كشفت الانتخابات الإسرائيلية حدود قدرة صناديق الاقتراع على إنهاء الأزمة التي تراكمت خلال سنوات الحرب والانقسام الداخلي، فقد وسّعت المشاركة الشعبية دائرة التمثيل، وأعادت توزيع القوة بين الأحزاب، بينما بقي إنتاج حكومة جديدة مشروطًا بتسويات تتعارض مع تعهدات قادتها. وتبدو اللحظة التالية للاقتراع محكومة بالتنافس على تعريف الأغلبية التي يحق لها الحكم، وبقدرة كل طرف على تحويل اعتراضات جمهوره إلى نفوذ سياسي.
ويتيح تحديث النتائج عند فرز 70.7% من الأصوات، الذي يمنح معسكر نتنياهو 54 مقعدًا، والمعارضة 47، والقوائم العربية 19، قراءة هذا المأزق بوضوح، فالكتل الخارجة عن معسكر رئيس الحكومة تملك أغلبية عددية، لكن اختلافها على شروط البديل يمنع اعتبارها ائتلافًا محتملًا بصورة تلقائية. وفي المقابل، يتعامل نتنياهو مع صموده الانتخابي بوصفه فرصة لإعادة ترتيب قواعد التفاوض.
تعبئة متقابلة واحتجاج متعدد الاتجاهات
تكتسب المشاركة العامة البالغة 77.7% دلالتها من وقوعها بعد حرب طويلة واستقطاب حاد حول القضاء والتجنيد والمسؤولية عن السابع من أكتوبر، ويمكن قراءتها باعتبارها تعبيرًا عن شعور جماعات مختلفة بأن موقعها ومستقبلها السياسي معرضان للخطر. ولهذا، يصعب اختزال الإقبال في تفويض موحد لبرنامج التغيير، أو تأييد جامع لسياسات الحرب.
وتبرز التعبئة العربية بوصفها أحد التحولات الأوضح، فقد دفعت الجريمة وسياسات الهدم والتحريض قطاعات واسعة من فلسطينيي الداخل إلى التعامل مع الاقتراع كأداة للدفاع عن الوجود والحقوق. وربطت شهادات ناخبين أوردتها "تايمز أوف إسرائيل" بين مشاركتهم وسياسات بن غفير وإخفاقه في مواجهة العنف، بما يوضح الصلة بين التجربة اليومية والسلوك الانتخابي.
ويحمل ذلك مفارقة لليمين المتطرف؛ إذ قد تتحول سياسات يستثمرها في شد عصب جمهوره إلى حافز لتعبئة الفئات المستهدفة ضده. وقد ظهرت هذه القراءة داخل الليكود نفسه، مع تحميل مسؤول فيه بن غفير مسؤولية ارتفاع التصويت العربي.
كما أثرت التعبئة في فرص القوائم الصغيرة؛ فارتفاع عدد الأصوات الصحيحة يرفع العدد المطلوب لتجاوز نسبة الحسم، ويزيد كلفة تشتت الجمهور بين قوائم متقاربة. وبالتالي تصبح إدارة التحالفات قبل الانتخابات جزءًا من صناعة القوة البرلمانية. ويكشف الجدل حول أصوات قائمة عوفير فينتر أن خسارة المعسكر قد تنشأ أيضًا من فشله في تنسيق مكوناته، بصرف النظر عن اتجاه المجتمع العام.
أغلبية انتخابية وأخرى يراد تعريفها
بدأت معركة ما بعد الاقتراع عبر لغتين متنافستين للشرعية، إذ استندت المعارضة إلى مجموع الرافضين لاستمرار نتنياهو، فيما تمسك الأخير بتصدر الليكود وبالحديث عن أغلبية داخل الجمهور اليهودي. والانتقال إلى هذا المعيار يضيّق دائرة الناخبين الذين تُحتسب إرادتهم عند تقرير الحكم، ويضع التمثيل العربي أمام محاولة إقصاء سياسي رغم وزنه البرلماني.
ويمتد هذا القيد إلى المعارضة حين تربط الحكومة المنشودة بهوية "صهيونية" أو بشروط تجعل قبول الدعم العربي بالغ الصعوبة. ما يجعل الأزمة تتجاوز الخلاف على توزيع الحقائب إلى حدود الشراكة نفسها. فالأصوات العربية تدخل الحساب عند إعلان خسارة نتنياهو، ثم تصبح موضع اعتراض عند البحث عن الوسيلة التي تترجم هذه الخسارة إلى انتقال للسلطة.
وقد ركز تحليل بن سيلز في "تايمز أوف إسرائيل" على أن المخرج يستلزم تبديل أنماط التعاون وكسر تعهدات متكررة، محذرًا من اعتبار التفوق العددي نهاية تلقائية لحكم نتنياهو. وتفسر هذه الملاحظة جانبًا من قوة رئيس وزراء الاحتلال بقدرته على الاستفادة من خطوط حمراء وضعها خصومه، من دون امتلاكه أغلبية كافية لتجديد حكومته.
وتبقى للقوائم العربية حساباتها المستقلة؛ إذ يحتاج أي دعم إلى مقابل يتعلق بالأمن المجتمعي والتخطيط والحقوق المدنية والقومية، وتختلف المشاركة الحكومية التي تدفع نحوها الموحدة عن شبكة الأمان المشروطة التي طرحتها المشتركة. ولذلك فإن تحويل العرب إلى مجرد أصوات مكملة للمعارضة يهدد بإفراغ حضورهم من مضمونه، ويضعف قابلية أي تفاهم للاستمرار.
بقاء اليمين وتعقّد المحاسبة
تُظهر النتائج أيضًا محدودية الرهان على أن الإخفاق الأمني يقود آليًا إلى هزيمة القيادة المسؤولة عنه، ويمكن افتراض أن امتداد الحرب أتاح لنتنياهو إعادة تقديم نفسه من موقع قيادة المواجهة، وترميم علاقته بقطاعات يمينية. ويظل إثبات حجم هذا الأثر محتاجًا إلى تتبع مواقف الناخبين، مع التمييز بين التعافي مقارنة بلحظة الانهيار الأولى والخسارة مقارنة بانتخابات 2022.
وفي الأثناء، تدور المنافسة على جمهور يميل في قطاعات واسعة منه إلى اليمين، بينما تضم المعارضة نفسها قوى تتقاطع مع الائتلاف في تصورات أمنية وقومية أساسية. ولهذا فإن الاعتراض على نتنياهو قد يعكس موقفًا من شخصه وإدارته وتحالفاته، من دون أن يحمل مراجعة موازية للاحتلال والاستيطان أو اعترافًا بالحقوق الفلسطينية.
ويتصل بذلك اختلاف معنى المحاسبة بين جمهور وآخر؛ فقد تتركز لدى ناخبين على استعادة الردع وكفاءة المؤسسات، فيما يربطها آخرون بتوزيع أعباء الخدمة العسكرية أو حماية القضاء. وتتيح هذه المطالب التقاءً انتخابيًا ضد الحكومة، مع بقاء الخلاف على أولويات المرحلة التالية. ومن ثم، فإن اتساع الاحتجاج على إدارة الدولة لا يمنح المعارضة بالضرورة تفويضًا متجانسًا لتغيير اتجاهاتها السياسية.
وقد يسعى بديل حكومي إلى تقليل الكلفة الخارجية وتحسين إدارة الصراع، مع إبقاء جوهر السيطرة قائمًا. لكن ذلك لا يلغي الفوارق داخل الساحة الإسرائيلية؛ فاستقلال القضاء، ولجنة التحقيق في السابع من أكتوبر، والتجنيد، وصلاحيات الشرطة، قضايا تؤثر في توازن السلطة وقدرتها على فرض سياساتها. وتكمن دقة القراءة في تقدير هذه الفوارق من دون تحميلها وعدًا بتحول سياسي تجاه الفلسطينيين لا تسنده برامج القوى المتنافسة.
الحكومة المقبلة ومسارات إعادة الاصطفاف
تبدأ احتمالات الخروج من الأزمة بتفاهم معارض يقبل دعمًا عربيًا معلنًا أو خارجيًا، ويحدد برنامجًا محدودًا وضمانات لتنفيذه. وتبقى عقدته في توفير أغلبية لتأسيس الحكومة ثم تأمين استمرارها. أما تمرير تشريعات تقيد أهلية نتنياهو، فقد يفتح إعادة اصطفاف داخل اليمين، لكنه يحتاج إلى أكثرية متماسكة ونصوص نافذة، ولا يضمن ظهور قيادة بديلة جاهزة داخل الليكود.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين حجم الحزب وقدرته التفاوضية؛ فقد يمنح موقع كتلة متوسطة بين احتمالات متعارضة نفوذًا يتجاوز عدد مقاعدها. وهذا يرفع كلفة التنافس داخل المعارضة، ويتيح لنتنياهو اختبار طموحات قادتها منفردين. وفي المقابل تستطيع المعارضة تقليص هذا الهامش إذا توصلت إلى اتفاق ملزم على القيادة والبرنامج قبل الدخول في مفاوضات متفرقة مع الأطراف الأخرى.
ويحتفظ خيار "الوحدة" بموقعه في المساومات، لأنه يتيح لقوى متخاصمة تبرير التراجع عن وعودها تحت عنوان الاستقرار، غير أن تأسيسه يصطدم بملفات المحاسبة وترتيب القيادة والتناوب. ويبقى عنوان تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق السابع من أكتوبر بوصفه عائقًا جوهريًا أمام شراكة بين نتنياهو وأيزنكوت، بما يجعل الخلاف أعمق من اقتسام مدة الرئاسة.
وفي حال غياب التسوية، يمنح استمرار الحكومة المنتهية ولايتها نتنياهو أفضلية الوقت والوصول إلى أدوات السلطة، ويمكنه توظيفها لاستقطاب خصومه وإعادة تنظيم معسكره، بينما تواجه المعارضة خطر استنزاف تماسكها. لكن انتخابات جديدة تحمل مخاطرة للجميع، وقد تعاقب من يُحمَّل مسؤولية التعطيل، ولذلك تبقى أيضًا وسيلة ضغط داخل التفاوض.
ويتجاوز الصراع على الوقت الشأن البرلماني إلى إدارة الملفات الأمنية، فقد حذر أيزنكوت قادة الأجهزة من توظيف الأمن لخدمة احتياجات نتنياهو السياسية، بينما أعاد الأخير إبراز المواجهة مع إيران في خطابه. وتكشف هذه الرسائل أن مرحلة الانتقال نفسها قد تصبح ساحة للصراع على القرار، بما يستدعي متابعة الإجراءات الفعلية ومواقف المؤسسات، من دون افتراض أن مواجهة جديدة باتت محسومة.
تكشف الانتخابات، في محصلتها، مجتمعًا قادرًا على التعبئة وعاجزًا عن إنتاج تسوية مستقرة بين مكوناته السياسية. وقد نجح الحضور العربي في رفع كلفة استمرار الائتلاف القائم، فيما بقي نفوذه مرهونًا بكسر قواعد الإقصاء، وبالنسبة إلى الفلسطينيين والإقليم ستتحدد قيمة أي تبدل حكومي بقراراته بشأن الحرب والاحتلال والاستيطان، وبالقيود التي يستطيع فرضها على استخدام القوة؛ فانتقال السلطة المحتمل يفتح مرحلة اختبار للسياسات، ويترك نتائجها رهن موازين الصراع التي تتجاوز صناديق الاقتراع.