في داخل سجون الاحتلال "الاسرائيلي"، باتت سياسة "الإعدام البطيء" بحق الأسرى الفلسطينيين أحد أكثر الأساليب القمعية والمبتكرة على مستوى العالم، إذ لا يقتصر التعذيب على الاعتقال نفسه، بل يمتد إلى استنزاف حياة الإنسان تدريجيًا عبر منظومة متكاملة من الإجراءات الممنهجة.
تبدأ هذه السياسات بالإهمال الطبي المتعمد والتجويع والحرمان من أبسط مقومات الحياة اليومية، مرورًا بالعزل الانفرادي المستمر، وصولًا إلى الضرب الممنهج والتقييد المتكرر، لتتحول حياة الأسير إلى معركة مستمرة للبقاء، ويصبح البقاء على قيد الحياة هدفًا أصعب من المعتاد.
وفي هذا السياق، تبرز محاولات إسرائيل تمرير قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بوصفها خطوة متأخرة قياسًا بما يجري فعليًا داخل السجون، إذ إن سياسات القتل لم تعد بحاجة إلى غطاء تشريعي جديد، بعدما جرى تنفيذها عمليًا منذ سنوات عبر الإعدام البطيء والمنهجي. وخلال العامين الأخيرين، شهدت هذه السياسات تصاعدًا ملحوظًا وواضحًا من حيث القسوة والوتيرة وعدد الضحايا، فيما يعتبر هذا محاولة لإضفاء شرعنة قانونية على واقع قائم ومتصاعد.
لم تعد هذه الممارسات مجرد تجاوزات فردية أو حالات عابرة، بل تحولت إلى سياسة منهجية تتبعها مؤسسات الاحتلال، تستهدف استنزاف القوى البدنية والنفسية للأسرى، وتحطيم إرادتهم وكسر الروح الوطنية، عبر سوء التغذية، ونشر الأمراض، وحرمان الأسرى من التواصل والأنشطة الثقافية والزيارات والخروج إلى "الفورة"، ما يترك أثرًا طويل المدى على صحتهم الجسدية والنفسية ويشكل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان والقوانين الدولية.
تجسّد هذا الواقع المأساوي مؤخرًا باستشهاد الأسير صخر زعول، المعتقل إداريًا منذ 11 يونيو/حزيران 2025 في سجن عوفر وسط الضفة الغربية المحتلة، وهو ثاني أسير يستشهد داخل السجون الإسرائيلية خلال الأسبوع الماضي بعد استشهاد المعتقل الإداري عبد الرحمن السباتين، ما يؤكد استمرار سياسة القتل البطيء وانتهاكاتها الممنهجة. ويأتي ذلك فيما سجّلت الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال الحصيلة الأعلى تاريخيًا، لتشكّل هذه المرحلة الأكثر دموية منذ العام 1967، ليرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة المعلومة هوياتهم إلى 322، علمًا بأن عشرات آخرين من معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري.
إن الأثر الإنساني لهذه السياسات يتجاوز الفرد ليصل إلى المجتمع ككل، إذ تضع الأسرى وعائلاتهم تحت ضغط مستمر، وتغيّب القيادة المجتمعية في الحركة الوطنية الفلسطينية، بينما يتحول السجن إلى أداة للتحكم في الوعي وفرض الرعب وتقويض المقاومة، ليصبح ملف الإعدام البطيء، بما يحمله من واقع ممارس ومحاولات تقنين لاحقة، في قلب المعركة الحقوقية والسياسية، ويطرح أسئلة ملحة عن المسؤولية الدولية وفاعلية الضغوط السياسية والقانونية لوقف هذه الممارسات.
خلفية تاريخية
بدأت سياسات معاملة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967، عندما أصبحت الاعتقالات جزءًا من إدارة الاحتلال للمجتمع الفلسطيني. منذ ذلك الحين، وثقت منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية حالات الإهمال الطبي، سوء المعاملة، والظروف القاسية داخل السجون، والتي تعتبر جزءًا من السياسات العقابية تجاه الأسرى المرضى والمحتجزين لفترات طويلة.
يوضح الأسير المحرر المبعد والكاتب كميل أبو حنيش أن السجن يستخدمه أي استعمار في محاولة ترويض الشعوب المستعمَرة، وكسر إرادتهم، وأن تجربة الأسرى الفلسطينيين، لا سيما منذ عام 1967، مرت بمحطات متعددة يمكن تقسيمها إلى مرحلتين أساسيتين: ما قبل السابع من أكتوبر وما بعده. ويستعيد أبو حنيش محطات أواخر الستينيات والسبعينيات، فيما كان هناك إعدامات مباشرة، إذ كان يُعتقل أسرى ويجري إعدامهم بشكل فوري، وأيضًا جرى قتل العديد من الأسرى الفلسطينيين أثناء التعذيب في التحقيق، قبل أن تتطور سياسات الاحتلال لاحقًا إلى ما بات يُعرف بالإعدام البطيء.
ويضيف أن الاحتلال، الذي كان قبل سنوات يسلّم جثامين الأسرى الشهداء، انتهج منذ عام 2014 سياسة احتجاز الجثامين، في سياق السيطرة على الجسد الفلسطيني وإذلاله، قبل أن تتخذ هذه السيطرة أشكالًا أكثر حداثية، مثل التعذيب النفسي. أما ما بعد السابع من أكتوبر، فيصفه بأنه مرحلة عصيبة وغير مسبوقة، شهدت القتل المباشر؛ فهناك من استشهد نتيجة الضرب المبرح، وهناك من استشهد نتيجة التجويع، ونتيجة البرد، ونتيجة الأمراض الجلدية، إضافة إلى حالات حاول فيها بعض الأسرى الانتحار، لأن الضغوط النفسية دفعت بعضهم إلى الخلاص من حياته، في ظل أجواء توتر ممنهجة.
وفي قراءته للسياق التاريخي الأوسع لهذه السياسات، يؤكد أبو حنيش أنه أينما حل الاستعمار حل العنف والدمار، مشددًا على أن حتى استخدام مصطلح الاستعمار يستدعي التحفظ، لأنه لم يأت ليعمر هذه البلاد، بل جاء ليخربها، موضحًا بأنه جاء ليُبيد سكانها كما حدث في الأمريكيتين وأستراليا، أو ليستعبد أهلها كما حدث في جنوب أفريقيا. ويشير إلى أنه في التجربة الصهيونية الحالية، الاحتلال يسعى إلى استغلال الشعوب وتدميرها والانتقام منها دائمًا، موضحًا أن السجون في هذه التجارب الاستعمارية كانت أداة لاستلاب السكان الأصليين، وإذلالهم، وإخضاعهم، وترويضهم، وتحويلهم إلى عبيد.
قتل مع سبق الإصرار وسياقات متعددة
تُشكل سياسة "الإعدام البطيء" واحدة من أخطر السياسات التي تمارسها سلطات الاحتلال داخل السجون، حيث لا يقتصر القتل على الفعل المباشر، بل ينفذ عبر الزمن، والإهمال الطبي المتعمد، وإطالة فترات الاعتقال، وتحويل السجن إلى بيئة استنزاف جسدي ونفسي تنتهي بالموت. في هذا السياق، يتجاوز استشهاد الأسرى كونه نتيجة ظروف قاسية، ليعكس نمطًا من العقاب الممنهج الذي يستهدف الأسرى الفلسطينيين كجزء من سياسة دولة قائمة على الانتقام وكسر الإرادة.
ويشرح أبو حنيش أن الشكل الثاني للإعدام البطيء يتمثل في السنوات الطويلة التي يقضيها الأسير في السجن، فتتراكم لديه الأمراض العضوية والأمراض النفسية، ما أدى إلى استشهاد عشرات الأسرى، إلى جانب الإهمال الطبي المتعمد الذي طال الحالات المرضية الصعبة، مفضيًا إلى موتهم داخل السجون، ويديم احتجاز الأسير لسنوات طويلة ويرفض الإفراج عنه مهما كانت الظروف، فيستشهد.
يوضح الأسير أبو حنيش أن الاحتلال، الذي كان هدفه من السجن الانتقام من الشعب الفلسطيني، ومحاولة تركيعه، ومحاولة قتل أبنائه، حاول لفترة طويلة إلباس هذه السياسة قناعًا ليبراليًا أو إنسانيًا، ومحاولة للظهور بمظهر من يحافظ على الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للأسرى الفلسطينيين، إلا أن هذا القناع سقط كليًا بعد السابع من أكتوبر، حين اتخذت السياسة طابعًا ممنهجًا وبشكل معلن على لسان الحكومة الإسرائيلية، وأكثر تحديدًا الوزير إيتمار بن غفير.
وفي توصيفه لسياسة "الإعدام البطيء" بوصفها سياسة دولة ممنهجة وليست ممارسات فردية أو استثنائية، يؤكد الأسير المحرر أبو حنيش أن الدولة هي صاحبة القرار في هذا الجانب، موضحًا أن مؤسسة أو مصلحة السجون الإسرائيلية هي مؤسسة دولية، ويفترض أن يكون فيها مستشار قضائي، وأن تكون هناك حقوق للأسرى الفلسطينيين، وهي معروفة ومكتوبة.ويشدد أبو حنيش على أن المقصود بقتل الأسرى هو وجود عمل ممنهج، ودؤوب، ومدروس بعناية لقتل الأسرى الفلسطينيين.
أدوات القمع والأساليب الممنهجة
تتجسّد سياسة الإعدام البطيء داخل سجون الاحتلال عبر منظومة متكاملة من الأدوات والأساليب القمعية، التي لا تُمارَس بشكل عشوائي، بل تُنفَّذ وفق نمط ممنهج يستهدف استنزاف حياة الأسير جسديًا ونفسيًا. فيما تتحول أدوات القمع اليومية من العنف الجسدي والمداهمات، إلى التجويع، ونشر الأمراض، والإهمال الطبي، والعزل إلى وسائل قتل تدريجي، تراكم الأذى وتفضي في كثير من الحالات إلى استشهاد الأسرى، في إطار سياسة ثابتة تدار داخل منظومة السجون كجزء من العقاب الممنهج.
ويعدد الأسير المحرر والمبعد كميل أبو حنيش جملة من الممارسات التي تُستخدم بشكل ممنهج لتحقيق هذا الهدف، وفي مقدمتها الضرب. موضحًا أنه عندما يجري ضرب الأسير، إذا لم يمت أو يستشهد بشكل مباشر نتيجة هذا الضرب المبرح، فإنه يُصاب بعاهات وآلام تؤدي إلى وفاته أو استشهاده في وقت لاحق، بالإضافة إلى المداهمات ليل نهار، تنفذها فرق متخصصة في القمع، والرش بالغاز بشكل يومي، والحرمان الكامل من كافة الأدوات، ومصادرة فرشات الأسنان، وأدوات الحلاقة، والملابس، والأغطية، إلى جانب استخدام البرد كسياسة ممنهجة خلال الشتاء، ويتوقف أبو حنيش عند الإهمال الطبي والتجويع، الذي أدى إلى فقدان الأسرى عشرات الكيلوغرامات من أوزانهم، ونشر الأمراض لا سيما الأمراض الجلدية، بالاضافة لسياسة العزل الانفرادي.
استهداف العقل والوعي الجمعي
لا تقتصر سياسة الإعدام البطيء على استهداف الجسد داخل السجون، بل تمتد لتطال الوعي الفردي والجمعي، وتسعى إلى إعادة تشكيل صورة الأسير ومكانته في المخيال الوطني الفلسطيني، فيما البعد الأخطر لهذه السياسة، يتمثل في ضرب البنية النفسية للحركة الأسيرة، وتعميم الاستهداف دون تمييز، بما يحوّل معاناة الأسرى إلى أداة لكسر الإرادة الجماعية، وتطبيع فكرة موت الأسير أو إعدامه بوصفه أمرًا ممكنًا ومشرعنًا، في سياق سياسي وأمني يستهدف تفكيك المعنى النضالي للأسر داخل الوعي الوطني.
وفي شهادة حية عن واقع الاستهداف داخل السجون، يؤكد الأسير المحرر والمبعد كميل أبو حنيش أنه لم يكن هناك أي تمييز؛ فالكل كان مستهدفًا.
وفي تحليله لتأثير سياسات الاحتلال ما بعد الحرب على الحركة الأسيرة، يوضح الأسير المحرر والمبعد كميل أبو حنيش أن هذه السياسات أثرت على عموم الأسرى وعلى عموم الحركة الوطنية الفلسطينية، لأنها تهدف إلى كسر الإرادة الفلسطينية. وفي تعليقه على التحولات التي شهدتها سياسات الاحتلال بعد السابع من أكتوبر، يوضح أبو حنيش أن هذه السياسات تمهد لإعدام الأسرى بشكل مباشر، وتطبع فكرة موت الأسرى، وتشرعنها في الوعي العام الإسرائيلي والفلسطيني.
تقصير حقوقي
تكشف سياسة الإعدام البطيء عن فجوة عميقة بين ما ينص عليه القانون الدولي الإنساني وبين ما يُمارس فعليًا داخل سجون الاحتلال، حيث تُرتكب انتهاكات جسيمة بحق الأسرى في ظل غياب المساءلة. فيما يعتبر ما يحدث خرقًا واضحًا لقواعد حماية الأسرى وقت الحرب، وجرائم ترقى إلى جرائم حرب، في مقابل عجز المنظومة الحقوقية الدولية عن فرض الردع أو المحاسبة، نتيجة الحماية السياسية والتسييس الذي حوّل القوانين الدولية إلى نصوص معطلة أمام ممارسات ممنهجة.
وفي معرض حديثه عن الإطار القانوني، يؤكد الأسير المحرر والمبعد كميل أبو حنيش أن إسرائيل لم تلتزم بقواعد القانون الدولي، ولا حتى بالقوانين التي أقرتها هي نفسها، ويؤكد أن حالة الطوارئ أعطت الضوء الأخضر لأي ضابط أو سجان بأن يفعل ما يشاء لأنه محمي، فيما تنتهك هذه السياسات بشكل واضح القانون الدولي الخاص بحماية الأسرى وقت الحرب. ويضيف أن منع العلاج، وحرمان الأسير من الغذاء الكافي، وقتله دون سبب، كلها تُعد جرائم حرب.
في قراءته لأسباب عجز المنظومة الدولية، يوضح أن إسرائيل محمية سياسيًا من الولايات المتحدة، ما يُفشل أي محاسبة دولية، ويخلص إلى أن هذه المنظومة الحقوقية الدولية فشلت في ردع الاحتلال، رغم التوثيق المتكرر، بسبب التسييس والحماية السياسية.
خلاصة:
تُظهر شهادة الأسير المحرر والمبعد كميل أبو حنيش مدى منهجية الاحتلال الإسرائيلي في ممارسة سياسة الإعدام البطيء بحق الأسرى الفلسطينيين، بدءًا من الضرب والتجويع والإهمال الطبي وصولًا إلى العزل والحرمان الكامل من الحقوق الأساسية، ما يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والإنساني. وتكشف المقابلة التي أجراها مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي معه أن هذه السياسات ليست ممارسات فردية، بل جزء من استراتيجية الدولة الممنهجة بقيادة الحكومة ووزير الأمن إيتمار بن غفير، تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وترويضه. كما أوضح أبو حنيش أن التغطية الإعلامية وحدها غير كافية، بل يجب توظيفها كأداة ضغط سياسي وقانوني على الصعيد الفلسطيني والدولي. ويشير إلى أهمية تنسيق الجهود الجموع الفلسطينية، الهيئات الحقوقية، والمؤسسات الدولية لمواجهة هذه الانتهاكات. ويختم بالتأكيد على أن صمود الحركة الأسيرة الفلسطينية ومساندة الشعب لها هما العاملان الرئيسيان لمواجهة هذه السياسات وتحقيق انتصارات مستقبلية.