مقاربات نقدية لواقع النظام السياسي الفلسطيني وآفاقه بعد حرب الإبادة

رأي الخبراء | النظام السياسي الفلسطيني أمام اختبار الإبادة وإعادة الهندسة

04:12 م،29 يناير 2026

برنامج الإنتاج المعرفي

شكّلت حرب الإبادة على قطاع غزة اختبارًا بالغ القسوة لمدى أهلية النظام السياسي الفلسطيني القائم، ليس فقط من حيث قدرته على إدارة أزمة مركبة وغير مسبوقة، بل من حيث صلاحيته البنيوية للاستمرار أصلًا بوصفه إطارًا ناظمًا لمشروع وطني تحرري. ففي ظل خطة "الحسم" الصهيونية، والمساعي الإسرائيلية والدولية المتسارعة لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني، أو تفكيكه إلى صيغ وظيفية منزوعـة المضمون الوطني، برزت على نحو أكثر حدّة أسئلة تتعلق بجوهر النظام السياسي الفلسطيني، ومرجعياته، وشرعياته، وقدرته على تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه التاريخية.

ومع الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وما يحيط بمرجعيتها من غموض، وطبيعة علاقتها بالمؤسسة الرسمية الفلسطينية، وبأجسام "مجلس السلام" وهيئته التنفيذية الخاصة بالقطاع، يترافق ذلك مع خطوات أحادية تُقدَّم تحت عنوان "الإصلاح"، لكنها عمليًا تعمّق هيمنة فريق واحد على مفاصل القرار داخل المؤسسة الرسمية، تشهد الشرعيات الفلسطينية، بمختلف أشكالها، تآكلًا متراكمًا.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال محصورًا في كيفية إصلاح النظام السياسي الفلسطيني أو إعادة تأهيله إداريًا، بل بات يمتد إلى سؤال أعمق وأكثر إلحاحًا حول أهلية هذه البنية السياسية ذاتها للاستجابة لتحديات المرحلة، أو قدرتها على تجديد نفسها، في مقابل سيناريوهات التفكيك، أو تجاوزها بترتيبات دولية وإقليمية جديدة.

في هذا الإطار، أجرى مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي مقابلات مُركّزة مع ثلاثة أكاديميين وباحثين مختصين في الشأن السياسي الفلسطيني، في مسعى لاستكشاف رأي الخبراء حول واقع النظام السياسي الفلسطيني، وحدود أزمته، والآفاق الممكنة لمستقبله، بين من يرى في اللحظة الراهنة فرصة مشروطة لإعادة التأسيس وترميم المشروع الوطني، ومن يذهب إلى مقاربة أكثر تشاؤمًا ترى أننا أمام نهاية نموذج تاريخي، وفراغ سياسي وكفاحي عميق، يفرض أسئلة جذرية تتجاوز منطق الإصلاح التقليدي.

وقد استُعرضت هذه الآراء من خلال المحاور والأسئلة التالية:

  • كيف تُشخّصون واقع النظام السياسي الفلسطيني الحالي؟
  • كيف يُعاد تعريف الشرعية السياسية في ظل غياب الانتخابات، وغياب مشاركة قطاع غزة، والتغييب الجزئي للشتات؟
  • ما أبرز المخاطر التي تحدق بالنظام السياسي الفلسطيني في ظل الواقع الراهن ومخاطر التدويل؟
  • ما المواضع الإصلاحية الرئيسية التي يُفترض أن تجري فيها تدخلات فعلية؟
  • وفق أي أطر يُفترض أن تجري العملية الإصلاحية؟ وهل ينسجم ذلك مع المسار الحالي الذي يتبعه الرئيس محمود عباس؟
  • كيف يمكن التعامل وطنيًا مع الاشتراطات الدولية المرتبطة بـ"إصلاح السلطة"؟
  • كيف تصفون واقع منظمة التحرير الفلسطينية الحالي؟ وما الدور المفترض لها؟
  • هل هناك أفق جدي للوحدة الوطنية وإعادة ترتيب وتنظيم المشروع الوطني الفلسطيني، أم أن الواقع القائم لا يحمل مؤشرات كافية على ذلك؟
  • هل يتقاطع مسار "الدولانية" والاستثمار في فكرة "بناء المؤسسات" مع مسار "المشروع التحرري" ومواجهة الاحتلال؟
  • هل يمكن أن تُشكّل مرحلة "ما بعد الإبادة" مدخلًا لإعادة هيكلة النظام السياسي الفلسطيني، أم مسارًا للإجهاز على المشروع الوطني الفلسطيني الجمعي؟
  • هل تمثّل لجنة التكنوقراط في غزة مسارًا للحل، أم مسارًا لتعميق الأزمة وتهديدًا لبنية النظام السياسي؟

ويمكن تلخيص آراء الخبراء بما يلي:

على الرغم من انطلاق الخبراء الثلاثة من خلفيات معرفية ومقاربات تحليلية مختلفة، إلا أن ثمة قاسمًا مشتركًا واضحًا في آرائهم يتمثل في الإقرار بأن النظام السياسي الفلسطيني يمرّ بأزمة عميقة تتجاوز حدود التعثر الإداري أو القصور الوظيفي، وتمسّ جوهر بنيته التأسيسية وصلته بالمشروع الوطني الفلسطيني. فالأزمة، وفق هذا الإجماع الضمني، ليست عارضة أو ظرفية، بل مركبة وممتدة، وتتقاطع فيها عوامل داخلية بنيوية مع ضغوط خارجية سياسية وأمنية ودولية، أفضت إلى تآكل متراكم في الشرعيات، وغياب القدرة على إنتاج مسار وطني جامع قادر على الاستجابة لتحديات المرحلة.

يتقاطع الخبراء في تشخيصهم لحالة العطب البنيوي التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني، سواء من حيث غياب التفاعل بين مكوناته، أو تعطّل مؤسساته التمثيلية، أو تآكل شرعياته المختلفة، الكفاحية منها والانتخابية. كما يتفقون على أن الحديث المتداول عن "الإصلاح" يجري في معظمه خارج سياقه الحقيقي، إذ يُطرح بوصفه استجابة لاشتراطات خارجية، أو إجراءات تقنية وإدارية محدودة، لا تمسّ جوهر الأزمة ولا تعالج أسبابها العميقة، بل قد تسهم، في بعض الحالات، في تعميق الاختلال القائم أو إعادة إنتاجه بصيغ جديدة.

في المقابل، يبرز تباين واضح بين الخبراء في مقاربتهم لأفق الخروج من المأزق الراهن وإمكانية تحويله إلى فرصة تاريخية. فبينما يرى بعضهم أن إجراء إصلاحات جوهرية، وفي مقدمتها إعادة بناء الشرعية عبر الانتخابات، ودمج مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير في إطار وطني جامع، قد يفتح نافذة محدودة لإعادة ترتيب المشروع الوطني واستعادة جزء من المبادرة الفلسطينية، يذهب آخرون إلى أن الأزمة أعمق من أن تُعالج بأدوات الإصلاح التقليدي، معتبرين أن النظام السياسي الفلسطيني فقد قدرته الذاتية على الإصلاح من الداخل، وأننا أمام انسداد تاريخي يفرض التفكير في إعادة تأسيس شاملة تتجاوز الأطر القائمة.

ويمتد هذا التباين إلى تقييم مسألة الوحدة الوطنية، إذ يتفق الخبراء على غياب وحدة وطنية حقيقية بالمعنى السياسي والبرنامجي، لكنهم يختلفون في تفسير أسباب هذا الغياب وسبل تجاوزه. ففي حين يُنظر إلى الوحدة، لدى بعضهم، بوصفها نتاجًا لعملية سياسية تستند إلى تجديد الشرعيات وبناء مؤسسات جامعة، يرى آخرون أن أي حديث عن وحدة وطنية أو حوار سياسي يبقى قاصرًا ما لم يسبقه حوار فكري عميق يعيد تعريف الشعب الفلسطيني، وأهدافه، وحقوقه، وأولوياته، ويؤسس لعقد اجتماعي–سياسي جديد يعكس التحولات العميقة التي فرضتها العقود الماضية، ولا سيما مرحلة ما بعد أوسلو.

كما يلتقي الخبراء عند التحذير من مخاطر تفكيك المشروع الوطني الفلسطيني، سواء عبر تكريس انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية، أو عبر دفع الضفة نحو نموذج الكانتونات السكانية، أو من خلال فرض صيغ حكم ذاتي محدودة تحت وصاية دولية. غير أنهم يختلفون في درجة التفاؤل بإمكانية مواجهة هذه السيناريوهات، بين من يرى أن ما يزال ثمة هامش ضيق للمناورة الوطنية إذا ما أُحسن استثماره، ومن يذهب إلى أن الحركة الوطنية الفلسطينية، بصيغتها التاريخية التي تشكّلت منذ ستينيات القرن الماضي، قد وصلت إلى نهايتها، وأن الواقع الراهن يتسم بفراغ سياسي وكفاحي وانعدام شبه كامل للخيارات.

وفي المحصلة، تكشف آراء الخبراء عن مشهد فلسطيني مأزوم على نحو غير مسبوق، تتداخل فيه أزمة النظام السياسي مع أزمة المشروع الوطني ذاته. وبين مقاربات تراهن على إصلاح مشروط وإعادة بناء تدريجية، وأخرى تدعو إلى مراجعة جذرية تصل حدّ إعادة التأسيس، وأخرى أكثر قتامة ترى أننا إزاء نهاية مرحلة تاريخية كاملة، يبقى الثابت الوحيد هو أن الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات ذاتها لم يعد ممكنًا، وأن ما بعد حرب الإبادة يفرض على الفلسطينيين مواجهة أسئلة كبرى تتعلق بالشرعية، والتمثيل، والهوية، والمشروع، وأشكال الفعل الوطني الممكنة في مرحلة شديدة التعقيد والتحول.

وفيما يلي التحليلات والتقديرات التي قدمها الخبراء:

جهاد حرب | باحث في قضايا الحكم والسياسة

مأزق النظام السياسي الفلسطيني والمشروع الوطني

يواجه النظام السياسي الفلسطيني اليوم مأزقًا عميقًا يتصل بجوهر المشروع الوطني الفلسطيني، وليس فقط ببُناه المؤسسية. فالمشروع الوطني القائم على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة يبدو وكأنه ينهار في ضوء التحولات التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ولم يعد الأمر مقتصرًا على حالة الانقسام الفلسطيني، بل يمكن القول إننا أمام حالة انفصال فعلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. إذ يخضع قطاع غزة حاليًا لوصاية أمريكية–دولية، في ظل غموض كامل يلف مستقبل إدارة الحكم فيه، وعدم وضوح إمكانية عودته إلى السلطة الفلسطينية، أو حتى شكل هذه العودة، خاصة مع الحديث عن فترة انتقالية تمتد لعامين وفق قرار مجلس الأمن رقم 2083، الذي يتقاطع في مضامينه مع خطة ترامب من حيث تكريس مسارين متوازيين للضفة الغربية وقطاع غزة.

في قطاع غزة، تُطرح وصاية دولية لإعادة الإعمار من جهة، وبناء إدارة حكم من جهة أخرى، يتولاها مجلس السلام المُنشأ بموجب القرار، إلى جانب مجلس تنفيذي يُناط به الإشراف على إدارة الحكم والمؤسسات المختلفة في القطاع. في المقابل، تُطالَب السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بتنفيذ إصلاحات غير واضحة المعالم، سواء من حيث طبيعتها أو نطاقها، في ظل غياب برنامج محدد لهذه الإصلاحات. ويبدو أن الجهة التي ستقيّم مسار الإصلاح وتختبر جدواه هي الإدارة الأمريكية، بدعم من الموقف الإسرائيلي، بما يعيد إنتاج منطق "اختبار الجدارة" الذي كثيرًا ما فشلت فيه السلطة الفلسطينية، نتيجة التدخلات والاشتراطات الإسرائيلية المتكررة، الهادفة إلى تعطيل أي عملية إصلاح حقيقية، سواء عبر الضغوط العسكرية أو المالية.

يتطلب الإصلاح تمويلًا واسعًا، نظرًا لما يترتب عليه من آثار اجتماعية واقتصادية لا يستطيع الفلسطينيون تحمّلها في ظل غياب موارد مالية كافية تسد الفجوات وتلبي متطلبات الإصلاح الجدي والجوهري داخل السلطة الفلسطينية. أما على صعيد الشرعية السياسية للنظام السياسي الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، فلم يعد هناك ما يستند إليه هذا النظام؛ فالانتخابات لم تُجرَ منذ انتهاء ولاية المجلس التشريعي عام 2010، وكذلك الحال بالنسبة للرئاسة الفلسطينية، ولا تتوفر اليوم أي مشروعية بديلة يمكن التعويل عليها، كالمشروعية الثورية التي تمتعت بها منظمة التحرير الفلسطينية قبل إنشاء السلطة.

الشرعية السياسية وأسسها المفقودة

تعاني مسألة الشرعية لدى الفلسطينيين من إشكاليات عميقة، وتشكل أحد المكونات الأساسية لمأزق النظام السياسي، الذي بات بحاجة ماسة إلى تجديد شرعيته بما يحظى بقبول المجتمع الفلسطيني. فالشرعية تقوم على ثلاث ركائز رئيسية: التأييد الشعبي، والرضا الشعبي، والثقة بالنظام وبالأشخاص القائمين عليه. وهذه الركائز تبدو اليوم مفقودة لدى مختلف الأطراف، حتى في ظل إنشاء لجان أو أطر إدارية في قطاع غزة، إذ لا تحظى هذه الأطر بتأييد شعبي واضح، ولم يتم اختبار مستوى رضا الجمهور عن أدائها، أو مدى الثقة بالأشخاص والمؤسسات التي ستتولى إدارة الحكم. وعليه، فإن إشكالية الشرعية تتطلب إعادة نظر جادة في طرق ووسائل الوصول إلى الحكم، بما يضمن النزاهة والثقة الشعبية، ويمنح النظام السياسي شرعية حقيقية.

تفتيت المشروع الوطني والمخاطر القائمة

يمثل تفتيت القضية الفلسطينية والمشروع الوطني أحد أخطر المخاطر التي تتهدد النظام السياسي والقضية الفلسطينية ككل. وقد يتجسد ذلك في إقامة دولة أو كيان سياسي في قطاع غزة يكون أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، مع التخلي عن إمكانية الوحدة مع الضفة الغربية. وفي المقابل، تواجه الضفة الغربية مخاطر متزايدة تتمثل في التوسع الاستيطاني وعمليات التهجير التي قد يقودها المستوطنون، بما يفضي إلى ضمها لإسرائيل، ومنع قيام أي كيان سياسي فلسطيني فيها، وتحويلها إلى كانتونات سكانية متفرقة، ذات حقوق مدنية محدودة، دون أفق أو طموح سياسي، وهو ما يسعى إليه الاحتلال الإسرائيلي على المدى الطويل.

الإصلاحات الضرورية وأولوية الانتخابات

تحتاج الإصلاحات في النظام السياسي الفلسطيني إلى أن تكون جديّة وجوهرية، ولا يمكن الشروع فيها دون إجراء انتخابات عامة قادرة على تجديد شرعية النظام السياسي، بغض النظر عن النتائج أو القوى التي ستفرزها، باعتبارها التعبير الأصدق عن خيار الشعب الفلسطيني. وبعد ذلك، يمكن الانطلاق نحو إصلاح شامل لمؤسسات الحكم، يشمل الجوانب الأمنية والإدارية والمالية والاقتصادية، وليس الاكتفاء بإصلاحات تقنية أو إدارية محدودة. فالإصلاح السياسي الجوهري مدخله الأساسي الانتخابات، إذ لا يمكن لأي حكومة أو نظام سياسي تحمّل الأثمان الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على الإصلاح دون امتلاك شرعية سياسية حقيقية نابعة من صناديق الاقتراع.

يمثل الإطار الانتخابي نقطة الانطلاق لعملية الإصلاح، عبر انتخابات تتيح لجميع الفلسطينيين المشاركة، ترشحًا وتصويتًا، دون فرض شروط سياسية تُقيد هذا الحق، انسجامًا مع وثيقة إعلان الاستقلال التي تؤكد حق أبناء الشعب الفلسطيني أينما وجدوا في تطوير هويتهم الوطنية، وتمتعهم بالمساواة في الحقوق والواجبات. وتشكل نتائج هذه الانتخابات أساسًا لأي إصلاح شامل، إذ إن غياب المشاركة وتحمل المسؤولية الجماعية، في ظل الدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة وبالقضية الفلسطينية خلال العامين الماضيين، ينذر بآثار تدميرية تطال مجمل المشروع الوطني.

الحاجة إلى إصلاح شامل ومتكامل

ثمّة إجماع فلسطيني على ضرورة إجراء إصلاح جدي وجوهري في مختلف المجالات، غير أن التدخلات والاشتراطات الدولية خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية دفعت الفلسطينيين نحو إصلاحات تقنية محدودة، رغم الحاجة إلى إصلاحات بنيوية حقيقية. المطلوب اليوم هو برنامج إصلاحي واضح يشمل جميع قضايا الإصلاح وتداعياته داخل مختلف المؤسسات، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبعد مرور ثلاثة عقود على إنشاء السلطة، جرى تهميش دور منظمة التحرير، ما أدى إلى تراجع التأييد والرضا الشعبي عنها، في مقابل تركيز مفرط على مؤسسات السلطة. ورغم إقرار قيادات منظمة التحرير بالحاجة إلى الإصلاح، لم تُترجم هذه القناعة إلى خطوات عملية، ما يفرض ضرورة دمج مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في إطار دولة فلسطين، باعتبارهما أدوات لتحقيق هدف إقامة الدولة، خاصة بعد أن استنفدت هذه المؤسسات المؤقتة وظائفها، وبات القرار السياسي بتغيير بنيتها ضرورة ملحة، في ضوء التحولات التاريخية والاعتراف الدولي بفلسطين دولةً مراقبة في الأمم المتحدة عام 2012.

المصالحة والوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام

يمكن التمييز بين ثلاثة مفاهيم أساسية: المصالحة، التي تحققت جزئيًا عبر لقاءات الفصائل والمصالحات العشائرية؛ واستعادة الوحدة الوطنية القائمة على برنامج سياسي ونضالي مشترك، وهي لم تتحقق بعد؛ وإنهاء الانقسام عبر توحيد مؤسسات السلطة الفلسطينية، وهو مسار بالغ الصعوبة في ظل لجنة التكنوقراط والمجلس التنفيذي المُنشأين بموجب قرار مجلس الأمن 2083.

وأي سوء استثمار للفرص الراهنة قد يؤدي إلى تكريس انشطار قطاع غزة وانفصاله عن الضفة الغربية، وهو ما حذرت منه الرئاسة الفلسطينية، معتبرة أن وجود أنظمة إدارية ومالية وأمنية منفصلة من شأنه تعميق الانفصال وتهديد المشروع الوطني الفلسطيني.

بناء المؤسسات كأداة تحررية

يمثل بناء المؤسسات على أسس النزاهة والشفافية والمساءلة عنصرًا أساسيًا في تعزيز قدرة الفلسطينيين على التحرر من الاحتلال، ويمنحهم المصداقية اللازمة لإقامة مؤسسات دولة تحظى بالاحترام الدولي. غير أن الخلل الجوهري خلال العقود الثلاثة الماضية تمثل في غياب توافق وطني بين القوى السياسية حول الهدف والوسائل، ما أتاح للاحتلال التملص من التزاماته، وأقنع المجتمع الدولي بعدم جاهزية الفلسطينيين لإقامة دولة.

وتفرض المرحلة الراهنة رؤية وأدوات جديدة لإعادة التوازن للمجتمع الفلسطيني، وتطوير منهج موحد للحياة الفلسطينية، وتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، بما يُمكّن من تجاوز الاختبار الصعب الذي تواجهه القضية الفلسطينية.

لجنة التكنوقراط: فرصة أم تهديد؟

ترتبط لجنة التكنوقراط، بصرف النظر عن تسميتها، بإنهاء الحرب والبدء بإعادة الحياة للفلسطينيين في قطاع غزة، وهي أداة دولية الطابع أكثر منها مبادرة وطنية خالصة، وقد تمثل فرصة لإقامة إدارة فلسطينية للقطاع بعد المرحلة الانتقالية، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى عامل إضافي لتعميق الأزمة، إذا لم يُحسن التعامل معها، في ظل المخاوف الجدية من تكريس الانفصال التام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

نهاد الشيخ خليل | أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة الإسلامية

حالة العطب في النظام السياسي الفلسطيني

الحديث عن النظام السياسي الفلسطيني هو حديث بالغ الصعوبة، إذ يؤكد التشخيص الواقعي أن هذا النظام يعاني من حالة عطب عميقة. فمكوناته لا تتفاعل فيما بينها، وبعضها مشلول، فيما تتصرف جهة واحدة أو طرف واحد بصورة فردية، خارج إطار القانون والقواعد التي كانت تحكم عمل النظام السياسي الفلسطيني.

وبذلك، يمكن القول إن النظام السياسي معطوب وغير فاعل، ومكوناته لا تعمل بوصفها منظومة واحدة. ويبرز في هذا السياق وضع منظمة التحرير الفلسطينية، التي تعاني من حالة شلل، حيث يجري استدعاء بعض مؤسساتها، مثل رئاسة اللجنة التنفيذية أو المجلس الوطني، لا بوصفها أطرًا تمثيلية فاعلة، بل لتمرير إرادة السلطة ورئيس المنظمة.

الإصلاح: كلمة بلا مضمون

يُطرح مفهوم الإصلاح اليوم بوصفه كلمة مجردة، تُستخدم دون أي مضمون حقيقي. فما هي الإصلاحات المطلوبة من منظمة التحرير الفلسطينية أو من السلطة الفلسطينية؟ وما الذي يجري تنفيذه فعليًا على الأرض؟ في الواقع، لا المطلوب يُعد إصلاحًا، ولا ما يُنفذ يمكن اعتباره كذلك. فالنظام السياسي الفلسطيني، بفاعليه المفترضين، سواء كانوا مشلولين أو مهمشين أو حاضرين شكليًا، فقد القدرة على إصلاح ذاته من الداخل، بل إن النظام نفسه بات عاجزًا عن إنتاج إصلاح حقيقي. أما من الخارج، فلا يُطرح سوى إصلاح مشروط باشتراطات أمريكية أو إسرائيلية أو دولية، وهي اشتراطات لا تهدف إلى إصلاح النظام، بل إلى تعميق تهميشه، ودفعه للعمل بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

الشروط الخارجية وتأثيرها على النظام

عند الحديث عن الاشتراطات الخارجية تحت عنوان الإصلاح، يتضح أن جوهر المطلوب يتمثل في تغيير التعليم وشطب الرواية الفلسطينية والسردية الوطنية منه، والتعامل مع الأسرى الفلسطينيين – الذين شكّلوا أحد أعمدة النضال الوطني – بوصفهم حالات اجتماعية فقط. كما يُطلب إقصاء أي فلسطيني لا يخضع للشروط الإسرائيلية من العمل ضمن إطار النظام السياسي.

وما يجري تنفيذُه استجابةً لهذه الشروط لا يمكن وصفه بالإصلاح، فعندما يُعيَّن نائب للرئيس بمرسوم، فإن ذلك إجراء غير قانوني ولا يدخل ضمن صلاحيات الرئيس. وعندما يُعيَّن شخص محل جدل داخلي، حتى داخل حركة فتح نفسها، ودون إجماع فلسطيني، فإن ذلك أيضًا لا يُعد إصلاحًا. الإصلاح الحقيقي يفترض الاتفاق على نقاط إجماع وطني، وتفعيل المؤسسات، واستعادة ثوابت الإجماع التي لا يجوز الاختلاف بشأنها، مع تنظيم إدارة الخلاف ضمن أطر واضحة. وعليه، فإن ما يجري اليوم، سواء على مستوى المطالبات الخارجية أو القرارات التي يتخذها الرئيس محمود عباس، لا يمثل إصلاحًا، بل نقيضًا له.

أزمة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني

تُعد مسألة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني مسألة طويلة ومعقدة، متعددة الأبعاد، ومتشابكة. فمنذ البدايات، تشكّلت أول قيادة فلسطينية في إطار اللجنة التنفيذية والمؤتمر الفلسطيني الثالث عام 1920، وقادت نضالًا سلميًا لتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني حتى عام 1934، حين فقدت قدرتها على مواجهة التحديات. وبين عامي 1934 و1936، عاش الشعب الفلسطيني حالة غياب للقيادة، ليس فقط بسبب تآكل الشرعية، بل لغياب القيادة أصلًا، خاصة بعد وفاة موسى كاظم الحسيني.

ومع ذلك، لم تشهد الساحة الفلسطينية فراغًا كاملًا، إذ تولدت أطر جديدة من رحم الواقع، وانطلقت ثورة عام 1936، التي أفرزت اللجنة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، مستندة إلى شرعية قائمة على التوافق بين المدن والجهات الفاعلة المختلفة، بما في ذلك العائلات والجمعيات الإسلامية والمسيحية.

ومع مرور الوقت، تآكلت هذه الشرعية بدورها، وظهرت قيادة جديدة خلال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939)، بشرعية قائمة على الوفاق الفلسطيني الداخلي، وامتزج فيها النضال السلمي والمسلح. غير أن الحرب العالمية الثانية غيّبت الفعل القيادي الفلسطيني، وبعدها تعثرت محاولات إعادة إحياء اللجنة العربية العليا بفعل الخلافات الداخلية بين التيارين الحسيني والنشاشيبي، والتدخل العربي، ما أفضى إلى إنشاء الهيئة العربية العليا بتسوية فرضها العامل العربي. ومنذ عام 1945، أصبحت الشرعية الفلسطينية مرهونة بالموافقة العربية، وتكرر هذا النمط مع نشأة منظمة التحرير الفلسطينية بقرار عربي، وحتى دخول فصائل العمل الفدائي جاء في سياق توافقات مع النظام العربي الرسمي.

بعد اتفاق أوسلو: تآكل الشرعية

مع اتفاق أوسلو، باتت شرعية النظام السياسي والقيادة الفلسطينية مرتبطة بقبول المجتمع الدولي، وبمدى رضى إسرائيل أو عدم اعتراضها، حيث كانت إسرائيل قادرة على تعطيل أي مسار لا يخدم مصالحها. واليوم، تُتخذ قرارات تمس الشعب الفلسطيني دون الرجوع الحقيقي إلى قيادته أو فصائله، ويُطلب منهم منح موافقة شكلية فقط.

وقد حاول النظام إعادة بناء شرعيته عبر انتخابات 1996 و2006، غير أن الظروف الراهنة لا تتيح إمكانية حقيقية لإجراء انتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل قدرة الاحتلال على منعها حتى لو توفر قرار فلسطيني داخلي بذلك. أزمة الشرعية اليوم أزمة بنيوية عميقة، فجميع الأطراف، سواء تيار التسوية أو تيار المقاومة، تفتقر إلى شرعية كاملة. فالشرعية، في جوهرها، مرتبطة بالكفاءة والفعالية، وبالقدرة على تحقيق إنجازات ملموسة للناس، وإدارة حياتهم، وفتح آفاق الأمل أمامهم. دون ذلك، لا يمكن الحديث عن شرعية حقيقية.

الوحدة الوطنية: حاجة إلى إعادة نظر جذرية

تُعد مسألة الوحدة الوطنية إشكالية بحد ذاتها، إذ يظل السؤال مطروحًا حول المقصود بها: هل تعني اتفاقًا بين حماس وفتح والجبهات والجهاد الإسلامي؟ وما مضمون هذا الاتفاق؟ فالخلافات قائمة حول مساحة فلسطين، وأساليب النضال، وتعريف الصديق والعدو. لذلك، فإن أي حديث عن وحدة وطنية أو حوار وطني يتطلب إعادة نظر جذرية، بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة. ويقتضي ذلك حوارًا فكريًا عميقًا يسبق أي حوار سياسي، لتحديد مفهوم الشعب الفلسطيني، وحقوقه، وأهدافه، وبيئته السياسية، وما يمكن تحقيقه في المرحلة الراهنة وما يمكن تأجيله، وصولًا إلى تحديد نقاط الإجماع الوطني. ويشمل ذلك أسئلة جوهرية حول اختيار القيادة، والقوانين التي تحكم عملها، وآليات تداولها، بما يستدعي صياغة عقد اجتماعي–سياسي جديد على أسس فكرية واضحة.

بناء المؤسسات والدور المحدود للسلطة

تُعد الحوارات الأكاديمية والفكرية، مهمة لتشخيص الواقع وفتح آفاق مستقبلية، لكنها تبقى بحاجة إلى مزيد من العمل لإنضاج الأسس الفكرية للوحدة الوطنية وترجمتها إلى برنامج عمل وعقد اجتماعي سياسي جديد. أما فكرة وجود سلطة فلسطينية تحت الاحتلال، فهي تشكّل عبئًا على المشروع التحرري أكثر مما تمثل رافعة له. فبناء مؤسسات الدولة في ظل الاحتلال قد يساعد على الحفاظ على وجود الشعب الفلسطيني وهويته، لكنه لا يشكّل مسارًا حقيقيًا للتحرر الوطني.

لجنة التكنوقراط: أداة تقنية محدودة

تعني لجنة التكنوقراط نزع الطابع السياسي عن القضية الفلسطينية، وكأن المشكلة مسألة تقنية أو إدارية، وقد نشأت فكرة التكنوقراط في السياق الأوروبي مع الثورة الصناعية، حيث كان المطلوب خبراء لإدارة التحولات الاقتصادية والصناعية والعسكرية.

غير أن الحالة الفلسطينية مختلفة جذريًا؛ فالمشكلة ليست تقنية، بل قضية تحرر وطني في مواجهة احتلال يتحكم في مختلف تفاصيل الحياة، قد تنجح لجنة التكنوقراط في إدارة الشؤون المدنية، لكن دون خلق أوهام حول قدرتها على تحقيق التحرر الوطني، إذ إن هذا النوع من الإجراءات لا يقود إلى الحرية.

المرحلة الراهنة: الحفاظ على الوجود واستشراف المستقبل

في مرحلة الإبادة وما بعدها، تبرز أولوية الحفاظ على وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وفتح نقاش فكري عميق بين مكونات الشعب، يتجاوز حدود الحوار السياسي الفصائلي، ويتطلب ذلك دورًا فاعلًا للباحثين ومراكز الأبحاث الجادة في استشراف مستقبل الواقع الفلسطيني، وتحليل السلوك الإسرائيلي، والتحولات في النظام العالمي.

ومن المتوقع بروز قوى جديدة وساحات فاعلة داخل الأرض المحتلة وخارجها، تسعى للحفاظ على القضية وفتح مسارات جديدة لها. ولا يعني ذلك إقصاء منظمة التحرير أو السلطة أو الفصائل، بل يشير إلى تحولات قادمة لا مفر منها، قد تمثل فرصة لإعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني وإصلاحه بصورة حقيقية.

الواقع صعب، والنظام معطوب، والشرعية تتآكل، غير أن بروز فواعل جديدة، في الداخل والخارج، قد يفتح نافذة لإعادة تأسيس قيادة للحركة الوطنية الفلسطينية، أكثر كفاءة وعقلانية، وقادرة على اتخاذ خطوات واثقة نحو الحرية والاستقلال وبناء مستقبل أفضل.

 

ماجد كيالي | كاتب سياسي فلسطيني

المعضلة التأسيسية للنظام السياسي الفلسطيني

يواجه النظام السياسي الفلسطيني، في جوهره، معضلة تأسيسية رافقت نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، فقد نشأت هذه الحركة أساسًا في الخارج، لشعبٍ مجزأ يخضع لأنظمة سياسية متعددة ومختلفة، ما جعلنا أمام حركة وطنية تفتقر إلى إقليم مستقل، وتخضع بدرجة كبيرة لمحددات خارجية.

ويزداد هذا التعقيد عند النظر إلى ما أعقب اتفاق أوسلو، حيث برز تصور جديد لمسار الحركة الوطنية الفلسطينية، يقوم على الجمع بين كونها حركة تحرر وطني وسلطة تحت الاحتلال. وبذلك، نشأ نظام مزدوج: سلطة فلسطينية تدير جزءًا من الأرض، وجزءًا من الشعب، وجزءًا من الحقوق، في مقابل منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل، نظريًا، الحركة الوطنية الفلسطينية.

التناقض بين السلطة والتحرر الوطني

هذا التناقض رافق التجربة الفلسطينية لأكثر من ثلاثة عقود، في ظل صعوبة الاستمرار كحركة تحرر وطني، لا سيما أن هذه الحركة نشأت في الخارج، وتفاقمت أزمتها بفعل التحولات الدولية والعربية. فقد انتهى عمليًا ما يُعرف بالصراع العربي–الإسرائيلي عام 1973، بوصفه آخر الحروب العربية–الإسرائيلية، ثم اعترف النظام العربي بوجود إسرائيل، وظهرت المبادرة العربية للسلام عام 2002، القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام.

وبذلك، أصبح وجود إسرائيل ضمن حدود عام 1948 شبه أمرٍ مُسلّم به، واقتصر الصراع على الضفة الغربية وقطاع غزة، أي الأراضي المحتلة عام 1967. ونتيجة لذلك، انسحب النظام العربي، بوصفه نظامًا مهيمنًا حتى على مجتمعاته، من فكرة الصراع مع إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية وعدوانية، ما أدخل النظام السياسي الفلسطيني في أزمة متعددة الوجوه وعلى مستويات مختلفة.

تعدد الشرعيات وأزماتها

فيما يتعلق بالشرعية السياسية، فإننا أمام حالة من تعدد الشرعيات. فقد استندت منظمة التحرير الفلسطينية إلى شرعية كفاحية أو نضالية، بينما برزت بعد إقامة السلطة الفلسطينية شرعية انتخابية أو تمثيلية. غير أن الإشكالية في الشرعية الأولى أنها لم تكن شرعية تمثيلية منتخبة تشمل الشعب الفلسطيني بأكمله، في حين تكمن أزمة الشرعية الثانية في أنها تمثل جزءًا فقط من الشعب الفلسطيني، أي الفلسطينيين في الداخل.

ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الشرعيات منتهية الصلاحية؛ فالمجلس التشريعي انتهت ولايته منذ ما يقارب عقدين، وكذلك الأمر بالنسبة لشرعية الرئاسة. وعليه، نحن اليوم أمام أزمة شرعيات حقيقية تشمل منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، والفصائل.

أما الفصائل الفلسطينية، فقد باتت شرعيتها موضع شك، إذ إن معظمها يعيش اليوم خارج سياقه التاريخي، ولم يعد يؤدي دورًا فعليًا لا في مقاومة الاحتلال ولا في بناء المجتمع الفلسطيني، كما فقد هويته السياسية والفكرية والكفاحية التي ميّزته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

سلطتان أساسيتان وأزمة تمثيل الفصائل

يمكن القول إن الواقع الفلسطيني الراهن يقوم على وجود سلطتين أساسيتين: سلطة تقودها حركة فتح في الضفة الغربية، وسلطة تقودها حركة حماس في قطاع غزة، ورغم وجود الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، فإن معظم الفصائل الفلسطينية غائبة فعليًا عن المشهد.

ويعود استمرار بعض هذه الفصائل، جزئيًا، إلى رغبة النظام العربي في الإبقاء عليها، إضافة إلى حالة الاستقطاب الحاد بين فتح وحماس، حيث تحتاج كل حركة إلى فصائل تدور في فلكها. غير أن هذه الفصائل، في واقع الحال، لم يعد لها تمثيل حقيقي أو دور فعلي. وبذلك، نحن أمام أزمة شرعية شاملة: أزمة في منظمة التحرير الفلسطينية، وأزمة في السلطة الفلسطينية التي لم تُجرِ انتخابات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وأزمة في الفصائل التي فقدت دورها ووظيفتها التاريخية.

الأزمة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني

أما النظام السياسي الفلسطيني ذاته، فإن مفهومه بات محل إشكال، فنحن شعب يعيش تحت الاحتلال، وسلطة لم تتحرر بعد من هذا الاحتلال، والسلطة القائمة اليوم تعيش بفعل الواقع الدولي والعربي، واتفاق أوسلو، وما يُسمى بالإجماع الدولي.

والسؤال الجوهري هنا: ماذا تبقى من هذه السلطة؟ في الحقيقة، نحن أمام أزمة شاملة تطال الحركة الوطنية الفلسطينية، والشعب، والقضية، وهي أزمة تتعلق بالخطاب، وأشكال العمل والكفاح، والعلاقات الداخلية، وغياب الإجماع الوطني، والعجز عن إنتاج رؤية توحد بين الشعب والأرض والقضية. نفتقد اليوم إلى استراتيجية سياسية واضحة، واستراتيجية كفاحية واضحة، كما نفتقد إلى إجماعات وطنية جامعة.

وبعد حرب إبادة استمرت لأكثر من عامين، وما رافقها من تحولات وتداعيات عميقة، فإن الحاجة الملحّة تتمثل في ثلاث أولويات أساسية: إعادة بناء سيادة الإجماع الوطني الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني من الصمود والبقاء على أرضه، وإعادة بناء البيت الفلسطيني على أساس استخلاص دروس المرحلة السابقة.

نهاية الحركة الوطنية الفلسطينية والحاجة إلى مراجعة جذرية

فيما يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية ومسألة الإصلاح، لا تبدو الإشكالية محصورة في الحاجة إلى إصلاحات، رغم أهميتها. فالحركة الوطنية الفلسطينية، كما نشأت في أواسط ستينيات القرن الماضي، قد بلغت نهايتها، ونحن اليوم في الصفحة الأخيرة من تاريخ تلك الحركة. فالحركات الوطنية لا تعيش إلى الأبد، خاصة عندما تفشل في تجديد ذاتها، ومراجعة مسيرتها وتجربتها الكفاحية. نحن أمام حركة وطنية امتد تاريخها لما يقارب ستة عقود، حفلت بالتضحيات والبطولات، غير أننا، للأسف، لم نستثمر هذه التضحيات والمعاناة، لغياب المراجعات النقدية الجدية.

لم نسأل أنفسنا: لماذا خرجنا من الأردن؟ لماذا خرجنا من لبنان؟ لماذا فشلت الانتفاضة الثانية؟ لماذا وُقّع اتفاق أوسلو؟ ولماذا جرى تهميش منظمة التحرير الفلسطينية؟ ولم تمارس الفصائل يومًا نقدًا ذاتيًا حقيقيًا لتحمل مسؤوليتها عمّا آلت إليه الأوضاع. لذلك، لا يبدو أننا اليوم أمام مرحلة إصلاح، بل ينطبق على واقعنا المثل القائل: "لا يُصلح العطار ما أفسده الدهر". فنحن أشبه بسيارة مسرعة تهوي نحو الوادي، وفي مثل هذا الوضع لا يعود السؤال: ماذا نفعل الآن؟ سؤالًا مجديًا، إذ كان ينبغي طرحه قبل اتفاق أوسلو، وبإلحاح بعده، وبإلحاح أكبر عقب الإخفاق الذي أعقب الانتفاضة الثانية، رغم كل التضحيات.

اليوم، نعيش مرحلة فراغ سياسي وفراغ كفاحي، وضعف في الإمكانيات، في ظل واقع عربي ودولي لا يسند القضية الفلسطينية إلا بحدود التعاطف السياسي والمواقف الرمزية. وبذلك، نحن أمام حالة فراغ وانعدام شبه كامل للخيارات.

خاتمة

تكشف آراء الخبراء الواردة في هذا الملف عن عمق المأزق الذي يواجه النظام السياسي الفلسطيني، بوصفه مأزقًا يتجاوز حدود الأداء المؤسسي أو الخلافات الفصائلية، ليطال جوهر العلاقة بين النظام السياسي والمشروع الوطني الفلسطيني. فالتباينات الواضحة في تشخيص الأزمة واستشراف آفاقها لا تعكس تباينًا في وجهات النظر فحسب، بل تعبّر عن لحظة فلسطينية مركّبة، تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة، في ظل حرب إبادة وما تلاها من محاولات لإعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني.

وفي الوقت الذي تتراوح فيه المقاربات بين الدعوة إلى إصلاح جوهري مشروط، أو إعادة تأسيس شاملة، أو الإقرار بالوصول إلى نهاية نموذج تاريخي كامل، يبرز قاسم مشترك يتمثل في خطورة الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات ذاتها، ومن دون مواجهة جادة للأسئلة المؤجلة حول الشرعية، والتمثيل، والوحدة الوطنية، ووظيفة النظام السياسي نفسه. فمرحلة ما بعد الإبادة لا تحتمل مقاربات شكلية أو حلولًا تقنية، بقدر ما تفرض نقاشًا وطنيًا عميقًا يتجاوز منطق التكيّف مع الواقع المفروض، نحو مساءلة البنى السياسية القائمة، واستعادة المعنى السياسي للمشروع الوطني الفلسطيني.

وإذ لا تدّعي هذه المادة تقديم إجابات نهائية أو وصفات جاهزة، فإنها تسعى إلى الإسهام في فتح مساحة تفكير نقدي ومسؤول حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، في لحظة مفصلية يتوقف عندها الكثير من المسارات. فبين مخاطر التفكيك، وفرص إعادة التأسيس، تبقى القدرة على إنتاج رؤية وطنية جامعة، تستند إلى الإرادة الشعبية، وتُعيد الاعتبار للبعد التحرري للقضية الفلسطينية، هي التحدي المركزي الذي سيحدّد شكل المرحلة القادمة ومآلاتها.