الرئيسية| تقدير موقف| تفاصيل الخبر

بين دلالات القرار ومتطلبات الاستجابة

تقدير موقف إلغاء "اتفاقية الخليل": تكريس الضم عبر تفريغ الاتفاقيات

12:51 م،15 يوليو 2026

برنامج الإنتاج المعرفي

أولاً: مقدمة

في السادس عشر من يونيو/ حزيران 2026، ومن على منصة تدشين مستوطنة "دوران" جنوب الخليل، أعلن وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش أن حكومته "ألغت اتفاقية الخليل"، بعد أن استكمل "مجلس التخطيط الأعلى" التابع لـ"الإدارة المدنية" سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل. وبينما بدا الإعلان إجراءً تنظيمياً تقنياً، نزع سموتريتش عنه هذه الصفة بوصفه "أكبر من خطوة تخطيطية؛ إنه تصحيح تاريخي" لواحد من "أخطاء أوسلو الكبرى"[1].

وسرعان ما دخلت الخطوة في التباس مقصود إذ نفت وزارة خارجية الاحتلال إلغاء الاتفاقية، مؤكدة أن القرار يقتصر على صلاحيات التجمع الاستيطاني والمواقع المصنفة "تراثاً يهودياً"، في تباين يعكس توزيع أدوار لا خلاف في التقدير، فيما يجري على الأرض تنفيذ واحد لا لبس فيه.

تقدّم هذه الورقة، الصادرة عن برنامج الإنتاج المعرفي في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، تقديراً للموقف يقرأ الحدث في سياقه التاريخي التراكمي، وفي شبكة مواقف أطرافه، ثم يستشرف أبعاده ويصوغ موقفاً وتوصيات.

ثانياً: الحدث وأبعاده

جوهر الحدث قرار تنفيذي استُكملت إجراءاته ليلة 15–16 يونيو/حزيران 2026، يقضي بنزع صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل في المنطقة (H2) ونقلها إلى سلطات الاحتلال. وقد سبقته موافقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) في فبراير/ شباط 2026 بمبادرة من سموتريتش وبالتنسيق مع وزير الحرب يسرائيل كاتس؛ أي أن إعلان حزيران ليس قراراً جديداً، وهو إعلان عن استكمال المرحلة التنفيذية لمسار بدأ قبل أشهر[2]. وتتحدد أبعاده في أربعة مستويات:

البعد الإداري- التنظيمي: انتقال سلطة الترخيص والتخطيط من جهة فلسطينية منتخبة إلى سلطة عسكرية إسرائيلية، مع إبقاء المهام الخدماتية الكلفة (النفايات والصرف الصحي) في عهدة الجانب الفلسطيني؛ أي فصل السيادة عن الخدمة: الصلاحية للاحتلال والتكلفة للبلدية[3].

البعد القانوني: تعديل أحادي لبروتوكول موقّع برعاية دولية وبمشاركة أمريكية، دون تفاوض أو إعلان رسمي بإنهائه، ما ينشئ سابقة في التعامل مع الاتفاقيات الثنائية.

البعد الديني- الرمزي: امتداد القرار إلى الحرم الإبراهيمي والمواقع التاريخية، ما ينقل الاشتباك من نزاع على التخطيط إلى نزاع على الهوية والوصاية الدينية.

البعد الاستيطاني: الخطوة رفع لعقبة إجرائية أمام البناء الاستيطاني؛ وبعد يوم واحد صادق "المجلس الأعلى للتخطيط" على 576 وحدة استيطانية، بينها مبنى لمدرسة "شافي حبرون" قرب البلدة القديمة، في أول تطبيق عملي للترتيبات[4].

ثالثاً: السياق الزمني والتاريخي

لا يُقرأ الإعلان بوصفه حدثاً منفصلاً، بل محطة في مسار تراكمي من التآكل المنهجي لصلاحيات الجانب الفلسطيني في المدينة.

1. لحظة التأسيس (1997): استثناء الخليل

وُقّع "البروتوكول الخاص بإعادة الانتشار في الخليل" في يناير/ كانون الثاني 1997 بين منظمة التحرير وحكومة الاحتلال برئاسة نتنياهو، وقسّم المدينة إلى (H1) بنحو 80% تحت مسؤولية السلطة الفلسطينية، و(H2) بنحو 20% تشمل البلدة القديمة والحرم والبؤر الاستيطانية، تحتفظ فيها إسرائيل بالسيطرة الأمنية فيما تبقى الصلاحيات المدنية - ومنها التخطيط والبناء- بيد الجانب الفلسطيني[5]. والمفارقة أن نتنياهو نفسه وقّع الاتفاق الذي تفككه حكومته اليوم.

ونصت المادة السابعة من الملحق الأول صراحة على أن بلدية الخليل هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن الخدمات البلدية في كافة أجزاء المدينة، بما فيها الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وهو سند حضور البلدية لثلاثة عقود.

2. مرحلة بناء البديل المؤسسي (2017–2024)

في 2017، أصدر وزير الحرب الأسبق أفيغدور ليبرمان قراراً بإنشاء مجلس محلي للبؤر الاستيطانية في قلب البلدة القديمة ومنحه سلطات بلدية؛ فأنتج معادلة يتحكم فيها نحو 700–800 مستوطن ببنية إدارية موازية في محيط عشرات آلاف الفلسطينيين. ولم يكن الهدف إدارياً، إذ هدف إلى بناء "هيكل استقبال" تُنقل إليه الصلاحيات لاحقاً، متعارضاً مع قرار اليونسكو (2017) بإدراج البلدة القديمة والحرم على قائمة التراث العالمي المهدد[6].

3. مرحلة التسريع (2025 – حزيران 2026)

تسارعت الوتيرة نوعياً في هذه المرحلة، ويمكن رصد تسلسلها كالآتي:

• نوفمبر/ تشرين الثاني 2025: مصادقة "الإدارة المدنية" على انتزاع صلاحيات من البلدية ضمن خطة تسقيف ساحة في الحرم.

• ديسمبر/ كانون الأول 2025: قرار من كاتس بتجريد البلدية من الصلاحيات التخطيطية داخل الحرم وبدء ترخيص مشروع الأسقف.

• فبراير/ شباط 2026: مصادقة الكابينت على القرار، بالتوازي مع بدء تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة كـ"أراضي دولة"، في سابقة هي الأولى منذ 1967.

• يونيو/ حزيران 2026: استكمال "مجلس التخطيط الأعلى" للإجراءات، ثم الإعلان العلني عن "الإلغاء"، تلته المصادقة على 576 وحدة استيطانية، ثم الشروع الفعلي في تسقيف صحن الحرم بالحديد، أي الانتقال من الصلاحية القانونية إلى التغيير المادي في المعلم التاريخي.

ورافق المسار وقائع ميدانية جعلت تجاوز البلدية معتاداً قبل تقنينه: المصعد الكهربائي في الحرم، تعبيد طرق داخل الأحياء المحاصرة، أوامر إبعاد بحق عاملين، حفريات، والاستيلاء على مبنى البلدية وتحويل سطحه إلى نقطة عسكرية.

وكخلاصة لتحليل التسلسل الزمني، فإن إعلان حزيران 2026 شكل محصلة رسمية لنهاية مسار تآكل استمر عقداً، فيما لم يُنشئ القرار واقعاً جديداً بقدر ما شرعن واقعاً فُرض بالتدريج.

رابعاً: مواقف الأطراف ذات العلاقة

1. داخل حكومة الاحتلال: ازدواجية الخطاب

تبنّى سموتريتش خطاب الحسم الصريح: "ألغينا اتفاقية الخليل… وأعدنا البلدة القديمة إلى مسؤوليتنا المباشرة"، واضعاً الخطوة في إطار "ثورة الاستيطان" و"تعميق السيادة في يهودا والسامرة". في المقابل، نفت وزارة الخارجية برئاسة جدعون ساعر -ببيان بالإنجليزية تحديداً- إلغاء الاتفاقية، مبررة حصر القرار بصلاحيات التجمع الاستيطاني ومواقع "التراث اليهودي" بـ"غياب التعاون" من بلدية الخليل[7].

والتناقض وظيفي لا جوهري: البيان الإنجليزي موجّه للحواضن الدولية لامتصاص الضغط، وخطاب سموتريتش للداخل، والنتيجة واحدة: الصلاحيات انتقلت. أما التوقيت فلا ينفصل عن الحسابات الانتخابية؛ إذ أعلن نتنياهو نيته خوض الانتخابات وسط انتقادات لأداء حكومته في الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وتشكّل الخليل ساحة الخطاب المركزية لحزب "الصهيونية الدينية". وقد اتهمت "السلام الآن" سموتريتش بصرف الانتباه عن إخفاقات الحكومة عبر إشعال جبهة الضفة[8].

2. الجانب الفلسطيني: رفض قانوني وسياسي

• الرئاسة والخارجية الفلسطينية: وصفتا الخطوة بأنها إجراء أحادي مخالف للشرعية الدولية يمس الوضع السياسي والقانوني للمدينة، ودعتا المجتمع الدولي، ولا سيما الإدارة الأمريكية إلى التدخل الفوري، مشددتين على أن تراجع إسرائيل عن الاتفاقيات لا ينشئ لها حقوقاً جديدة.

• بلدية الخليل ولجنة إعمار البلدة القديمة: أعلنتا بطلان القرارات، وأكد رئيس البلدية يوسف الجعبري أن البلدية صاحبة الصلاحية في (H1) و(H2) والحرم والبلدة القديمة وأنها ستواصل خدماتها، وأن أي مساس بالبروتوكول الموقّع برعاية دولية وبمشاركة أمريكية، خارج التوافقات الدولية "تجاوز خطير"[9].

لكن اللافت هو الفجوة بين مستوى الإدانة ومستوى الأداة، إذ يذهب الخطاب الفلسطيني إلى التوصيف القانوني الأقصى، بينما الأدوات تنحصر في المناشدة الدولية والصمود الإداري، في فجوة بنيوية تدركها حكومة الاحتلال وتبني عليها حساباتها.

3. الفاعلون الآخرون

• الفصائل الفلسطينية: تعاملت مع الخطوة بوصفها "تهويداً خطيراً" و"إعلان حرب مفتوحة على الوجود الفلسطيني".

• الموقف الأردني: القرار يمسّ الحرم الإبراهيمي بوصفه وقفاً إسلامياً، ويتقاطع مع مسار أوسع يستهدف الأماكن المقدسة، بما فيه ما كُشف عن مساعٍ لإعادة تشكيل إدارة الحرم القدسي؛ والخليل هنا حقل اختبار منخفض الكلفة لما قد يُعمّم على القدس.

• الموقف الدولي: بقي في حدود الإدانة اللفظية والتحذير من تقويض حل الدولتين، مع تحرك أوروبي أدواتي محدود (كإعلان النرويج حظر تداول منتجات المستوطنات)، فيما تقف اليونسكو أمام تحدٍّ مباشر لقرارها دون أدوات إنفاذ. أما الولايات المتحدة، الراعي الأصلي للبروتوكول، فاكتفاؤها بالتحفظ الشكلي يمثّل عملياً إسقاطاً لصفة الضامن ومنحاً للخطوة غطاءً بالامتناع.

خامساً: تحليل أبعاد الحدث وتأثيراته

1. البعد القانوني: تفريغ الاتفاقيات بدل إلغائها

جوهر الخطورة ليس "الإلغاء" بل أسلوبه. فحكومة الاحتلال لا تعلن إنهاء الاتفاقيات -لأن الإعلان يرتّب أعباءً قانونية ويعيد فتح ملف الوضع النهائي- وبالتالي تُبقيها قائمة شكلاً وتفرغها من مضمونها. وكما يشير الباحث مازن الجعبري، فما يجري إنهاء تدريجي فعلي لاتفاقية الخليل وأوسلو يُبقيهما إطارين شكليين لا مرجعيتين فاعلتين[10]. والسابقة خطيرة ترتبط بقدرة طرف على تعطيل اتفاق دولي من جانب واحد دون تحمّل كلفة إنهائه.

2. البعد الجيوسياسي: الخليل نموذجاً مصغراً للضم الزاحف

تندرج الخطوة ضمن سياسة "الحسم" الهادفة إلى ضم الضفة تدريجياً دون إعلان رسمي، عبر أدوات متكاملة: التوسع الاستيطاني، تسجيل الأراضي كـ"أراضي دولة"، الهدم، الطرق الالتفافية، وحماية اعتداءات المستوطنين. وخصوصية الخليل أنها تنقل الضم من المناطق المفتوحة (المنطقة C) إلى داخل النسيج الحضري لمدينة مأهولة، في نقلة نوعية تثير مخاوف من تحوّل "نموذج الخليل" إلى سابقة قابلة للتعميم، خصوصاً مع عودة تداول خطة "إمارة الخليل".

3. البعد الميداني: هندسة الطرد الصامت

انتقال صلاحية الترخيص يعني عملياً تجميد البناء والترميم الفلسطيني في البلدة القديمة، مقابل تسهيل التوسع الاستيطاني ووصله بشبكات البنية التحتية الإسرائيلية. والنتيجة ليست تهجيراً بالقوة المباشرة، إذ تُشكل خنقاً عمرانياً يجعل البقاء غير قابل للاستدامة، أي التهجير بوصفه أثراً إدارياً لا قراراً معلناً، وهو ما يصعّب إثباته دولياً.

4. البعد الديني: نقل الصراع إلى ساحة أوسع

امتداد القرار إلى الحرم الإبراهيمي والشروع في تسقيف صحنه تغيير مادي في معلم مدرج على قائمة التراث العالمي، يحوّل الملف من نزاع تخطيطي محلي إلى قضية ذات حساسية إسلامية عابرة للحدود. وهو البعد الأكثر قابلية للتصعيد غير المنضبط، وقد يكون ذلك مقصوداً في سياق انتخابي يستفيد من التوتر.

5. البعد المؤسسي: تآكل شرعية السلطة

تصيب الخطوة السلطة في مصدر شرعيتها الوظيفية؛ فحين تُنزع الصلاحيات المدنية الذي يُشكل المقابل الرئيس للالتزامات الأمنية، تُترك بأعباء بلا سلطة فعلية، ما يعمّق أزمة جدواها ويطرح سؤال مراجعة منظومة الالتزامات.

من إدارة الصراع إلى فرض الوقائع

لا يُمكن التعامل مع ما جرى بوصفه خلافًا على تفسير بند إداري أو إجراءً تنظيميًا محدودًا، لأن جوهره يتمثل في خطوة ضمّ فعلي تُنفَّذ عبر أدوات التخطيط والتنظيم العمراني. ومن هنا، فإن الجدل الدائر حول ما إذا كان القرار يمثل "إلغاءً" أم "تعديلًا" لا يعدو كونه نقاشًا يخدم الرواية الإسرائيلية، لأنه ينقل الاهتمام من النتائج الملموسة إلى توصيف قانوني شكلي، بينما يبقى الأثر على الأرض قائمًا بغض النظر عن التسمية المعتمدة.

كما أن التعامل مع الحدث باعتباره أزمة طارئة تستوجب بيان إدانة أو تحركًا ظرفيًا ينطوي على سوء تقدير لطبيعته، إذ يمثل حلقة جديدة في مسار متدرج بدأ منذ عام 2017، وتراكمت خلاله إجراءات تهدف إلى تغيير الواقع القانوني والإداري في البلدة القديمة بالقدس. وعليه، فإن مواجهته تستدعي استراتيجية ممتدة تقوم على التراكم والاستمرارية، لا على ردود فعل مرتبطة بكل خطوة على حدة.

وفي السياق ذاته، لا ينبغي البناء على نفي وزارة الخارجية الإسرائيلية أو التعامل معه باعتباره تراجعًا عن القرار، لأن هذا النفي يندرج ضمن إدارة الضغوط الدولية أكثر مما يعكس تغييرًا في السياسة الفعلية. وفي المقابل، يكشف هذا السلوك عن إدراك الاحتلال للكلفة السياسية والقانونية التي يفرضها توصيف الخطوة باعتبارها ضمًا صريحًا، بما يتيح توظيف هذا التناقض في زيادة الضغط الدولي بدل اعتباره مؤشرًا على التهدئة.

وتكشف التطورات كذلك محدودية الاستمرار في مقاربة تقوم على المناشدات السياسية وحدها، في ظل غياب أدوات إنفاذ دولية حقيقية، وتراجع الولايات المتحدة عن أداء دور الضامن للاتفاقيات. وهو ما يجعل من الضروري نقل الملف من دائرة الشكوى السياسية إلى مسار قانوني منظم، يستند إلى التوثيق المنهجي والملاحقة القضائية أمام المؤسسات والهيئات الدولية المختصة.

وتتجاوز خطورة القرار آثاره المباشرة، لأنه يبعث برسالة سياسية وقانونية مفادها أن الاتفاقيات القائمة لم تعد تشكل مرجعية ملزمة بالنسبة للاحتلال، وأنه انتقل من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه ميدانيًا، ومن السيطرة العسكرية المؤقتة إلى فرض سيادة فعلية على الأرض.

وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى الحفاظ على الحضور المؤسسي الفلسطيني في الموقع من خلال استمرار البلدية في ممارسة صلاحياتها الميدانية، مع توثيق كل محاولة لمنعها، بما يفند الادعاءات الإسرائيلية المتعلقة بـ"غياب التعاون". كما تقتضي المرحلة بناء ملف قانوني متكامل يربط القرار بنتائجه المادية، بما يشمل أعمال التسقيف والتوسع الاستيطاني ومنع الترميم، تمهيدًا لتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومنظمة اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان، باعتباره تغييرًا متعمدًا في معالم موقع تراث عالمي.

وفي الإطارين العربي والإسلامي، تبرز أهمية تفعيل الرافعة الأردنية والإسلامية، انطلاقًا من مكانة الحرم الشريف بوصفه وقفًا إسلاميًا، بما يوسع دائرة الأطراف المعنية ويربط هذه الإجراءات بمحاولات المساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس. كما ينبغي استثمار التناقض القائم بين بيان الخارجية الإسرائيلية وتصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لتقويض الرواية الرسمية أمام العواصم الأوروبية وإبراز التباين بين الخطاب الدبلوماسي والممارسة الفعلية. وفي المدى الأبعد، تفرض هذه التطورات مراجعة استراتيجية شاملة لمنظومة الالتزامات المترتبة على السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار الاحتلال في تفريغ الاتفاقيات الموقعة من مضمونها وتحويلها إلى إطار أحادي لا يلتزم به إلا الطرف الفلسطيني.

الخاتمة

يمثل إعلان سموتريتش لحظة كاشفة أكثر مما يمثل لحظة تأسيسية؛ فهو ينزع الغطاء الشكلي عن واقع فُرض بالتدرج على مدى سنوات، ويكشف منهج حكومة الاحتلال في إحداث تغييرات جوهرية عبر تفريغ الاتفاقيات والترتيبات القائمة من مضمونها، مع الإبقاء على شكلها القانوني لتجنب الكلفة السياسية والدبلوماسية المترتبة على الإلغاء الصريح.

وتغدو الخليل، بوصفها المدينة الفلسطينية الوحيدة إلى جانب القدس التي تضم بؤرًا استيطانية داخل نسيجها العمراني، وبما تمثله من رمزية دينية وسياسية، المختبر الأبرز لهذا النهج؛ فما ينجح في فرضه داخل الخليل يمكن أن يتحول إلى نموذج قابل للتكرار في ساحات أخرى. ومن هذه الزاوية، لا تقتصر معركة الخليل على مستقبل المدينة وحدها، إذ تمتد إلى منع تكريس سابقة يمكن البناء عليها في مراحل لاحقة.

وعليه، فإن مواجهة هذه الخطوة لا تحتمل مقاربة تكتيكية تنتهي بانتهاء الدورة الإعلامية، وإنما تستوجب استراتيجية متكاملة تنقل المواجهة إلى مسارات قانونية ودبلوماسية وميدانية متوازية، بما يحول دون ترسيخ هذا النموذج أو إعادة إنتاجه في مواقع فلسطينية أخرى، ويجعل من الخليل الحالة الأخيرة لهذا المسار، لا بدايته.

 

[1] «جزء من أوسلو»... ماذا يعني إلغاء سموتريتش لاتفاق الخليل؟، الشرق الأوسط، 17 حزيران/يونيو 2026، https://aawsat.com

[2] سموتريتش يقرر إلغاء اتفاقيات الخليل ويسحب كامل صلاحياتها من البلدية، وكالة قدس برس للأنباء، 16 حزيران/يونيو 2026، https://qudspress.net/275578/

[3] سموتريتش يعلن إلغاء اتفاقية الخليل وينقل السيطرة على الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة للاحتلال، Ultra Palestine، حزيران/يونيو 2026، https://ultrapal.ultrasawt.com

[4] بعد قرار سموتريتش.. المصادقة على مشروع استيطاني في الخليل، العربي الجديد، 17 حزيران/يونيو 2026، https://www.alaraby.co.uk

[5] توقيع اتفاق الخليل بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل 1997، الهيئة الوطنية للإعلام، https://2u.pw/aFlCre

[6] الخليل / البلدة القديمة في الخليل، موقع اليونسكو، https://whc.unesco.org/en/list/1565/

[7] أُعلن سموتريتش: لقد ألغيت بعض اتفاقيات الخليل، واي نت، https://2u.pw/hNh1Ep

[8] سموتريتش يدعو لإلغاء «اتفاق الخليل» وتحذيرات من مخطط الضم والتهجير، الجزيرة نت، 17 حزيران/يونيو 2026، https://www.aljazeera.net

[9] بلدية الخليل ولجنة الإعمار ترفضان قرارات الاحتلال السيطرة الكاملة على الحرم الإبراهيمي ومدينة الخليل، وكالة وفا، https://2u.pw/PP0JBB؛ وبلدية الخليل تدين قرارات كابينت الاحتلال وتحذر من ضم فعلي للمدينة، شبكة مصدر، https://2u.pw/4QBqWs

[10] مقابلة خاصة أجراها مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي مع المختص في الشأن السياسي والباحث في الشأن الإسرائيلي مازن الجعبري، بتاريخ 16 يونيو/ حزيران 2026.