الرئيسية| أوراق تحليلية| تفاصيل الخبر

تدمير مقومات الحياة ومنع الحماية والتعافي

حين يصبح الشتاء سلاحًا: هندسة استدامة الإبادة والموت البطيء في قطاع غزة

04:31 م،07 نوفمبر 2026

برنامج الإنتاج المعرفي

مع الأمطار التي شهدها قطاع غزة في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026، انكشفت مجددًا الكارثة التي حذّرت منها المؤسسات الفلسطينية والطواقم الإغاثية طوال الأشهر الماضية، فقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي غرق نحو 70 ألف خيمة خلال اثنتي عشرة ساعة، بينما تلقّى الدفاع المدني نحو 1500 نداء استغاثة. وتزامن ذلك مع عجز البلديات وطواقم الإنقاذ عن الاستجابة لحجم الاحتياجات، بفعل تدمير الآليات ونقص الوقود.[1] وفي الشتاء الرابع منذ بدء حرب الإبادة، باتت الأمطار تكشف مقدار ما راكمه الاحتلال من شروط تجعل الحياة اليومية في القطاع محفوفة بالموت.

تنبع خطورة هذا الواقع من أن الاحتلال، إلى جانب القتل المباشر، دمّر المنظومات التي تحمي السكان من المرض والجوع والبرد، وقيّد قدرتهم على ترميمها، وفي الوقت الذي أُجبر فيه الناس على الإقامة في خيام مهترئة ومبانٍ متصدعة، وسط شبكات مياه وصرف معطّلة، مُنع عنهم أدوات الحماية والإصلاح، بحيث تصبح الظروف الإنسانية الكارثية جزءًا من آليات استدامة الإبادة، ما يجعل ضرر الدمار يتجاوز لحظة الانفجار وقت العدوان، ويتسع أثره كلما طال منع التعافي.

تقرأ هذه الورقة من إعداد برنامج الإنتاج المعرفي في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الإستراتيجي، الكارثة الشتوية ضمن هذا الترابط، وتبحث كيف تتكامل سياسات التدمير والنزوح والسيطرة على الأرض وتقييد الإغاثة في إنتاج بيئة معيشية قاتلة. وتذهب إلى أن استمرار هذه السياسات بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 أبقى المجتمع الفلسطيني داخل دائرة استنزاف متواصل، تتحول معها استعادة الحد الأدنى من شروط الحياة إلى معركة يومية، ويغدو البحث عن النجاة مدخلًا للضغط على تمسّك الفلسطيني بأرضه.

تدمير شروط الحياة وإدامة أثر الحرب

تبدأ قراءة المشهد من طبيعة ما استهدفه الاحتلال خلال الحرب، فتدمير المنازل يتصل بتدمير الطرق وشبكات المياه والصرف والمرافق الصحية، بما يفقد الحي السكني مقومات السكن حتى حين تبقى فيه بعض الأبنية قائمة، وتؤكد اليونيسف، في تقييمها لمنتصف عام 2026، تضرّر نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي أو تدميرها، بالتزامن مع قيود شديدة على دخول الوقود وقطع الغيار والمواد اللازمة لتشغيل الخدمات الأساسية.[2]

تفسّر هذه المعطيات جانبًا أساسيًا من الخطر الذي تحمله الأمطار، فالشبكات المدمّرة تعجز عن تصريف المياه، والركام يعيق جريانها والوصول إلى نقاط تجمعها، فيما يؤدي تعطل الصرف الصحي إلى اختلاطها بالمياه العادمة. وحين تحاصر هذه المياه الخيام، تتداخل خسارة المأوى مع تلوث البيئة المحيطة وتعذر التنقل والوصول إلى العلاج، ما ينقل أثر التدمير من لحظة الاستهداف إلى دورة متجددة من الأضرار الصحية والمعيشية.

ويضاعف منع الصيانة هذه النتائج، فالمضخة التي نجت من القصف قد تتوقف لنقص الوقود أو زيت المحرك، والشبكة القابلة للإصلاح تبقى معطلة إذا مُنع الأنبوب أو المولّد أو قطع الغيار. وقد حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قبيل المنخفض الأخير، من أن القيود الإسرائيلية على إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار تهدد خدمات المياه والصرف والصحة.[3] وبذلك يتكامل تدمير المنشأة مع تعطيل القدرة على تشغيل ما تبقّى منها.

هذا الترابط هو المدخل لفهم هندسة الواقع الإنساني في القطاع، فبعد إنتاج الخراب بالقوة العسكرية، يتيح التحكم بالمعابر والمواد والمعدات إطالة عمره، ويجعل استعادة الخدمات رهينة موافقات الاحتلال. وتنتقل السيطرة، تبعًا لذلك، إلى تفاصيل شديدة الاتصال ببقاء الناس، من كمية المياه التي يمكن ضخها إلى القدرة على سحب مياه الصرف من محيط خيمة.

تضييق الأرض وتعميق هشاشة النزوح

يتصل تدمير البنية التحتية بإعادة تشكيل الحيز الذي يُسمح للفلسطينيين بالعيش فيه. إذ أبقى ترتيب الانسحاب إلى ما سُمّي "الخط الأصفر" بعد اتفاق تشرين الأول/أكتوبر 2025 نحو 53% من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، ثم رافقت تحريك العلامات الميدانية غربًا توسيع هذه السيطرة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2026، أشار المجلس النرويجي للاجئين، استنادًا إلى بيانات أممية، إلى تقييد الفلسطينيين ضمن نحو 35% من مساحة القطاع.[4] ما يكشف اتجاهًا مستمرًا نحو تضييق الحيز المتاح للسكان في الوقت الذي يقول فيه 70% من إجمالي الأراضي في قطاع غزة.

وتظهر آثار هذا التضييق في الاكتظاظ داخل مواقع النزوح، وتراجع فرص اختيار مكان أقل خطرًا، وصعوبة الوصول إلى الأراضي والمساكن التي يمكن إصلاحها. ومع فقدان البيت والدخل ووسيلة النقل، تصبح قدرة الأسرة على الانتقال محدودة، حتى حين تدرك أن موقع خيمتها معرّض للغرق، لذلك يصعب فصل مخاطر مواقع النزوح عن أوامر الإخلاء والقيود العسكرية التي أسهمت في دفع السكان إليها وإبقائهم داخل نطاقات ضيقة.

وقد قدّرت الأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2026 وجود نحو 950 ألف نازح في مواقع متوسطة أو مرتفعة التعرّض للفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مواقع مرتفعة الخطر. وربطت صعوبة الاستعداد للشتاء بنقص المعدات والمواد، والقيود على الوصول إلى أراضٍ مناسبة، وغياب بدائل قابلة للتنفيذ لنقل السكان.[5] وهذه المعطيات تبيّن أن الخطر معروف مسبقًا، وأن تفاديه يتطلب تغيير الشروط التي تحكم مكان الإقامة وإمكانات تأهيله.

ويترتب على ذلك أثر سياسي مباشر، فكلما ضاقت المساحة الآمنة وتدهورت شروط الإقامة فيها، ارتفعت كلفة البقاء. وهو ما يحسم أن استدامة الهشاشة هي بحد ذاتها ضغطًا على الوجود الفلسطيني في القطاع؛ إذ يُدفَع الإنسان إلى المفاضلة اليومية بين التمسك بمكانه وحماية أطفاله من خطر متكرر، ضمن خيارات صنع الاحتلال جانبًا حاسمًا من حدودها.

استهداف القدرة على الإنقاذ والتعافي

تتضح حلقة أخرى من هذه السياسة في استهداف الأدوات التي يحتاجها المجتمع لمواجهة الكارثة، فالجرافة وشاحنة شفط المياه ومركبة جمع النفايات تؤدي وظائف مترابطة في فتح الطرق ورفع الركام وصيانة الصرف وحماية الصحة العامة. وتدميرها يترك أحياء كاملة أمام أخطار تتجاوز الموقع الذي وقع فيه القصف، ويحدّ من قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة لأي طارئ لاحق.

وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قصف قوات الاحتلال أكثر من ثلاثين جرافة وآلية ثقيلة في غزة وشمالها وخانيونس يومَي 21 و22 نيسان/أبريل 2025، بينها معدات أُدخلت خلال التهدئة. وأوضح أن الآليات المستهدفة شملت معدات ضرورية لإزالة النفايات وصيانة الصرف وإمدادات المياه.[6] وتكشف هذه الواقعة كيف امتد الاستهداف إلى القدرة المادية على معالجة آثار الحرب نفسها.

وفي المقابل، شهد تشرين الأول/أكتوبر 2025 إدخال معدات مصرية للمشاركة في البحث عن جثامين الأسرى الإسرائيليين تحت الركام.[7] وتكشف هذه الواقعة قابلية تغيير ترتيبات إدخال المعدات حين تتوافر الإرادة السياسية وهو ما بقي مرتبطًا بحاجات الاحتلال وأولوياته، بينما تبقى احتياجات الفلسطينيين إلى انتشال ذويهم وإزالة الأخطار وإصلاح الخدمات خاضعة للقيود.

تظهر نتيجة هذا التجريد عند كل منخفض جوي، فقد تصل طواقم الدفاع المدني إلى الأسرة المحاصرة بالمياه، لكنها تفتقر إلى مأوى بديل تنقلها إليه، أو إلى مضخة ووقود يمنعان تكرار الغرق. وتُستنزف الطواقم في إنقاذ عاجل يعقبه عودة الناس إلى الظروف نفسها. ومع تكرار ذلك، تُستهلك قدرة المجتمع على الصمود، ويصبح غياب التعافي عاملًا يضاعف أثر كل أزمة جديدة.

تعطيل الإيواء وتحويل المؤقت إلى إقامة مفتوحة

كان يفترض أن يتيح وقف إطلاق النار انتقالًا سريعًا من الخيام المهترئة إلى ترتيبات إيواء أكثر حماية، بالتوازي مع إصلاح المساكن والخدمات القابلة للاستعادة، غير أن استمرار القيود أبقى أعدادًا واسعة من الفلسطينيين داخل حلول طارئة تتآكل بمرور الوقت. ويتحوّل وصف "المؤقت" هنا إلى إقامة مفتوحة، لا يملك أصحابها موعدًا للخروج منها أو الأدوات اللازمة لتحسينها.

وفي 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أفاد المجلس النرويجي للاجئين بأن السلطات الإسرائيلية تسمح بخمس عشرة شاحنة أسبوعيًا فقط من المواد المصنفة "مزدوجة الاستخدام" عبر الأردن لجميع القطاعات الإنسانية، مع تخصيص يوم واحد أسبوعيًا لتفريغها في كرم أبو سالم. وتشمل التصنيفات مواد أساسية للإيواء، مثل الخيام والشوادر والأخشاب والإسمنت والأدوات والحبال. وقدّر المجلس أن إدخال ما لا يقل عن خمسمائة حمولة شاحنة من مواد الإيواء الموجودة ضمن خطط الإمداد سيستغرق أكثر من سبعة أشهر وفق الوتيرة القائمة، حتى في أفضل الظروف.[8]

تُظهر مقارنة هذه المدة بموعد الشتاء أثر القيود بصورة مباشرة، فالمادة التي تصل بعد انقضاء الأشهر الأشد بردًا تكون قد فقدت جزءًا أساسيًا من وظيفتها الوقائية. وفي 9 تشرين الأول/أكتوبر، حذّرت المنظمة الدولية للهجرة من أن قرابة مليوني شخص يحتاجون إلى مساعدات إيواء، وأن خط الإمداد المشترك للشركاء يغطي بالكاد 17% من احتياجات الشتاء المحددة، مع استمرار قيود الإدخال ونقص التمويل.[9]

وقبيل الأمطار الأخيرة، أفاد التقييم الأممي بأن الاحتياجات المتبقية تشمل نحو 121 ألف خيمة و561 ألف شادر و1.7 مليون فراش، فيما لا يتوافر داخل القطاع سوى نحو 2800 خيمة، وتغيب حزم الإيواء الطارئ عن المخزون مع استمرار رفض إدخال الأخشاب.[10] ويبيّن حجم الفجوة أن فقدان الخيمة أو تلفها قد يترك الأسرة بلا بديل متاح، ويجعل كل منخفض استنزافًا إضافيًا لما تبقّى من وسائل الاحتماء ما يجعل الزمن هو أداة مستمرة من الإهلاك لما هو متبقي وقائم.

الطقس بوصفه مضاعفًا للموت

في هذا الواقع، يصبح الطقس عاملًا يكشف نتائج السياسات السابقة ويضاعفها، فالبرد يصل إلى أجساد أنهكها سوء التغذية والمرض والنزوح، والمطر يغمر مأوى يفتقر إلى العزل والتصريف، والرياح تضرب خيامًا فقدت متانتها ولا تُشكل أي قدرة جدية على مواجهة العوامل الجوية، وقد حذّرت منظمة إنقاذ الطفولة في كانون الثاني/يناير 2026 من وفيات مرتبطة بالبرد وانهيار المباني، ومن أن غياب المعدات والمواد اللازمة لإعادة البناء جعل الحياة في القطاع بالكاد قابلة للاستمرار.[11]

وتتجاوز الخسارة لحظة غرق الخيمة، فابتلال الأغطية والفُرش يحرم الأسرة من النوم والتدفئة، وتلوث المياه يزيد احتمالات العدوى، وتعطل الطرق يعرقل الوصول إلى المرافق الصحية. وتكون هذه الأخطار أشد على الرضّع وكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة. ومع تهالك الخدمات، قد تتحول حالة مرضية قابلة للعلاج إلى تهديد للحياة، وتتراكم آثار لا تختصرها حصيلة الضحايا المباشرة للمنخفض.

وبالتالي فإن نسبة هذه النتائج إلى "سوء الأحوال الجوية" وحده تفصلها عن أسبابها السياسية والمادية، فالمطر لا يهدم شبكة الصرف التي سبق قصفها، والبرد لا يقرر منع دخول مواد الإيواء. وما يحوّل الظاهرة الجوية إلى تهديد واسع هو اجتماع تدمير وسائل الحماية مع تقييد البدائل واستمرار المنع رغم التحذيرات. وهذا هو المعنى الرئيسي الذي تنشد الورقة تحليله وتسليط الضوء عليه من استراتيجية "هندسة الموت البطيء" التي ترتكز على إنتاج ظروف تستنزف حياة السكان، ثم إبقاؤهم معرضين لنتائجها المتوقعة.

وتحمل هذه القراءة أساسًا قانونيًا يتصل بالمادة الثانية، الفقرة "ج"، من اتفاقية منع الإبادة الجماعية، التي تشمل ضمن الأفعال المكوّنة للجريمة فرض أحوال معيشية على الجماعة يُقصد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا، مع اشتراط القصد الخاص الوارد في تعريف الجريمة. وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة في أيلول/سبتمبر 2025 إلى ارتكاب السلطات والقوات الإسرائيلية أفعال إبادة في غزة، شملت فرض ظروف الحياة المدمّرة.[12]

خطاب المساعدات وإخفاء استمرار الكارثة

يترافق إنتاج هذا الواقع مع خطاب إسرائيلي يوظف أرقام دخول الشاحنات لإظهار تحسن الأوضاع، وتكمن المشكلة في تحويل حركة البضائع عبر المعابر إلى بديل عن قياس ما يصل إلى السكان ومدى كفايته، فقد تدخل شاحنة تجارية بينما تعجز الأسرة عن شراء محتوياتها، أو تصل أغذية أو منتجات استهلاكية مع استمرار نقص الأدوية ومواد الإيواء، كما أن إدخال شادر لا يعادل توفير مسكن يحمي من المطر والبرد.

وفي تفنيد نشرته منظمة اللاجئين الدولية في نيسان/أبريل 2026، أوضحت أن الادعاءات الإسرائيلية بشأن دخول ما بين 600 و800 شاحنة يوميًا تدمج البضائع التجارية بالمساعدات الإنسانية. وقدّرت المنظمة وشركاؤها، استنادًا إلى بيانات أممية، متوسط الشاحنات المنسقة أمميًا بنحو 110 يوميًا خلال الفترة التي تناولها تحليلها.[13]

ولا يجوز تحويل تحسن جزئي في أحد القطاعات إلى استنتاج بأن الكارثة انحسرت، فمقياس التحسن هو قدرة الأسرة على الحصول على مياه آمنة وعلاج ومأوى ملائم، وقدرة المؤسسات على تشغيل الخدمات وصيانتها. ويؤدي اختزال النقاش في أعداد الشاحنات إلى إبعاد هذه الأسئلة، ويتيح فصل صورة "الإغاثة الجارية" عن واقع الحرمان المستمر.

ويتصل ذلك بطريقة تلقّي اتفاق وقف إطلاق النار دوليًا. فمرور أكثر من عام على الاتفاق لا يضمن تلقائيًا انخفاض الأخطار الإنسانية ما دامت شروطها مستمرة. وكلما تراجع الاهتمام بغزة، اتسعت إمكانية التعامل مع الخيمة والغرق ونقص العلاج باعتبارها واقعًا اعتياديًا، إذ يعمل عندها الزمن لمصلحة إدامة الكارثة، وتتراجع كلفة استمرارها السياسية على الاحتلال.

ختامًا، استعادة شروط الحياة بوصفها أولوية فلسطينية

تكشف الحلقات السابقة عن تكامل بين تدمير مقومات الحياة وتعطيل استعادتها. فالأرض المتاحة تضيق، والمأوى يتآكل، والخدمات تفقد قدرتها على العمل، وأدوات الإصلاح تبقى رهينة القيود. وتمنح هذه المنظومة أثر الحرب امتدادًا يتجاوز وتيرة القصف، وتُبقي الفلسطينيين أمام أخطار تتجدد مع الفصول وتراكم الإنهاك وتحول حتى العوامل الطبيعية إلى سبب في زيادة تعميق الكارثة. وبالتالي فإن أي تقييم لوقف إطلاق النار ينبغي أن يقيس مقدار ما أزاله من شروط الموت، إلى جانب ما خفّضه من العنف المباشر.

وتفرض هذه القراءة أولوية فلسطينية في التوثيق والخطاب العام، تقوم على ربط الضرر بأسبابه القابلة للإثبات. ويشمل ذلك تسجيل حالات الغرق وانهيار المساكن والمرض والوفاة، وتوثيق وضع الخدمات والمعدات وطلبات إدخال المواد وقرارات منعها. ويساعد هذا الربط على بناء ملفات قانونية وإعلامية تشرح كيف أسهمت سياسات الاحتلال في إنتاج الخطر وتعطيل الوقاية منه، مع إبقاء كل واقعة مرتبطة بما يتوافر بشأنها من أدلة.

وعلى المستوى العملي، تتقدم المطالبة بتنفيذ تدابير محكمة العدل الدولية، ولا سيما أمر 28 آذار/مارس 2024 الذي ألزم الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ تدابير فعالة لضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية دون عوائق وعلى نطاق واسع، وشمل صراحة المأوى والملبس والوقود ومستلزمات النظافة والصرف الصحي.[14] وما يتطلبه ذلك من ترجمة في إدخال معدات الإنقاذ والترميم ومواد الإيواء، وتأمين وصول الطواقم إلى مواقع العمل، ورفع القيود التي تمنع السكان من الوصول الآمن إلى مساكنهم وأراضيهم.

وتحتاج هذه المطالب إلى التزامات محددة ومواعيد تنفيذ وآلية معلنة لمتابعة المنع والتأخير، بالتوازي مع تمويل الاستجابة الشتوية وتمكين المؤسسات الفلسطينية من استعادة الخدمات. وتظل حماية الناس عاجلًا مرتبطة بحقهم في التعافي وإعادة الإعمار والبقاء في أرضهم؛ إذ يتيح استمرار حرمانهم من هذه الشروط تحويل النجاة اليومية إلى وسيلة ضغط متواصلة على وجودهم.

إن استعادة الحد الأدنى من الحياة في قطاع غزة جزء من مواجهة استدامة الإبادة، فالاحتلال الذي دمّر وسائل الحماية وأعاق إصلاحها يتحمل المسؤولية عن النتائج التي تنتجها سياساته، ويتعين إبقاء هذه المسؤولية حاضرة عند كل خيمة تغرق وكل خدمة تتوقف. ومع دخول الشتاء الرابع، يصبح كسر دائرة التدمير والمنع، وإعادة القدرة للفلسطينيين على حماية حياتهم وبناء مستقبلهم في أرضهم، معيارًا لأي تحرك جاد لإنهاء الكارثة.

 

[1] داود أبو الكاس ونضال المغربي، "أمطار غزيرة تغمر خيام النازحين في غزة ونقص المساعدات يعرقل الاستجابة"، رويترز، 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. الأرقام منسوبة إلى المكتب الإعلامي الحكومي والدفاع المدني. https://2u.pw/HveYjf

[2] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، "تحديث الوضع الإنساني وتحليل الاستجابة لاحتياجات الأطفال في منتصف عام 2026"، 17 تموز/يوليو 2026. https://2u.pw/2yM2fd  

[3] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، "تقرير الحالة الإنسانية في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026"، نشر في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. https://2u.pw/RHaG4P  

[4] "بين الخطين الأصفر والبرتقالي"، 13 أيار/مايو 2026؛ المجلس النرويجي للاجئين، "غزة: القيود الإسرائيلية تعني أن إدخال مواد الإيواء الشتوية سيستغرق أكثر من سبعة أشهر"، 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026. https://2u.pw/D04miS  ؛ https://2u.pw/bQNzsF

[5] أوتشا، "تقرير الحالة الإنسانية في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026"، قسم المأوى والنزوح والاستعداد لفصل البرد والأمطار. https://2u.pw/TBaQslV

[6] أوتشا، "تحديث الاستجابة الإنسانية في غزة، 13–26 نيسان/أبريل 2025"، 29 نيسان/أبريل 2025، قسم المياه والصرف الصحي والنظافة. https://2u.pw/zWQEqL

[7] يورونيوز، "حماس توسع البحث عن جثامين الأسرى في غزة مع انضمام مصر إلى الجهود"، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2025. https://2u.pw/GfKfDY

[8] المجلس النرويجي للاجئين، "غزة: القيود الإسرائيلية تعني أن إدخال مواد الإيواء الشتوية سيستغرق أكثر من سبعة أشهر"، 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026. ترتبط تفاصيل مسار الأردن ووتيرة الإدخال بتاريخ البيان. https://2u.pw/bQNzsF

[9] المنظمة الدولية للهجرة، "قرابة مليوني شخص في غزة يحتاجون إلى مساعدات إيواء عاجلة مع اقتراب الشتاء"، 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026. https://2u.pw/j5LyYE  

[10] أوتشا، "تقرير الحالة الإنسانية في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026"، قسم فجوات الإمداد والاستعداد لفصل البرد والأمطار؛ تقديرات مجموعة المأوى للاحتياجات بتاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر. https://2u.pw/RHaG4P

[11] منظمة إنقاذ الطفولة، "أطفال في غزة يموتون بسبب البرد وانهيار المباني فيما تنهش الظروف الحياة اليومية"، 14 كانون الثاني/يناير 2026. https://2u.pw/JFD6aG

[12] الأمم المتحدة، اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، 9 كانون الأول/ديسمبر 1948، المادة الثانية؛ لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، ورقة A/HRC/60/CRP.3، 16 أيلول/سبتمبر 2025. نتائج اللجنة تحقيق أممي مستقل. https://2u.pw/aOTaag ؛ نص الاتفاقية  https://2u.pw/gh4IVV

[13] ناتاشا هول، "بعد ستة أشهر من وقف إطلاق النار في غزة: تصحيح المعلومات بشأن المساعدات"، منظمة اللاجئين الدولية، 7 نيسان/أبريل 2026. الأرقام تخص الفترة التي يعالجها التحليل. https://2u.pw/XmUtM1

[14] محكمة العدل الدولية، تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة (جنوب أفريقيا ضد إسرائيل)، أمر التدابير المؤقتة، 28 آذار/مارس 2024، الفقرة 51 (2) (أ). https://2u.pw/b9kJmm