في الأسبوع الثاني عشر من اتفاق وقف إطلاق النار، وخلال الفترة الممتدة من 27 كانون الأول/ديسمبر 2025 وحتى 2 كانون الثاني/يناير 2026، واصل الاحتلال الإسرائيلي إدارة عدوانه على قطاع غزة تحت غطاء التهدئة، عبر نمط متواصل من الانتهاكات الميدانية بلغ 237 انتهاكًا إسرائيليًا خلال أسبوع واحد.
وتنوّعت هذه الانتهاكات بين القصف المدفعي والجوي، وإطلاق النار المباشر من الآليات العسكرية والطائرات المسيّرة والزوارق الحربية، إلى جانب التوغلات البرية المحدودة، وعمليات النسف والتدمير، والاستهداف المباشر للمدنيين وخيام النازحين، بما أبقى القطاع في حالة استنزاف يومي، وحال دون أي ترجمة فعلية لمفهوم وقف إطلاق النار على الأرض.
وفي هذا السياق، يأتي هذا التقرير الصادر عن برنامج الرصد والتوثيق في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي ليقدّم قراءة وصفية معمّقة للمعطيات الميدانية الواردة في جداول الرصد اليومية، لا بوصفها أحداثًا متفرقة، بل كجزء من نمط منهجي يعكس طريقة إدارة الاحتلال لمرحلة ما بعد الحرب، وسعيه إلى تثبيت وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء التهدئة.
أبرز المعطيات الرقمية للانتهاكات خلال الأسبوع الثاني عشر
تعكس المعطيات الرقمية الواردة في جداول الرصد اليومي حجم الانتهاكات الإسرائيلية المرتكبة خلال الفترة الممتدة من 27 كانون الأول/ديسمبر 2025 وحتى 2 كانون الثاني/يناير 2026.
ووفقًا لبيانات برنامج الرصد والتوثيق في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، فقد سُجّل خلال هذه الفترة ما مجموعه:
- إجمالي الانتهاكات: 237 انتهاكًا.
- عدد الشهداء: 7 شهداء.
- عدد الجرحى: 33 جريحًا.
وتوزعت هذه الانتهاكات على النحو الآتي:
- إطلاق نار مباشر: 88 حالة.
- قصف مدفعي: 52 حالة.
- عمليات استهداف مباشر: 31 حالة.
- عمليات نسف وتفجير: 21 عملية.
- توغلات برية محدودة: 5 حالات.
وعلى المستوى الجغرافي، سُجّل أعلى عدد من الانتهاكات في محافظة خان يونس (59 انتهاكًا)، تلتها محافظة غزة (54 انتهاكًا)، ثم المنطقة الوسطى (48 انتهاكًا)، وشمال قطاع غزة (42 انتهاكًا)، ومحافظة رفح (34 انتهاكًا).
وتُظهر هذه الأرقام وتيرة شبه يومية للانتهاكات، وتنوّعًا واضحًا في أدواتها وأساليبها، بما يعكس نمطًا ثابتًا من إدارة العنف وليس أحداثًا طارئة أو استثنائية.
أنماط الانتهاكات وأدواتها
أولًا: القصف المدفعي والجوي: واصل الاحتلال تنفيذ قصف مدفعي متكرر استهدف أحياء سكنية وأراضٍ مفتوحة وأطراف بلدات ومخيمات، لا سيما في المناطق الشرقية من محافظات غزة وخان يونس وشمال القطاع. وقد تسببت هذه العمليات بأضرار واسعة في الممتلكات والبنية التحتية، إلى جانب سقوط شهداء وجرحى.
ثانيًا: إطلاق النار والاستهداف المباشر: سجّلت فرق الرصد عشرات حالات إطلاق النار المباشر من الآليات العسكرية والطائرات المسيّرة، طالت منازل المواطنين وخيام النازحين ومناطق تجمع المدنيين، في سياق يهدف إلى إبقاء حالة الخطر وعدم الاستقرار، ومنع عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية، خصوصًا في المناطق المحاذية لما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
ثالثًا: التوغلات البرية وإعادة تشكيل الوقائع: شهد الأسبوع الثاني عشر عدة توغلات برية محدودة، ترافقت مع أعمال تجريف ووضع مكعبات إسمنتية صفراء وإنشاء سواتر ترابية، في إطار سعي الاحتلال لإعادة رسم نقاط السيطرة الميدانية وفرض وقائع جديدة على الأرض بصورة أحادية، وبما يتجاوز روح ونص اتفاق وقف إطلاق النار.
رابعًا: عمليات النسف والتدمير الممنهج: استمر الاحتلال في تنفيذ عمليات نسف وتفجير لمنازل ومنشآت مدنية، خاصة في المناطق الشرقية والشمالية من القطاع، في سياق سياسة تدمير ممنهجة تهدف إلى تغيير الواقع العمراني، وتوسيع نطاق الإخلاء القسري، ومنع إعادة الإعمار أو العودة الآمنة للسكان.
الأثر الإنساني للانتهاكات
تنعكس هذه الانتهاكات بصورة مباشرة على الواقع الإنساني في قطاع غزة، حيث تسهم في:
- تجدد موجات النزوح الداخلي، لا سيما من المناطق الشرقية.
- تعميق حالة الخوف وعدم الأمان حتى داخل مراكز الإيواء.
- تضرر متواصل في المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
- إعاقة عمل فرق الإسعاف والطوارئ في بعض المناطق بفعل القصف وإطلاق النار.
ويؤكد التقرير أن استمرار هذا النمط من الانتهاكات يُبقي السكان في حالة هشاشة دائمة، ويقوّض أي إمكانية حقيقية للتعافي أو العودة إلى نمط حياة طبيعي.
خلاصة:
تشير معطيات الأسبوع الثاني عشر إلى أن الاحتلال الإسرائيلي بات يعتمد نمطًا إدارياً منظّمًا للعنف، يقوم على إبقاء مستوى ثابت من الضغط الميداني دون الانزلاق إلى تصعيد شامل، بما يسمح له بالحفاظ على مكاسبه العسكرية والجغرافية، وتقييد حركة السكان، ومنع تشكّل أي بيئة مستقرة يمكن أن تُفضي إلى إعادة الإعمار أو العودة الواسعة.
ويُلاحظ أن الانتهاكات خلال هذا الأسبوع لم تكن عشوائية، بل توزّعت وفق جغرافيا مدروسة، استهدفت على نحو خاص المناطق الشرقية والمحاذية لخطوط التماس، بما يعكس سعيًا متواصلًا إلى تكريس هذه المناطق كمساحات غير آمنة، وعازلة فعليًا، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسميًا. وفي هذا السياق، تبدو التهدئة أقرب إلى آلية ضبط إيقاع المواجهة منها إلى مسار لخفض العنف أو حماية المدنيين.
كما تكشف معطيات الأسبوع الثاني عشر أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يُحدث تحولًا جوهريًا في طبيعة السلوك العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة، بل أعاد إنتاجه ضمن صيغة أقل صخبًا وأكثر تدرّجًا. فبدل العمليات الواسعة، اعتمد الاحتلال سلسلة متواصلة من الانتهاكات اليومية التي تُبقي القطاع في حالة إنهاك مستمر، وتُراكم آثارًا إنسانية وميدانية عميقة على المدى المتوسط والطويل.
وعليه، فإن ما يجري على الأرض لا يمكن قراءته بوصفه خروقات ظرفية أو تجاوزات محدودة، بل باعتباره مسارًا مقصودًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، عبر الإبقاء على أدوات السيطرة والضغط قائمة، ومنع أي انتقال فعلي نحو الاستقرار أو التعافي، بما يُبقي مستقبل القطاع معلّقًا على واقع أمني هش ومتقلّب.
مرفق جدول الرصد التفصيلي: