب والدبلوماسية، وصولًا إلى المشهد الفلسطيني المأزوم، يتضح أن العالم يتحرك ضمن بيئة هشّة تحكمها موازين القوة أكثر مما تحكمها القواعد والمعايير.
وفي قلب هذه الصورة، يبرز الواقع الفلسطيني بوصفه مرآة مكثفة لاختلال النظام الدولي، حيث تتجاور محاولات التفكيك الداخلي مع استمرار العدوان والحصار وفشل المبادرات الدولية في إنتاج مسارات حماية حقيقية أو حلول مستدامة. وعليه، فإن فهم هذه اللحظة يقتضي قراءة مترابطة تربط بين التحولات الدولية والإقليمية والمحلية، وتدرك أن صراع النفوذ والقوة لا ينفصل عن صراع الهوية والحقوق، وأن إدارة الأزمات دون معالجة جذورها البنيوية لن تفضي إلا إلى إعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدًا في المستقبل.