رفع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف تهديداته تجاه الضفة الغربية، معلنًا، خلال زيارة ميدانية برفقة وزير حربه يسرائيل كاتس، في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026، الاستعداد لسيناريو "انقلاب البنادق"، وتوجيه أسلحة الأجهزة الأمنية الفلسطينية نحو قوات الاحتلال والمستوطنين. وربط نتنياهو تحذيره بالتأكيد على استمرار السيطرة العسكرية على مخيمات شمال الضفة، ورفض عودة سكان مخيم طولكرم إلى منازلهم، رغم مطالبة المحكمة العليا الإسرائيلية بوضع جدول زمني يمهّد لعودتهم.
وتكاملت هذه التصريحات مع تهديدات كاتس بشن حرب شاملة على السلطة الفلسطينية، تشمل استهداف المسؤولين، وتدمير الأسلحة والبنية التحتية، وتهجير السكان، واستحضار نموذجي غزة ولبنان في التعامل مع المدن والمخيمات الفلسطينية. وتضع طبيعة التهديدات واتساع أهدافها أسئلة حول وزن الخطر الذي يجري التحذير منه، ووظيفة استدعائه في توقيت انتخابي، تتواصل فيه إجراءات تحويل السيطرة العسكرية إلى واقع طويل الأمد.
ماذا يعني "انقلاب البنادق"؟
يشير المصطلح في التداول الأمني الإسرائيلي إلى احتمال توجيه عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية أسلحتهم نحو جيش الاحتلال والمستوطنين، بما يخرج هذه الأسلحة من الوظيفة التي تفترضها ترتيبات التنسيق الأمني، ويحوّلها إلى مصدر تهديد للاحتلال.
وتندرج تحت هذا الاحتمال مستويات مختلفة: قرار سياسي وأمني بالانتقال إلى المواجهة، أو تحرك مجموعات داخل الأجهزة، أو عمليات فردية ينفذها عناصر بدوافع وطنية أو تحت ضغط اعتداءات الاحتلال. ويكتسب التمييز بينها أهمية أساسية؛ فالعملية الفردية لا تكفي للاستدلال على تحول مؤسسي، فيما تسمح المساواة بينها بتوسيع دائرة الاتهام والاستهداف لتشمل السلطة وأجهزتها وقياداتها.
وفي السياق الراهن، ربطت تقارير إسرائيلية السيناريو باحتمالات اضطراب السلطة وصراعات خلافة الرئيس محمود عباس. ونقل موقع "والا"، في أيلول/سبتمبر الماضي، تقديرات تؤكد استمرار التنسيق الأمني، بالتزامن مع الدعوة إلى الاستعداد لاحتمال توجيه أسلحة فلسطينية نحو قوات الاحتلال والمستوطنين. ويعكس ذلك انشغالًا باحتمالات مستقبلية، أكثر مما يقدم دليلًا معلنًا على قرار فلسطيني قائم بالمواجهة.
ولا تظهر في المعطيات العلنية المتاحة مؤشرات كافية على استعداد الأجهزة الأمنية للانتقال، في المدى القريب، إلى مواجهة منظمة مع الاحتلال، أو اعتماد سياسة للتصدي المسلح لاعتداءات المستوطنين. وبالتالي تحتاج قراءة التحذيرات إلى الفصل بين الخطر المحتمل الذي تحسب له المؤسسة الأمنية، وبين الاستخدام السياسي لهذا الخطر.
التهديد الأمني في خدمة السيطرة والدعاية
يحمل تصعيد الحديث عن "انقلاب البنادق" وظيفة انتخابية واضحة في خطاب نتنياهو وكاتس، فالزيارات الميدانية والاستعراض العسكري يتيحان تقديم حكومة الاحتلال باعتبارها صاحبة المبادرة، والقادرة على استباق التهديدات وفرض الوقائع. وقد ربط نتنياهو نفسه تحذيراته باحتمال محاولة اختبار "إسرائيل" قبيل الانتخابات، جامعًا بين استدعاء الخطر وعرض القوة المعدّة لمواجهته.
وتخدم هذه الصورة محاولة ترميم موقع نتنياهو في النقاش المستمر حول مسؤولية الفشل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فمن خلال إبراز التغييرات في قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، وتقديم السيطرة الميدانية باعتبارها حصيلة استخلاص العبر، يسعى إلى تثبيت رواية تحصر الفشل في الأجسام التنفيذية، وتمنح قيادته السياسية رصيد المعالجة والحسم. وينخرط كاتس في هذه الرواية عبر خطاب تصعيدي يربط الجاهزية بتوسيع العمليات والتواجد العسكري.
ويتجاوز هذا الاستخدام حدود الدعاية إلى إسناد تحول فعلي في نمط السيطرة على الضفة، فقد أعلن كاتس الانتقال من الاقتحامات المتكررة إلى البقاء العسكري طويل الأمد في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، التي استهدفها الاحتلال منذ بدء عملية "الجدار الحديدي" في يناير/ كانون الثاني 2025. وتمنح التحذيرات من تهديد متجدد غطاءً لاستمرار هذا الوجود ومنع عودة السكان، وتوسيع النموذج إلى مناطق أخرى.
وفي هذا السياق، تكشف محاولة نزع الصفة المدنية عن سكان المخيمات عن منطق يتيح التعامل مع التجمع السكاني كله بوصفه مصدر تهديد. وتصبح العودة، وإعادة البناء، واستعادة الحياة اليومية، ملفات خاضعة لتقدير أمني مفتوح، بما يكرّس التهجير ويقوّض إمكان إنهائه.
كما ينسجم هذا المسار مع توجه أوسع يقوم على زيادة التواجد العسكري المباشر في الأراضي التي يصنفها الاحتلال بؤرًا للعداء، وربط السيطرة على الضفة بترتيباته في قطاع غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا. وتوفر الضفة مساحة إضافية لعرض هذه العقيدة، وتسويق السيطرة على الأرض باعتبارها الضمانة المركزية للأمن.
أين تكمن احتمالات الانفجار؟
رغم كثافة الاستثمار السياسي في السيناريو، تتراكم في الضفة عوامل ضغط فعلية يمكن أن تنتج انفجارًا يصعب ضبط مساره، ويبرز هنا مستويان مترابطان:
يتصل الأول بتصاعد اعتداءات المستوطنين واتساع انتشارهم، وما يرافق ذلك من اقتحام البلدات، ومهاجمة السكان، والاستيلاء على الأراضي، وتهجير التجمعات الفلسطينية. ويخلق تكرار الاعتداءات بيئة قابلة للاشتعال، قد يدفعها حدث بالغ القسوة إلى موجة غضب ومواجهة تتجاوز موقعه المباشر. وتستحضر هذه الإمكانية جريمة خطف الفتى محمد أبو خضير وقتله في تموز/يوليو 2014، ثم إحراق منزل عائلة دوابشة في تموز/يوليو 2015، وما كشفته الجريمتان من قابلية الغضب للامتداد دون إمكانية مسبقة على توقعه أو تقديره.
ويتيح التركيز على "انقلاب البنادق" إزاحة النقاش عن مسؤولية حكومة الاحتلال في إطلاق يد المستوطنين، وتقديم التوتر باعتباره خطرًا فلسطينيًا يستوجب مزيدًا من القوة. وهكذا تتحول نتائج الاعتداءات إلى مبررات لإجراءات جديدة ضد المجتمع الذي يتعرض لها.
أما المستوى الثاني، فيرتبط بإضعاف السلطة ماليًا وميدانيًا، فالضغط على أموال المقاصة وقدرتها على دفع الرواتب يمس عناصر الأجهزة الأمنية وأسرهم مباشرة، ويضعف الاستقرار المعيشي والمزايا التي ارتبطت بالوظيفة والتي شكلت لمدة طويلة عامل مهم في تحييد عناصر الأجهزة الأمنية عن معادلة الاشتباك كأحد أهم استخلاصات تجربة انتفاضة الأقصى وما تلاها من معالجة أشرفت عليها الولايات المتحدة بشكل مباشر. وتتضاعف آثار الضغط مع الحواجز والاقتحامات وهجمات المستوطنين، وتراجع قدرة الأجهزة على توفير الحماية حتى في مناطق وجودها وصولًا لفقدان عناصر الأجهزة الأمنية وضباطها لأمنهم الشخصي أمام التمادي الإسرائيلي الميداني.
وقد يوسّع هذا التراكم الفجوة بين انضباط العنصر داخل مؤسسته، وتجربته اليومية باعتباره فلسطينيًا يتعرض هو وأسرته ومحيطه لاعتداءات الاحتلال. ويظل التحرك الفردي أو المحدود احتمالًا مختلفًا عن قرار الأجهزة بالمواجهة، لكنه يدخل في حسابات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي يرجح أن تدفعها صدمة السابع من تشرين الأول/أكتوبر إلى رفع الحساسية تجاه الإشارات التي كانت تستبعدها سابقًا.
التقدير النهائي
ترجح المعطيات أن تصعيد التحذير من "انقلاب البنادق" يؤدي حاليًا وظيفة سياسية وعسكرية تتجاوز ما تظهره الأدلة العلنية على قرب وقوعه. فهو يساعد نتنياهو وكاتس على استدعاء شبح التهديد، وتعزيز صورتهما أمام الجمهور اليميني، وتسويق احتلال المخيمات ومنع عودة سكانها بوصفهما إنجازًا أمنيًا قابلًا للتعميم.
وفي المقابل، تبقى احتمالات الانفجار مرتبطة بتراكم اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، والخنق المالي، وتآكل قدرة السلطة على أداء وظائفها. وقد ينتج عن هذه البيئة حدث مفاجئ أو تحرك محدود، يستثمره الاحتلال لتفعيل تهديداته وتوسيع العدوان إلى أهداف تتجاوز منفذيه.
ويكمن الخطر الأبرز في تحويل السيناريو المحتمل إلى تفويض مسبق بالتهجير والتدمير واستهداف المؤسسات الفلسطينية. وتكشف القراءة أن الحكومة التي تحذر من انفجار الضفة تواصل إنتاج أسبابه، وتعدّ الأدوات اللازمة لاستثماره في توسيع السيطرة.