لوّح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة تلفزيونية يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، باستخدام العملات المشفرة وتقنية سلسلة الكتل "البلوك تشين" لمواجهة عقوبات مصرفية محتملة. وجاء التصريح قبل أربعة أيام من انتخابات الكنيست، ليفتح نقاشًا حول الكلفة الاقتصادية لسياسات حكومته، وحدود قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمّل اتساع العزلة الدولية.[1]
وقوبل الطرح برفض علني من بنك "إسرائيل" وانتقادات واسعة من اقتصاديين ومسؤولين سابقين، فيما استثمرته المعارضة للتحذير من تبعات استمرار الحكومة، وترجّح هذه القراءة أن التصريح يؤدي وظيفة سياسية وانتخابية أكثر مما يعكس برنامجًا اقتصاديًا مكتملًا، لكنه يكشف انتقال احتمال العقوبات المصرفية إلى خطاب رئيس الحكومة نفسه، بالتوازي مع تصاعد الضغوط المرتبطة بتمويل الاستيطان، ولا سيما مشروع "E1".
أولًا حدود الخطة وخلفيات القلق
إعلان بلا ترتيبات تنفيذية معلنة
تحدث نتنياهو للقناة العاشرة الاقتصادية عن ضرورة إعداد اقتصاد يستطيع الالتفاف على عقوبات مصرفية محتملة، وأبدى موافقته على استخدام العملات المشفرة والبلوك تشين، قائلًا إنه طلب إعداد خطة لذلك. غير أن "يديعوت أحرونوت" نقلت عن مسؤولين في الوزارات الاقتصادية ومكتب رئيس الحكومة عدم معرفتهم بفريق يعمل عليها؛ ما يمنع التعامل مع التصريح بوصفه سياسة جاهزة، من دون استبعاد وجود نقاش أولي.[2]
وربط نتنياهو الاستعداد للعقوبات بمستقبل المساعدات الأمريكية واحتمال تراجعها. لكن ذلك لا يثبت توقف المساعدات القائمة أو صدور قرار أمريكي بإنهائها. ولم يتراجع بعد الانتقادات؛ إذ أكد للقناة 14 مساء السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول أنه يستمع إلى الاعتراضات، ويتمسك بما يراه صحيحًا، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن التنفيذ.[3]
انتقال الضغط إلى تمويل الاستيطان
يتجاوز القلق الإسرائيلي إدراج مستوطنين وجمعيات في قوائم العقوبات إلى احتمال امتداد القيود للمؤسسات المالية التي تخدم الاستيطان، ونقلت "هآرتس" مخاوف من أثر الإجراءات البريطانية المرتقبة في البنوك، وتحفظًا عن إعلان الاستعداد لمنح ضمانات لمقاولي البناء في منطقة "E1".[4]
وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول، طالب أكثر من 500 وزير ومسؤول أوروبي سابق بمعاقبة المؤسسات المالية الداعمة للتوسع الاستيطاني، وهذه مبادرة ضغط وليست قرارًا أوروبيًا ملزمًا. كما تحدثت تقارير عن تحذيرات أوروبية للمؤسسات المالية والمقاولين من الانخراط في المشروع، بما يرفع المخاطر القانونية والمساس بالسمعة التجارية.[5]،[6]
وتكمن الحساسية في أن البنوك تصل المشروع الاستيطاني بالاقتصاد الأوسع عبر الائتمان والضمانات؛ وقد تدفع القيود شركاء أجانب إلى مراجعة علاقاتهم بالمؤسسات المتورطة، لكن معاقبة نشاط أو بنك لا تعني الفصل التلقائي عن "سويفت" أو وقف تسوية الدولار؛ فالأولى شبكة مراسلات يخضع قطع خدماتها لقرارات محددة، والثانية ترتبط بعلاقات المراسلة والقيود النافذة، ويتوقف الأثر على نطاق العقوبات والجهات التي تفرضها.[7]
ومن ثم، فإن الانتقال من عقوبات على أفراد إلى تقييد التمويل يوسع دائرة المتضررين المحتملين داخل الاقتصاد الإسرائيلي. لكنه لا يجعل التحذيرات مساوية لقيود نافذة؛ فالضغط السياسي، والإحجام الطوعي عن المخاطرة، والعقوبات الملزمة مستويات متمايزة، وقد تنتج آثارًا متفاوتة قبل بلوغ أي مواجهة مصرفية شاملة.
المساعدات الأمريكية وخطاب إسبرطة
تغطي مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016 السنوات المالية من 2019 إلى 2028، وتتضمن تعهدًا بمساعدات عسكرية تبلغ 38 مليار دولار، بمتوسط 3.8 مليارات سنويًا. لذلك يختلف انتهاء المذكرة مستقبلًا عن توقف المساعدات الآن، مثلما يختلف خفض الاعتماد عليها عن قرار أمريكي بوقفها.[8]
وخلال 2026، طرح نتنياهو الاستغناء التدريجي عن المساعدات خلال نحو عقد، بوصفه انتقالًا نحو استقلال أكبر. أما وضعه الآن بجانب الاستعداد للعقوبات، فيهيئ الجمهور لاحتمال تراجع الدعم وتضييق العلاقات الاقتصادية معًا، من دون أن يثبت امتلاكه معلومات حاسمة عن الترتيبات المقبلة.[9]
ويستعيد الطرح خطاب سبتمبر/أيلول 2025، حين تحدث نتنياهو عن العزلة واقتصاد يجمع بين "أثينا" و"سوبر إسبرطة". لكن التوفيق بين الابتكار والانفتاح والتعبئة والاكتفاء الذاتي يواجه بنية اقتصادية تعتمد على التجارة والتكنولوجيا والاستثمار الأجنبي، ولا يحسم خطاب الصمود قدرتها على تحمّل الانغلاق.[10]
ثانيًا: اتساع الرفض الاقتصادي والسياسي
أعاد بنك "إسرائيل" المسؤولية إلى القيادة السياسية، مؤكدًا أن العملات المشفرة لا تشكل طريقًا لتجاوز العقوبات، وأن الأولوية للحفاظ على العلاقات التجارية ومنع القيود وآثارها. وتنبع أهمية الموقف من اعتراض مؤسسة مركزية على الحل المقترح، وربط مواجهة الخطر بالسياسات التي تنتجه.[11]
وشرح المشرف السابق على البنوك يائير أفيدان أن نقل المعاملة إلى البلوك تشين لا يلغي الحظر أو التزامات المشاركين؛ فالمدفوعات تحتاج إلى شركاء وسيولة وروابط بأنظمة أخرى. وميّز بين استخدام التقنية لاستمرارية الدفع عند تعطل البنية التحتية، وتقديمها بديلًا يحمي اقتصادًا كاملًا من العقوبات.[12]
وربط ياروم أرياف، المدير العام الأسبق لوزارة المالية، العقوبات بسياسات الحكومة، محذرًا من آثار العزلة على التصنيف والاستثمار والكفاءات. وحذّر يائير زيمون من تداعيات الانفصال المالي على الشيكل والتضخم والاستيراد، فيما رأى إيران يشيف أن التصريح ذاته قد يثير قلق الأسواق. وتظل هذه مخاطر محتملة، وليست نتائج ثبت تحققها.[13]
وانضم منتدى الاقتصاديين إلى الرفض، وشدد مانويل تراختنبرغ على أن العزلة ليست حتمية، وأن مستقبل المساعدات يرتبط أيضًا بالمصالح الأمريكية. كما حذرت أوساط التكنولوجيا من أثر الانغلاق على صناعة تقوم على المستثمرين والعملاء في الخارج. وتلتقي الاعتراضات حول الاستخدام المقترح للعملات المشفرة، دون نفي فوائدها الأخرى.[14]
سياسيًا، ربط يائير لابيد استمرار الحكومة بالعقوبات وتراجع المساعدات، واعتبر غادي أيزنكوت التصريح اعترافًا بأن السياسات القائمة تقود إلى العزلة وتهدد الأمن القومي. وشكك أفيغدور ليبرمان في تصوير العملات المشفرة مجالًا للاختفاء عن الرقابة، بينما انتقد عوديد فورير تقديم القطاع حلًا استثنائيًا بعد تعطيل تنظيمه وتطويره، بحسب روايته.[15]،[16]،[17]
وتمنح هذه المواقف المعارضة فرصة لربط المخاطر الاقتصادية بخيارات الحكومة، لكنها لا تثبت تبدل سلوك الناخبين؛ إذ يتوقف الأثر على قدرتها على توسيع هذا الربط، مقابل نجاح نتنياهو في تعبئة قاعدته حول سردية التحدي الخارجي.
ويكشف السجال خلافًا على إدارة الكلفة أكثر مما يعكس خلافًا على التقنية؛ فالبنك المركزي والاقتصاديون يعيدون الأولوية إلى حماية الروابط الدولية، بينما يقدم خطاب الحكومة التكيف مع تراجعها بوصفه استجابة ممكنة. وهنا يتصل الخلاف المالي مباشرة بمسؤولية القيادة السياسية عن شروط استمرار النمو والثقة.
ثالثًا: الحدود الفعلية للبديل المالي
أتاحت العملات المشفرة بالفعل قنوات تحويل لجهات خاضعة للعقوبات، لكن المنفذ الجزئي لا يعوض نظامًا مصرفيًا يموّل التجارة ويستقبل الاستثمار ويقدم الائتمان والتأمين والضمانات. فهذه الوظائف تبقى ضرورية، كما يبقى الطرف المقابل خاضعًا لالتزاماته ومخاطر التعامل مع الجهات المشمولة بالقيود.
وقدرت "تشيناليسيس" أن العملة المستقرة المرتبطة بالروبل "A7A5" عالجت معاملات بنحو 93.3 مليار دولار خلال أقل من عام؛ وهو حجم معاملات، لا قيمة صافية مؤكدة لتجارة أُنقذت من العقوبات. وقدرت أيضًا أن عناوين مرتبطة بشبكات الحرس الثوري استحوذت على أكثر من نصف القيمة المستلمة ضمن النشاط الإيراني الذي تتبعته في الربع الأخير من 2025.[18]،[19]
وتدعم التجربتان إمكان تمرير بعض التدفقات، دون إثبات القدرة على إنهاء العزلة. وتزداد صعوبة المقارنة مع اقتصاد إسرائيلي ترتبط قطاعاته التكنولوجية بالاستثمارات والأسواق الغربية؛ فالمشكلة تشمل استعداد الشريك الأجنبي للتعامل أصلًا، مهما كانت وسيلة السداد.
وتتيح قابلية تتبع كثير من الشبكات العامة استهداف المحافظ ومقدمي الخدمات بالقيود. وتظهر مفارقة في التقارير عن استهداف الاحتلال نفسه محافظ مرتبطة بإيران وحزب الله؛ إذ يعتمد ذلك على أدوات الرقابة التي يتجاهلها الوعد بالبديل المحصّن. وعليه، تبدو الفائدة الأقرب للتطبيق تحسين مرونة المدفوعات، لا تحييد اقتصاد مفتوح عن عقوبات واسعة.[20]
رابعًا: الوظيفة السياسية للتصريح
التفسير الأرجح أن نتنياهو يحاول نقل النقاش من مسؤولية حكومته عن الضغوط إلى قدرته على الاستعداد لها؛ فتغدو العقوبات خطرًا خارجيًا، والبدائل التقنية دليل مبادرة. ويدعم هذا الترجيح التوقيت الانتخابي وغياب التفاصيل التنفيذية والإصرار الإعلامي على الطرح، لكنه لا يحسم نواياه أو يستبعد المبالغة في تقديم فكرة أولية.
وفي المقابل، أتاح التصريح للمعارضة الاستناد إلى كلام نتنياهو للتحذير من كلفة استمراره. لذلك لا يعني نجاحه المحتمل في تعبئة أنصاره نجاح الرسالة لدى الجمهور الأوسع، خصوصًا حين تقابلها تحذيرات اقتصادية من تضرر الاستثمار والعمل والمدخرات.
ويمكن قراءة الطرح رسالة لأوروبا وبريطانيا بأن التهديد بالعقوبات لن يغير المسار الاستيطاني، وتهيئة للجمهور لتحمل كلفة التوسع والضم الفعلي. غير أن رد البنك المركزي أضعف الرسالة بإظهار عدم الثقة بالبديل، وكشف للجهات الضاغطة حساسية الروابط المصرفية.
وإذا كان المقصود إظهار قدرة الحكومة على تحمل الضغط، فإن النتيجة قد تأتي معاكسة، إذ إن اتساع الرفض الاقتصادي يمنح العواصم الغربية مؤشرًا على موضع التأثير، ويضعف تصور أن التهديدات يمكن احتواؤها بحل تقني. ومع ذلك، لا يكفي هذا الارتداد لإثبات أن التصريح سيغيّر موازين الانتخابات أو قرارات العقوبات.
أما تفسيره إعلانًا عن خطة متكاملة فيظل الأضعف؛ فالإصرار لا يعوض غياب المؤسسات المكلفة والآليات والاختبارات، ويحتاج تغيير التقدير إلى إجراءات قابلة للفحص، لا تصريحات إضافية عن الاستعداد.
خامسًا: المآلات والدلالة الفلسطينية
يرجح انحسار الزخم الإعلامي بعد الانتخابات، مع بقاء الطرح قابلًا للاستدعاء كلما تقدمت الإجراءات الغربية، وقد يتشكل فريق لدراسته أو تُعاد صياغته برنامجًا لمرونة المدفوعات، لكن تبلور بديل مصرفي واسع يبقى ضعيف الاحتمال في ظل الاعتراض المؤسسي وحدود الأداة.
وقد تستثمر الجهات الداعية لمحاسبة المؤسسات الممولة للاستيطان الجدل دليلًا على حساسية الضغط المالي، دون أن يعني ذلك قرب العقوبات الشاملة أو اكتمال الإرادة لفرضها. وداخليًا، قد تتعمق الفجوة بين الحكومة والمؤسسات الاقتصادية، لكن إسناد تحركات الشيكل أو قرارات التصنيف للتصريح وحده يحتاج أدلة مستقلة.
ويستدعي تقدير المآلات الفصل بين أثر الخطاب على الثقة وبين نتائج التنفيذ؛ فقد يرفع الحديث عن العزلة إدراك المخاطر، بينما يتوقف الضرر الفعلي على اتساع القيود وسلوك المستثمرين والشركاء، لذلك تظل متابعة الإجراءات أهم من قياس حدة السجال الإعلامي وحده.
وتتركز المتابعة في ضمانات مقاولي "E1" ونتائج العطاءات، ونطاق الإجراءات البريطانية والدول المنضمة إليها، ومراجعات البنوك المراسلة ووكالات التصنيف. وتكتمل الصورة بنتيجة الانتخابات وتركيبة الحكومة ووزارة المالية، والترتيبات الأمريكية لما بعد 2028.
فلسطينيًا، يوضح الجدل أهمية توثيق الصلات بين الاستيطان والبنوك والشركات والضمانات التي تيسره، لتحويل التورط المالي إلى كلفة مؤثرة، وهو مسار يعزز محاسبة الاحتلال إلى جانب مسؤوليته عن حرب الإبادة في غزة، دون افتراض أنه الأعلى فاعلية دائمًا. وتكشف الواقعة تناقض توسيع السيطرة على الأرض مع الحفاظ على امتيازات الاندماج الدولي؛ فكلما تحملت المؤسسات الممولة الكلفة، ضاقت قدرة الحكومة على تقديم الاستيطان خيارًا بلا تبعات.
[1] ToI Staff, “Netanyahu: Israel Should Ready for Global Sanctions, Use Blockchain to Circumvent Them,” The Times of Israel, October 23, 2026.
[2] Gad Lior, "'Dangerous and Irresponsible': Economists Warn Netanyahu's Crypto Plan Could Isolate Israel," Ynetnews, October 24, 2026.
[3] Gad Lior, "Bank of Israel Rejects Netanyahu's Crypto Plan: 'Digital Currencies Cannot Bypass Sanctions'," Ynetnews, October 24, 2026.
[4] "How British Sanctions on West Bank Settlements Are Rattling Israel's Banking System," Haaretz, October 7, 2026.
[5] "Hundreds of European Ex-Ministers Urge EU Sanctions Against Israeli E1 Settlement," The National, October 5, 2026.
[6] "All EU Leaders Warn Banks Against Involvement in E1 Settlement Project Days Before Bid Deadline," Haaretz, October 17, 2026.
[8] The White House, “Fact Sheet: Memorandum of Understanding Reached with Israel,” September 14, 2016.
[10] "Netanyahu: Israel Facing Diplomatic Isolation, Must Prepare for 'Athens and Super-Sparta' Economy," Israel Hayom, September 15, 2025.
[14] "Top Economists Express 'Grave Concern, Anxiety' over Netanyahu's Proposal," The Times of Israel (liveblog), October 25, 2026.
[15] "'Jaw-Droppingly Delusional': Netanyahu Crypto Proposal Sparks Alarm Across Israel," i24NEWS, October 24, 2026.
[16] "Bank of Israel Rejects Netanyahu's Crypto Plan to Evade Sanctions," CoinEdition via Cryptonews, October 25, 2026.
[18] Chainalysis Team, “Crypto Crime in 2025 Was Primarily Driven by 694% Surge in State-Driven Sanctions Evasion Volume,” March 5, 2026.