الرئيسية| مقالات وآراء| تفاصيل الخبر

ألاعيب انتخابية إسرائيلية.. بانتظار نتائج الاقتراع

01:16 م،22 أكتوبر 2026

حلمي موسى

من المقرر أن تجري الانتخابات الإسرائيلية العامة يوم الثلاثاء المقبل، في ظل تخوفات داخلية من عدم إجرائها إما لأسباب داخلية أو خارجية. فالاتهامات ترددت مراراً وعلى لسان عدد من زعماء المعارضة، بأن نتنياهو ينوي إدخال إسرائيل في حرب قبيل يوم الانتخابات بهدف تأجيلها. كما أن نتنياهو وجّه اتهامات لإيران وقوى أخرى بأنها تنوي تخريب الانتخابات عبر شن هجمات عدائية.

وكان رئيس أركان  الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير قد رفض، وفق منشورات إسرائيلية وأميركية، خططاً للهجوم على إيران  خشية عرقلة الانتخابات. واكتفى الجيش بإعلان حالة التأهب القصوى في كل الجبهات وإلغاء الإجازات في كل قطاعات الجيش، كنوع من الاستعداد للأسوأ من جهة وكتحذير للإيرانيين من جهة أخرى مع بدء اقتراع الجنود.

وعلى الرغم من شدة الحديث عن احتمالات عرقلة الانتخابات، فإن التقديرات، وفق بورصة التوقعات، تستبعد حدوث ذلك، وترى أن الاهتمام ينبغي أن ينصب على يوم الانتخابات بما يحمله من خطر إثر ظهور النتائج. ولا يأخذ أغلب العقلاء في إسرائيل باستطلاعات الرأي التي سبق ووصفها شمعون بيريز بأنها كالعطر تصلح للتزين ولا تصلح للأكل. ويلاحظ كثيرون أن الاستطلاعات تتحدث بشكل جوهري عن ما يشبه التعادل بين معسكري نتنياهو وخصومه. ولكن ومع اقتراب يوم الانتخابات، ازداد التشكيك بوجود معسكرين متصارعين وبدا الأمر أقرب إلى صراع يختلط فيه الحابل بالنابل.

وهم اليمين واليسار

يتهم نتنياهو ومعسكره كل من يخالفه ويعترض عليه بأنه من اليسار. ويستند في ذلك إلى واقع أن الإسرائيليين في عقدهم الثامن، وخلافا لبداية الدولة العبرية، يرون أن الشر المطلق يكمن في اليسار، لذلك، يبتعدون عنه. لذلك، فإن من يخالف نتنياهو يصمغ نفسه إما كيمين قومي أو كحزب وسط ويتنصل من أي بعد يساري أو تقارب مع العرب. وأظهر تحليل نشرته صحيفة "كالكليست" الاقتصادية أن 37% من ناخبي المعارضة يصنفون نفسهم بأنهم من اليمين، مقابل 31% يعتبرون أنفسهم وسطاً أو يساراً. ويحاول معارضو نتنياهو الارتكاز إلى رفع نسبة التصويت لضمان هزيمة ائتلاف نتنياهو، لذلك، يشيعون أن هذه انتخابات مصيرية يتقرر فيها مستقبل إسرائيل أو فنائها. وهي الحجة نفسها التي يقول بها أيضاً قادة ائتلاف نتنياهو. ويأمل أنصار معسكر التغيير برفع نسبة التصويت إلى أكثر من 70 في المئة. وهناك استطلاعات تظهر أن مؤيدي معسكر التغيير سيشاركون هذه المرة بنسبة تصويت تزيد عن 80 في المئة.

وإذا أخذنا بالحسبان حقيقة أن أنصار اليمين ينتشرون بشكل واسع أيضاً في معسكر التغيير، حيث أن قادة مثل أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينت لا يقلون يمينية عن نتنياهو وأنصاره، فإن رفع نسبة التصويت بين أنصار هذا المعسكر ليست في صالح نتنياهو. وتشير أغلب استطلاعات الرأي تقريباً، إلى أن معسكر نتنياهو ليس مؤهلاً لتشكيل الحكومة، وأن فرص معسكر التغيير أكبر لكن الكثير يعتمد على كتلة الأحزاب العربية. فحصول أي من المعسكرين على أكثر من 50 مقعداً وأقل من 60 لا يؤهله لتشكيل الحكومة إلا بواحد من خيارين: الاستناد إلى الأحزاب العربية أو تحقيق اختراق جوهري في المعسكر المقابل. ونظراً إلى أن الانتخابات تدور جوهرياً حول بقاء أو غياب نتنياهو، فإن فرص اختراق معسكر التغيير لمعسكر نتنياهو أكبر. لكن هذ الاختراق لا يضمن استقرار الوضع الداخلي وربما يشكل حافزاً لاحقاً لتفجيره.

تفكيك المعسكرين

وقد صرح زعيم "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، وهو من أشد المعارضين لنتنياهو، أنه ليس هناك معسكر مناهض لنتنياهو. وعلى الرغم من أنه سبق ونسق مع زعيمي "يشار" غادي آيزنكوت و"معاً" نفتالي بينت، إلا أنه وكطامح لرئاسة الحكومة يتحدث عن معسكر جديد. وحسب خطة أعلنها فإنه لا ينظر إلى تشكيل الحكومة المقبلة وإنما إلى خطوة جوهرية تسبقها. وتتمثل الخطة في المسارعة فور ظهور النتائج إلى ترتيب اسقاط رئيس الكنيست الليكودي وإقرار "قانون الاتهام" الذي يمنع الرئيس الإسرائيلي من تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة بسبب لوائح الاتهام الموجهة ضده. ويؤمن ليبرمان أن خطوة كهذه تقرّبه من التحالف أصلاً مع من يريدون تغيير "الليكود" وتوحيد اليمين العلماني. ويعتقد أنه الأصلح لقيادة حكومة كهذه. وشهدت الأيام الأخيرة انتقال العديد من القامات الليكودية إلى تأييده مثل الوزير السابق ورئيس مجلس الأمن القومي في عهد نتنياهو، تساحي هنغبي، وجلعاد ابن أرييل شارون.

وسبق ونُشر أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يعمل على بلورة تصور لكسر التعادل القائم عبر تشكيل حلقة وصل بين الليكود وحزب آيزنكوت، والدفع نحو حكومة وحدة وطنية. ويأمل هرتسوغ أن يقود ذلك إلى منع استمرار تفاقم الاستقطاب والصراع بين معسكري اليمين القومي واليمين الفاشي وبالتالي إعادة إسرائيل إلى سكة "الديمقراطية اليهودية". وعلى الرغم من تعاظم الانتقادات والاتهامات لآيزنكوت من داخل معسكره بأنه يسعى إلى ذلك، حاول مؤخراً تكثيف انتقادات لنتنياهو مؤكداً رفضه التعاون معه مستقبلاً.

غير أن التشكيك بالمعسكرين ليس قصراً على ليبرمان وأنصاره، بل يتعداهم إلى الأحزاب المشكلة أساساً لائتلاف نتنياهو "الطبيعي". فالليكود يخوض حاليا معركة "كسر عظم" حقيقية مع زعيم "القوة اليهودية" إيتمار بن غفير الذي أعلن طموحه لشغل وزارة الدفاع ومنح وزارات هامة لأعضاء حزبه. وعلى الرغم من أن الليكود هو من أنعش وعزز بن غفير وحزبه، إلا أنه وفي الصراع على المقاعد لاحظ أنه يقتطع حصته من جمهور الليكود. وأعلن بن غفير أن نتنياهو تعهد للأوروبيين بعدم ضمه إلى وزارته في التشكيلة الحكومية المقبلة. كما أن حركة "شاس"، وهي الأقرب إلى "الليكود" في المعسكر الحريدي، أعلنت أنها لن تقبل البتة باستمرار بتسلئيل سموتريتش في وزارة المالية. غير أن هذا ليس المأخذ الوحيد عند الحريديم على نتنياهو وحكومته. فقد أعلنت جهات حريدية أشكنازية أنها لن تقبل أي تحالف مع نتنياهو الكاذب وغير المؤتمن قبل إقرار قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية. ويطالبون بإقرار هذا القانون في الكنيست قبل تشكيل الائتلاف كشرط للائتلاف مع نتنياهو من دون ضمان عدم التفاوض مع معسكر التغيير على الانضمام إليهم.

وبعد ذلك يأتي الصراع ذو الطبيعة الطائفية، حيث أن "الليكود" استند تاريخياً إلى "المظلومية الشرقية" وبنى قاعدته الانتخابية في أوساط الشرقيين رغم أن أغلب قيادته أشكنازية. ومع تزعم آيزنكوت، وهو يهودي مغربي الأصول، للحزب الأكبر والمرشح لقيادة معسكر التغيير، تزايدت الأوساط في "شاس" والحاخامية الشرقية التي تفضله على نتنياهو وترى أنه قد يحقق أمانيها المستترة. ومعروف أن العلمانية ليست واسعة الانتشار بين الشرقيين وأن المتدينين التقليديين أكثرية بينهم، لذلك يُعتقد أن كثيرين من هؤلاء سينقلون أصواتهم من "الليكود" وربما "شاس" إلى آيزنكوت وحزبه.

الخوف المزدوج

أشد ما يخشاه نتنياهو هو أن المناورات التي قام بها وآخرها نيله التأييد العلني من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لن تغير شيئاً في الواقع. ولاحظ نتنياهو أن هذا الإعلان لم يقلب حتى الآن استطلاعات الرأي رأساً على عقب، ولم يُحدث التغيير المطلوب في المزاج. لكن خشية نتنياهو ومعسكره الحقيقية تتركز في اتجاهين، الأول: قدرة ليبرمان الذي يبدو أنه أفلح في اختراق "الليكود" على تعميق هذا الاختراق بعد انتهاء الاقتراع وظهور النتائج ونجاحه في تمرير "قانون الاتهام". والثاني قدرة آيزنكوت على كسب تأييد الشرقيين وفك التحالف "الطبيعي" بين الحريديم ومعسكر نتنياهو.

فنجاح ليبرمان في خطته لا يعني فقط سدّ الطريق على نتنياهو لرئاسة الحكومة، وإنما أساساً تحطيم التفاف "الليكود" حول نتنياهو وظهور منازعين له على زعامة الحزب. فلا أحد يفكر في شلّ الحياة السياسية أو البقاء في صفوف المعارضة فقط بسبب نتنياهو فيما البدائل الأخرى متوفرة. وإذا نجح قانون الاتهام فسوف ينشأ صراع حقيقي على الزعامة داخل "الليكود" وستتغير خريطة التحالفات نحو تشكيل حكومة جديدة.

أما على صعيد الحريديم، فقد حاول نتنياهو ترسيخ تحالفه معهم من خلال إعلانه رفض اعتقال الحريديم المتهربين من الخدمة العسكرية وتساهله تجاه انتقادات الحاخامات له. بل أنه في رده على هذه الانتقادات قال: "أتفهم تماماً الإحباط والألم الذي ساد. كنا على وشك إقرار قانون تجنيد حقيقي، ولم يكن ينقصنا سوى صوت واحد. يمكننا إقراره في الولاية المقبلة، وسينظم العلاقة بين الحريديم والعلمانيين لأجيال قادمة. هذا قانون يمنحنا جميعاً عالم التوراة الذي أكنّ له كل الاحترام، ويضمن لنا أيضاً إعادة توزيع الأعباء الدينية". وحذر نتنياهو من خطر ائتلاف الحريديم مع آيزنكوت ووصفه بأنه "بديل كارثي".

 

 

المصدر: المدن