لم يُفضِ انتهاء حرب الأيام الاثني عشر بين إيران و"إسرائيل" إلى إغلاق ملف المواجهة، بقدر ما نقل الصراع إلى مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا، عنوانها غياب الحسم وتراكم عوامل الضغط. فالحرب التي سعت "إسرائيل" والولايات المتحدة لتقديمها بوصفها جولة ناجحة في كبح القدرات الإيرانية، انتهت عمليًا دون تحقيق اختراق استراتيجي حاسم، ما أبقى احتمالات التصعيد قائمة، وربما أكثر خطورة من ذي قبل.
في هذا السياق، تتقاطع مجموعة من المؤشرات السياسية والعسكرية التي تعيد المواجهة إلى الواجهة. فمن جهة، تشهد العلاقة بين "تل أبيب" وطهران تصعيدًا متبادلًا في الخطاب والتهديدات، يتزامن مع استعدادات ميدانية وتحركات عسكرية لا يمكن فصلها عن الحسابات السياسية الداخلية، خصوصًا مع اقتراب زيارة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، وما تحمله من ملفات ضاغطة تتعلق بغزة وسوريا ومستقبل التهدئة الإقليمية.
ومن جهة أخرى، أظهرت الحرب الأخيرة أن البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني بات يشكل تهديدًا قائمًا بذاته، يتجاوز أولوية الملف النووي التي سيطرت على الخطاب الإسرائيلي لسنوات. فقد كشفت الجولة القتالية قدرة إيران على إحداث أضرار ملموسة في العمق الإسرائيلي، حتى باستخدام عدد محدود نسبيًا من الصواريخ، ما أعاد طرح سؤال الكلفة والقدرة على التحمل داخل "إسرائيل". وفي المقابل، تعمل طهران على إعادة ترميم بنيتها الصاروخية والدفاعية، في مسار تعافٍ تدريجي، لكنه كافٍ لإبقاء ميزان الردع في حالة سيولة.
التقديرات الاستخباراتية "الإسرائيلية" تشير إلى أن إيران استعادت جزءًا من خطوط إنتاجها الصاروخية، وتسعى لتحديث منظومات الدفاع الجوي، فيما تتابع تل أبيب هذه التحركات بقلق متزايد، وتضعها في خانة "التهديد الآخذ بالتراكم" لا "التهديد الفوري". هذا التوصيف بحد ذاته يعكس مأزقًا استراتيجيًا: فالتحرك المبكر قد يقود إلى حرب واسعة غير مضمونة النتائج، فيما الانتظار يمنح إيران وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراتها.
في هذا السياق، تبدو العقيدة الأمنية "الإسرائيلية"، في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، عاجزة عن التكيّف مع منطق الانتظار ورصد تشكّل معادلات جديدة قائمة على مراكمة القوة أو ترميم الأضرار. وهو ما يفرغ جزءًا كبيرًا من الجهد الحربي الإسرائيلي خلال العامين المنصرمين من مضمونه الفعلي، ويعيد المشهد إلى مقاربة إحاطة الأراضي المحتلة بـ"هلال من نار"، مع انكفاء الموجة الهجومية الإسرائيلية. هذا التحول يضع الحسابات الاستراتيجية "الإسرائيلية" أمام تعقيد متزايد، لا تنفصل عنه الحسابات السياسية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، التي تميل بدورها إلى تفادي هذا المسار أو القفز فوقه عبر التصعيد.
على المستوى السياسي، يبرز تقارب متجدّد بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في مقاربة الملف الإيراني، وهو تقارب عزّزته أيضًا استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي تُصنّف "الخطر الإيراني" بوصفه التهديد الأبرز في الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن يوظّف نتنياهو هذا "الخطر" كورقة ضغط ومقايضة في مواجهة الضغوط الأميركية، سواء لتخفيف الإلحاح على ملفي غزة وسوريا، أو لتبرير أي تنازلات محتملة أمام جمهوره الداخلي باعتبارها ثمنًا لدعم أميركي أوسع في مواجهة طهران.
في المقابل، لا تبدو إيران معنيّة حتى الآن بخوض مواجهة مباشرة جديدة، إذ إن عامل الزمن يعمل لصالحها في ترميم قدراتها الصاروخية والدفاعية، ومعالجة الثغرات الأمنية التي كشفتها الحرب الأخيرة. لكنها، في الوقت ذاته، لا ترغب في تكرار سيناريو تلقّي الضربة الأولى كما حدث سابقًا. ويُفضي هذا الإدراك المتبادل، القائم على الشك وانعدام الثقة، إلى مشهد يقوم على توازن ردع هشّ، تُضخَّم فيه الإشارات والتسريبات والتقديرات الإعلامية، أحيانًا، أكثر مما تفعل التحركات العسكرية الفعلية.
الخطورة في هذه المرحلة لا تكمن في وجود قرار حرب واضح لدى أي من الطرفين، بل في احتمال الانزلاق إلى المواجهة نتيجة سوء تقدير، أو قراءة خاطئة لتحركات الطرف الآخر، أو توظيف سياسي مفرط للتهديدات. ففي بيئة إقليمية مشبعة بالتوتر، ومفتوحة على أكثر من جبهة، قد يكون خطأ واحد كافيًا لتحويل الحرب المؤجلة إلى واقع مفروض، لا يريده أحد، لكنه قد يندلع رغم ذلك.