يمثل قطاع التعليم في مدينة القدس المحتلة الجبهة الأكثر تعقيدًا وحساسية في صراع الهوية والسيادة، حيث تحوّل عام 2025 ومطلع عام 2026 إلى مرحلة مفصلية اتسمت بتصعيد إسرائيلي غير مسبوق استهدف تفكيك المرتكزات التعليمية الفلسطينية، وضرب المؤسسات المحلية والدولية العاملة في المدينة.
وتكشف القراءة الاستراتيجية للمشهد التعليمي عن مساعٍ حثيثة لفرض ما يمكن تسميته بـ"السيادة التعليمية" الكاملة، عبر استراتيجية مزدوجة تقوم على محاصرة المدارس التي تعتمد المنهاج الفلسطيني من جهة، وتقديم إغراءات مالية وتطويرية للمدارس التي تقبل بالاندماج في المنظومة الإسرائيلية من جهة أخرى.
وتكشف القراءة الاستراتيجية للمشهد التعليمي في القدس عن انتقال الاحتلال من سياسة “إدارة التعليم الفلسطيني” إلى سياسة “تفكيكه وإعادة تركيبه” وفق النموذج الإسرائيلي. هذا التحول لم يكن فجائيًا، بل جاء نتيجة تراكم سياسات بدأت بالتضييق الإداري والمالي، ثم تطورت إلى تشريعات قانونية، وانتهت بهجمة شاملة تستهدف المدارس، والمعلمين، والمناهج، والمؤسسات الدولية، وصولًا إلى البيئة النفسية والاجتماعية للطلبة.
هذا الواقع أفضى إلى فجوات تمويلية وبنيوية عميقة، إذ تشير التقديرات إلى أن الفجوة التمويلية بين الطالب الفلسطيني ونظيره اليهودي في القدس وصلت إلى 75%، في ظل عجز مزمن في الغرف الصفية يتجاوز 2200 غرفة، وهو عجز يُستغل قسريًا لدفع الطلبة المقدسيين نحو المدارس التابعة لبلدية الاحتلال، تسعى هذه الورقة من إعداد برنامج الإنتاج المعرفي في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الإستراتيجي إلى تحليل السياسات الإسرائيلية المتصاعدة لحسم الوعي العام في القدس المحتلة، عبر القضاء على أي مساحة متاحة لتصدير وعي ذو صلة وطنية في مدارس العاصمة المحتلة وتقديم توصيات للمواجهة.
خلفيات الازمة- الحرب على الوعي
منذ احتلال القدس عام 1967، انتهج الاحتلال سياسة ممنهجة لأسرلة التعليم ضمن مشروع إحلالي أوسع، يستند إلى فرض "عقيدة أرض الميعاد" ومحاولة نزع الهوية العربية-الفلسطينية عن المدينة. بدأ ذلك بإلغاء قانون التعليم الأردني، وإغلاق مكتب التعليم الأردني، ومحاولة فرض المنهاج الصهيوني على المدارس الحكومية، غير أن هذه الخطوة اصطدمت برفض مقدسي واسع دفع الأهالي إلى تحويل أبنائهم نحو المدارس الخاصة ومدارس الأوقاف التي واصلت تدريس المنهاج الأردني، ما أفشل المحاولة المباشرة الأولى.
لم يتراجع الاحتلال، بل انتقل إلى سياسة التدرّج والتحريف، عبر إنتاج نسخ مشوّهة من المنهاج الأردني، وصولًا إلى "المنهاج الأردني المنقّح" عام 1973، الذي أزيلت منه تسمية فلسطين، وفُرضت المسميات العبرية، إلى جانب تعليم اللغة العبرية ومادة "دولة إسرائيل". وبعد اتفاق أوسلو، ورغم إعداد المنهاج الفلسطيني وتطبيقه تدريجيًا في مدارس القدس بين عامي 2000 و2005، واصل الاحتلال إخضاعه للرقابة والحذف عبر لجان الكنيست وشركات صهيونية خاصة، فحُذفت مضامين تتعلق بالهوية الوطنية، والعلم الفلسطيني، والقدس، والانتفاضات، وحق العودة، وأُعيد توزيع الكتب بصيغ محرّفة.
منذ عام 2009، ومع تولي وزراء تعليم متطرفين، انتقلت سياسة الاحتلال من التحريف إلى الإحلال التدريجي للمنهاج الإسرائيلي، عبر توسيع شبكة مدارس بلدية الاحتلال، وقضم التعليم الفلسطيني من مرحلة رياض الأطفال حتى الثانوية. وتكثّفت هذه السياسة ضمن الخطة الحكومية الخماسية (2018–2023)، التي خصصت 875 مليون شيكل لأسرلة التعليم في القدس، في إطار مشروع دمج قسري يستهدف الوعي والهوية قبل أي شيء آخر.
واقع التعليم في القدس – سياق الأزمة والتحولات الراهنة
شهد عام 2025 تحولًا جذريًا في طبيعة التعاطي الإسرائيلي مع المؤسسات التعليمية في "القدس الشرقية"، حيث لم يعد التضييق يقتصر على الإجراءات الإدارية أو الرقابية، بل انتقل إلى مرحلة "التصفية المؤسساتية" عبر تشريعات "الكنيست."
وباتت السياسة التعليمية الإسرائيلية تُدار ضمن إطار "الخطة الخمسية" (2024–2028)، التي تهدف صراحة إلى دمج المنظومة التعليمية المقدسية داخل الهيكل الإسرائيلي، مع رصد ميزانيات كبيرة لترميم المدارس التي تتبنى منهاج "البجروت"، مقابل تهميش المدارس الأهلية والخاصة ومدارس الأوقاف التي تصر على تدريس المنهاج الفلسطيني.
التسلسل الزمني لأبرز المحطات والانتهاكات التعليمية منذ أواخر 2024 حتى مطلع 2026
|
التاريخ |
الحدث / الإجراء الإسرائيلي |
الأثر المباشر على المنظومة التعليمية |
|
أكتوبر 2024 |
تصديق الكنيست على قوانين حظر وكالة "أونروا" |
البدء الفعلي لعملية تجفيف منابع التعليم الدولي في القدس |
|
يناير 2025 |
دخول قانون حظر "أونروا" حيز التنفيذ الكامل |
وقف كافة الاتصالات الرسمية وسحب الامتيازات من مدارس الوكالة |
|
فبراير 2025 |
اقتحام المكتبة العلمية واعتقال مالكيها |
استهداف الذاكرة الثقافية والمراجع التاريخية الفلسطينية |
|
أبريل 2025 |
تسليم أوامر إغلاق لـ 6 مدارس تابعة للأونروا |
تحديد مهلة شهر واحد لحرمان مئات الطلبة من حقهم في التعليم |
|
مايو 2025 |
تنفيذ قرار الإغلاق واقتحام مدارس مخيم شعفاط |
طرد 1200 طالب و98 موظفاً من مؤسساتهم التعليمية بقوة السلاح |
|
يوليو 2025 |
إقرار قانون منع توظيف خريجي الجامعات الفلسطينية |
ضرب الكادر التعليمي المقدسي وفرض التبعية الأكاديمية للاحتلال |
|
سبتمبر 2025 |
انطلاق العام الدراسي ببيئة تعليمية مهدمة |
اضطرار مئات الطلاب للالتحاق بمدارس البلدية لغياب البدائل |
|
ديسمبر 2025 |
رفع العلم الإسرائيلي على مقر "أونروا" بالشيخ جراح |
رمزية إنهاء الوجود الأممي في القدس وتكريس السيادة الاحتلالية |
|
يناير 2026 |
إضراب المدارس الأهلية والمسيحية |
الاحتجاج على "تصاريح الإذلال" ومنع وصول معلمي الضفة |
استهداف وكالة "أونروا" – تصفية قضية اللاجئين عبر بوابة التعليم
يشكّل استهداف مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في القدس الركيزة الأساسية في المخطط الإسرائيلي الرامي إلى تصفية الوجود الرمزي والخدماتي للاجئين داخل المدينة. الهجمة على الوكالة لم تكن إدارية أو قانونية فحسب، بل حملت بعدًا سياسيًا واضحًا يهدف إلى شطب صفة "اللاجئ" عن سكان القدس وإجبارهم على الذوبان داخل المنظومة الإسرائيلية.
في الثامن من مايو 2025، اقتحمت قوات الاحتلال مدارس الأونروا، وألزمت الطلبة والمعلمين بمغادرة المباني خلال ساعة واحدة فقط، دون مراعاة حرمة المؤسسات الأممية أو التوقيت الدراسي، حيث جاء القرار في الربع الأخير من العام الدراسي، ما وضع مئات العائلات في حالة من الذعر والتخبط.
ويمكن قراءة الهدف الجوهري من هذه الخطوة باعتباره خطوة متقدمة لفرض السيطرة الكاملة على العملية التعليمية، إذ كانت مدارس الأونروا تقدم تعليمًا مجانيًا يعتمد المنهاج الفلسطيني الأصلي، وهو ما تصنّفه إسرائيل باعتباره "تحريضًا".
وبعد الإغلاق، وجد الأهالي أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما ترك أبنائهم دون تعليم، أو تسجيلهم في مدارس البلدية التي تفرض المنهاج الإسرائيلي.
المدارس والطلاب المتضررون من إغلاق مؤسسات "أونروا"
شمل الإغلاق سبع مؤسسات تعليمية موزعة على مخيم شعفاط، وسلوان، وصور باهر، ووادي الجوز، إضافة إلى كلية قلنديا للتدريب المهني، وتشير المعطيات إلى أن نحو 50% من الطلبة اضطروا فعليًا للالتحاق بمدارس الاحتلال نتيجة غياب البدائل.
وتراوح عدد الطلبة المتضررين بين 1200 و1350 طالبًا وطالبة، إلى جانب أكثر من 98 موظفًا من الكادر التعليمي والإداري. موزّعين على هذا النحو
|
اسم المنطقة / المخيم |
عدد المدارس |
عدد الطلاب |
|
مخيم شعفاط |
3 مدارس |
550 - 700 طالب |
|
سلوان |
مدرسة واحدة |
حوالي 100 - 150 طالب |
|
صور باهر |
مدرسة واحدة |
حوالي 100 طالب |
|
وادي الجوز |
مدرسة واحدة |
حوالي 100 طالب |
|
كلية قلنديا للتدريب المهني |
مركز واحد |
350 متدربًا |
|
الإجمالي العام |
7 مؤسسات |
1200 - 1350 |
يشار إلى أنّ عدد الملتحقين في كليّة قلنديا يضاعف العدد المذكور بأكثر من ثلاث مرّات، لكن الرقم المرفق، المعتمد من وكالة الأونروا للاجئين المسجّلين فيها، كون الكليّة تضم مئات الطلبة من غير اللاجئين.
التضييق على الكوادر التعليمية – حرب المؤهلات والتصاريح
- قانون منع توظيف خريجي الجامعات الفلسطينية
في يوليو 2025، دخل حيز التنفيذ قانون يمنع توظيف أي معلم يحمل شهادة من جامعة فلسطينية في مدارس القدس، إلا بشروط معقدة تشمل معادلة الشهادة والخضوع لبرامج تدريبية إسرائيلية ذات طابع أمني وفكري.
ويستهدف هذا القانون نحو 60% من معلمي القدس، والبالغ عددهم قرابة 6700 معلم، معظمهم من خريجي جامعات القدس وبيرزيت والنجاح، في محاولة واضحة لتجفيف منابع الكادر الوطني وإحلال كوادر "مؤسرلة".
- أزمة تصاريح المعلمين (يناير 2026)
مع مطلع عام 2026، واجهت المدارس الأهلية والمسيحية أزمة خانقة تمثلت في رفض تجديد تصاريح دخول المعلمين القادمين من الضفة الغربية. وشملت الأزمة 15 مدرسة، وأثّرت على أكثر من 7600 طالب، ومنعت ما بين 183 و300 معلم وموظف من الوصول إلى أماكن عملهم.
وفرض الاحتلال تصاريح لمدة خمسة أيام فقط، مع استثناء يوم السبت، في محاولة لفرض التقويم الأسبوعي الإسرائيلي قسرًا على المدارس الفلسطينية.
محاولات أسرلة التعليم وفرض المنهاج الإسرائيلي
تُعد أسرلة التعليم المشروع المركزي للاحتلال في القدس، حيث تسعى وزارة المعارف وبلدية الاحتلال إلى تحويل المنهاج الفلسطيني من أداة لبناء الهوية إلى مادة مشوهة تفرغ الطالب من تاريخه ووعيه.
وتشمل هذه السياسة تحريف المناهج أو فرض منهاج "البجروت" الإسرائيلي بشكل كامل، عبر سياسة العصا والجزرة.
تشير مراجعات مقارنة إلى حذف متعمد لمضامين أساسية، أبرزها دروس النكبة عام 1948، واستبدال اسم فلسطين بإسرائيل في الخرائط، وحذف الرموز الوطنية، وتحريف مواد التربية الإسلامية والتاريخ الإسلامي.
وبحسب الإحصاءات، بلغ عدد الطلبة الملتحقين بالمنهاج الإسرائيلي نحو 22,966 طالبًا، أي ما يقارب 27% من مجموع الطلبة، فيما يخضع نحو 70% من الطلبة لنظام مدارس البلدية، مقابل 33,817 طالبًا فقط في المدارس الخاصة التي لا تزال تعتمد المنهاج الفلسطيني الأصلي.
آليات التحريف والحذف الممنهج
تُشير دراسات مقارنة أجرتها لجان أولياء الأمور إلى أن الاحتلال يقوم بحذف متعمد لكل ما يربط الطالب بهويته، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- التاريخ والجغرافيا: حذف الدروس المتعلقة بنكبة عام 1948، واستبدال اسم فلسطين بـ "إسرائيل" في الخرائط، وحذف نصوص تؤكد وجود حضارة إنسانية في فلسطين منذ 10 آلاف عام لتعزيز السردية الصهيونية.
- الرموز الوطنية: إزالة صور العلم الفلسطيني، والقصائد التي تتحدث عن المقاومة أو الأسرى، وحذف صور القادة والشهداء.
التربية الإسلامية: تحريف تفسير بعض الآيات القرآنية لخدمة الرواية الصهيونية، وحذف الدروس المتعلقة بالبطولات الإسلامية مثل معارك خالد بن الوليد وعمر المختار
تفتيش المدارس واستهداف المكتبات – الإرهاب النفسي والثقافي
شهد عام 2025 اقتحامات متكررة للمدارس وتفتيش حقائب الطلبة بحثًا عن كتب فلسطينية غير "معدلة"، ما خلق حالة رعب نفسي ورفع معدلات التسرب المدرسي إلى نحو 19.4%. كما استُهدفت المكتبات والمراكز الثقافية، عبر إغلاق المكتبة العلمية ومكتبة القدس، ومصادرة مئات الكتب بحجة "التحريض"، في مسعى واضح لتجفيف منابع الثقافة الوطنية خارج الإطار المدرسي..
استهداف المكتبات والمراكز الثقافية
شهد شهر فبراير 2025 تصعيداً ضد المؤسسات المعرفية في المدينة، بهدف تجفيف منابع الثقافة الوطنية خارج الإطار المدرسي:
- المكتبة العلمية (10 فبراير 2025): اقتحمت قوات الاحتلال المكتبة العريقة في شارع صلاح الدين، واعتقلت مالكيها (محمود وأحمد منى)، وصادرت مئات الكتب المتعلقة بفلسطين والتاريخ والسياسة بذريعة أنها "كتب تحريضية".
- مكتبة القدس (فبراير 2025): إغلاق المكتبة الواقعة في سوق خان الزيت واعتقال صاحبها (هشام العكرماوي) بنفس الذريعة.
- مدرسة الاستقلال في شعفاط (أغسطس 2025): إغلاق المدرسة الأهلية بحجة تدريس "مناهج إرهابية"، مما ترك 150 طالباً بلا مقاعد دراسية.
استراتيجية المواجهة: الصمود المقدسي وغياب الخطة الشاملة
أمام هذا الواقع المظلم، لم يقف المجتمع المقدسي مكتوف الأيدي، بل برزت عدة مبادرات وتحركات لمواجهة "الأسرلة" وحماية المنظومة التعليمية.
أولاً: لجان أولياء الأمور والإضرابات
لعبت لجان أولياء الأمور دوراً محورياً في رفض فرض المنهاج الإسرائيلي، حيث نُظمت عدة إضرابات في بداية عام 2025 شملت مدارس سلوان ورأس العامود، ورفض الأهالي نقل أبنائهم من مدارس وطنية إلى مدارس تابعة للبلدية. وتُشير التقارير إلى نجاح هذه الحملات في إقناع مئات الطلاب بالتراجع عن التسجيل في منهاج "البجروت" رغم المغريات المادية.
ثانياً: التعليم الإلكتروني والمنصات البديلة
نتيجة لإغلاق المدارس والملاحقة الميدانية للمنهاج، تم التوجه نحو "التحول الرقمي" كأداة للمقاومة التعليمية:
- المنصة الإلكترونية الأردنية: تم الاتفاق مع جهات أردنية رسمية لإنشاء منصة تعليمية تشرح الدروس "الممنوعة إسرائيلياً"، حيث يُتاح للطلاب والمعلمين الدخول بأسماء وهمية لتفادي الملاحقة الأمنية.
- التعليم عن بعد في مخيم شعفاط: بعد إغلاق مدارس الأونروا، تم اعتماد التعليم "أونلاين" كبديل مؤقت لحماية الطلاب من الاعتقال والاقتحامات، رغم ضعف البنية التحتية.
ثالثاً: المدارس البديلة (الأوقاف)
تجري محاولات حثيثة من قبل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية ودائرة الأوقاف الإسلامية لاستيعاب طلاب "أونروا" في مبانٍ تابعة للأوقاف، مثل إنشاء مدرسة بديلة في مخيم شعفاط تتسع لـ 8 غرف صفية كحل إسعافي لإنقاذ العام الدراسي الجاري.
الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية
إن تحليل واقع التعليم في القدس خلال الفترة (2024-2026) يؤكد أننا أمام "عملية حسم شاملة" تستهدف الوعي المقدسي وتفتيت النسيج الاجتماعي للمدينة. إن إغلاق مدارس الأونروا، وملاحقة معلمي الضفة، وتحريف المناهج، واقتحام المكتبات، كلها أدوات في يد الاحتلال لفرض واقع "عاصمة موحدة" من منظور صهيوني، مع تجهيل وتهميش السكان الأصليين.
ويُشكل غياب خطة وطنية شاملة تبدأ ببعدها الفلسطيني، وتمتد لتحظى ببعد عربي وإسلامي واسع للحفاظ على هوية المدينة المقدسة، بما فيها حفظ حق طلبة القدس في تلقي تعليم وطني فلسطيني بعيدًا عن سياسات الأسرلة، معضلة رئيسية تجعل من كل الجهود الحالية، محاولات اسعافية محدودة وغير كافية في وجه الهجمة الإسرائيلية المنظمة والمتدحرجة بشكل مُطرد وقمعي، مما يحتم ضرورة المسارعة لاتخاذ خطوات مواجهة أكبر وأكثر فعالية. وفي هذا الإطار، تتمثل التوصيات الضرورية لمواجهة هذا التحدي في:
- إعداد خطة مواجهة وطنية شاملة: العمل على تداعي كل الأطراف ذات العلاقة، لإعداد خطة وطنية يُسخر لها كل الدعم العربي والإسلامي، وتأخذ بعين الاعتبارات التحديات الشاخصة بواقعية وتبني خططها لتحقيق عمليات تأثير حقيقي ومستدام، يحفظ الهوية الوطنية في الوعي الجمعي لطلبة مدينة القدس.
- الدعم المالي المستدام: ضرورة توفير ميزانية وطنية وعربية طارئة للمدارس الأهلية والخاصة في القدس لمساعدتها على دفع ضرائب "الأرنونا" الباهظة والصمود أمام الإغراءات الإسرائيلية.
- تفعيل العمل النقابي: ضرورة إعادة تشكيل نقابات المعلمين داخل القدس لحماية الحقوق الوظيفية للمعلمين المهددين بالفصل أو المنع من العمل.
- التدويل القانوني: رفع قضايا عاجلة أمام المحاكم الدولية والمنظمات الأممية (اليونسكو) ضد إغلاق مدارس الأونروا واقتحام المؤسسات التعليمية، باعتبارها انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
- تعزيز الوعي الشعبي: استمرار دور لجان أولياء الأمور في توعية العائلات بخطورة "البجروت" وتأثيره طويل الأمد على مستقبل أبنائهم الوطني والأكاديمي.
إن بقاء التعليم في القدس "فلسطينياً" هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الوجود العربي في المدينة، وأي تقصير في دعم هذا القطاع سيؤدي حتماً إلى نجاح مخططات "الأسرلة" التي باتت قاب قوسين أو أدنى من السيطرة الكاملة على عقول الأجيال القادمة.