في العشرين من تموز/يوليو 2026، دخل السياسي العمالي آندي بيرنهام مقر رئاسة الحكومة البريطانية خلفًا لكير ستارمر، ليصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عقد واحد. وقد جاء وصوله عبر مسار غير معتاد: انطلاقًا من الحكم المحلي في مانشستر الكبرى، ثم عودة مدروسة إلى مجلس العموم عبر انتخابات فرعية، فتنافس داخلي حُسم بالتزكية. [1]
تتناول هذه الإحاطة، الصادرة عن مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، أبرز ملامح مسار بيرنهام السياسي، وتخصّص القسم الأكبر منها لتوجهاته تجاه القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، مع تقدير أوّلي لحدود التغيير المتوقّع.
أولًا: النشأة والمسار
وُلد أندرو موراي بيرنهام في السابع من كانون الثاني/يناير 1970 في بلدة إنتري بضواحي ليفربول، وترعرع في قرية كالتشيث بمقاطعة تشيشير قرب وارينغتون في شمال غرب إنجلترا، ضمن أسرة كاثوليكية عاملة؛ إذ عمل والده مهندسًا في قطاع الاتصالات الهاتفية، ووالدته موظفة استقبال في عيادة طبية. درس اللغة الإنجليزية في كلية فيتزويليام بجامعة كامبريدج، وكان أول أبناء عائلته التحاقًا بالتعليم الجامعي، وقد تحدّث مرارًا عن شعوره بالغربة داخل مؤسسة نخبوية بحكم خلفيته الطبقية. [2]
انضم إلى حزب العمال في الخامسة عشرة من عمره عام 1984، وبدأ حياته المهنية في الصحافة المتخصصة قبل أن يعمل باحثًا لدى النائبة العمالية الراحلة تيسا جويل، ثم مستشارًا خاصًا لوزير الثقافة كريس سميث. انتُخب نائبًا عن دائرة لي في مانشستر الكبرى عام 2001، وتدرّج سريعًا: أمينًا عامًا للخزانة، فوزيرًا للثقافة والإعلام والرياضة عام 2008، ثم وزيرًا للصحة (2009–2010) في حكومة غوردون براون، وتولّى في المعارضة حقائب التعليم والصحة والداخلية في حكومة الظل. [3]
شكّلت كارثة ملعب هيلزبره محطة مفصلية في صورته العامة؛ فقد دفعته الهتافات الغاضبة التي واجهها في إحياء الذكرى العشرين عام 2009 إلى إثارة الملف داخل مجلس الوزراء، وهو ما أفضى إلى تشكيل "اللجنة المستقلة لهيلزبره" ومهّد لإعادة فتح التحقيقات، مانحًا إياه رصيدًا أخلاقيًا يصعب اكتسابه.
خاض سباق زعامة الحزب مرتين قبل نجاحه: عام 2010 حيث حلّ رابعًا، وعام 2015 حيث خسر أمام جيريمي كوربين، قبل أن يتولى وزارة الداخلية في حكومة الظل بقيادته. ومع الوقت تحوّلت مواقفه الاقتصادية نحو اليسار، إذ أيّد تأميم قطاعي المياه والطاقة. وفي المقابل، يرى منتقدوه أن هذا التنقل يعكس مرونة براغماتية أكثر مما يعكس تحوّلًا فكريًا مستقرًا. [4]
ثانيًا: تجربة مانشستر والوصول إلى الحكم
استقال من مقعده البرلماني عام 2017 ليصبح أول رئيس منتخب لبلدية مانشستر الكبرى بأكثر من 60% من الأصوات، ثم أُعيد انتخابه عامي 2021 و2024. ويُعدّ ملف النقل أوضح إنجازاته: فبعد مقاومة مؤسسية وطعون قضائية كسبها أمام المحكمة العليا عام 2022، أصبحت مانشستر الكبرى في أيلول/سبتمبر 2023 أول منطقة في إنجلترا تعكس سياسة تحرير قطاع الحافلات المعمول بها منذ نحو أربعة عقود، عبر شبكة "بي نتوورك" الموحّدة للتذاكر. غير أن التقييم الموضوعي يسجّل إخفاقات قائمة أيضًا: استمرار نقص المعروض السكني، وبقاء ظاهرة النوم في الشارع، وإشكالات في أداء الشرطة المحلية. [5]
ومع تدهور شعبية حكومة ستارمر وتقدّم حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج، مُنع بيرنهام من خوض انتخابات غورتون ودنتون الفرعية بقرار من اللجنة التنفيذية الوطنية، قبل أن يستقيل النائب جوش سايمونز من مقعده في دائرة ميكرفيلد ليفوز بيرنهام بها في 18 حزيران/يونيو 2026. وبعد أربعة أيام فقط أعلن ستارمر اعتزامه الاستقالة، فحصل بيرنهام على تزكية 379 نائبًا من أصل 403 (أكثر من 94% من الكتلة البرلمانية)، وأُعلن زعيمًا بالتزكية في 17 تموز/يوليو.
وفي أول خطاب له من داونينغ ستريت، أعلن أن أول توجيه يصدره سيكون لإنهاء ظاهرة النوم في الشارع، مع تخصيص 340 مليون جنيه إسترليني. وأجرى تعديلًا وزاريًا واسعًا أزاح فيه مقرّبين من ستارمر، فعيّن إد ميليباند وزيرًا للخارجية، وأنجيلا راينر للإسكان، ووِس ستريتنغ للدفاع، معرّفًا حكومته بوصفها "حكومة كلفة المعيشة". [7]
ثالثًا: التوجهات تجاه القضية الفلسطينية
1. سجل مركّب
يتّسم سجل بيرنهام بالازدواج المدروس. فقد أعلن خلال حملته عام 2015 تأييده الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ووصف المستوطنات بأنها "غير قانونية وغير أخلاقية"، وصاغ موقفه من الاعتراف بعبارة مفادها أنه ليس هبة تُمنح بل حق يُعترف به. وفي العام نفسه انضم إلى مجموعة "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال"، وصرّح بأن إسرائيل ستكون وجهته الخارجية الأولى إن أصبح زعيمًا للحزب، كما عارض حركة المقاطعة (BDS) مفضّلًا إجراءات موجّهة حصريًا ضد منتجات المستوطنات. [8]
2. الحرب على غزة والاعتذار العلني
في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبينما كانت قيادة الحزب ترفض المطالبة بوقف إطلاق النار مكتفيةً بـ"هدن إنسانية"، خرج بيرنهام عن الخط الرسمي إلى جانب صادق خان وأنس سروار مطالبًا بوقف إطلاق النار. غير أن صياغته آنذاك ظلت ضمن الإطار التقليدي، إذ أقرّت بحق إسرائيل في "اتخاذ إجراءات موجّهة ضمن القانون الدولي". وقد كان أيضًا ضمن الأصوات التي طالبت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية "دون تأخير" قبل ثلاثة أشهر من إقدام الحكومة على تلك الخطوة. [9]
وفي التاسع من تموز/يوليو 2026، نشر رسالة مصوّرة اعتذر فيها صراحة عن أداء حزبه، قائلًا إن كثيرين يشعرون بأن الحزب "لم يُحسن التصرف" في بداية العملية العسكرية الإسرائيلية وأنه آسف لذلك، وأن بريطانيا "كانت بطيئة أكثر من اللازم" في الدعوة إلى وقف إطلاق النار. ووصف المعاناة الإنسانية في غزة بأنها "ندبة في ضميرنا الجماعي"، واتهم حكومة نتنياهو صراحة بالسعي إلى جعل حل الدولتين مستحيلًا، منتقدًا الانتهاكات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار وتصاعد عنف المستوطنين وتوسّع الاستيطان — مع موازنة خطابية ثابتة تجدّد إدانة هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول وإدانة معاداة السامية. [10]
3. الأدوات المطروحة وحدودها
أشار بيرنهام إلى حزمة تشمل: توسيع العقوبات على أفراد وكيانات إسرائيلية؛ ودراسة حظر التبادل التجاري في سلع المستوطنات؛ وتشديد القيود على تراخيص تصدير السلاح بما يضمن ألّا تُستخدم ذخائر بريطانية في غزة أو الضفة. وتشير التقارير إلى أن وزارة الخارجية بدأت فعليًا دراسة آليات منع دخول السلع ذات المنشأ الاستيطاني. [11]
غير أن حدود الموقف واضحة، فامتناعه عن استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" هو أبرزها؛ إذ رفض التوصيف معلّلًا بأنه لا يستطيع الحكم في مسألة بهذه الجسامة من موقعه رئيسًا لبلدية، مع إقراره بوجود "أدلة متزايدة" على جرائم حرب وإحالته التكييف القانوني إلى المحاكم الدولية. وترى تهاني مصطفى، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن تفادي هذا التوصيف يُبقي الباب مفتوحًا أمام التملّص من التزامات بريطانيا القانونية. [12]
أما الحدّ الثاني فيتعلق بالسلاح: لم يلتزم بيرنهام بتعليق كامل للتراخيص، ولا سيما المرتبطة ببرنامج المقاتلة F-35، رغم أن التشريعات البريطانية تحظر البيع حيثما وُجد خطر واضح باستخدامه في انتهاك القانون الدولي الإنساني. ويُذكر أن حكومة ستارمر علّقت في أيلول/سبتمبر 2024 تسعة وعشرين ترخيصًا فقط من أصل نحو 350، مع استثناء برنامج F-35 الذي تورّد بريطانيا نحو 15% من مكوّناته. ويُضاف ملف حظر حركة "العمل من أجل فلسطين" الذي أفضى إلى أكثر من ثلاثة آلاف اعتقال، دون أي التزام صادر عنه بمراجعته. [13]
4. البيئة الضاغطة وردود الفعل
لا يمكن قراءة التحوّل الخطابي بمعزل عن كلفة انتخابية موثّقة: فـ50% من البريطانيين يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة مقابل 17% يرون خلاف ذلك؛ وثلثا ناخبي حزب العمال الذين تحوّلوا إلى حزب الخضر فعلوا ذلك بدافع موقف الحزب من غزة؛ وأكثر من 60% من أعضاء الحزب عبّروا عن استيائهم مع تأييد أغلبيتهم تعليق جميع صادرات السلاح. [14]
وتنقسم تقديرات الخبراء: فبينما يرجّح باتريك دايموند وأفي شلايم أن الدافع تكتيكي وانتخابي أكثر منه أخلاقي، يرى يوسي مكيلبرغ من "تشاتام هاوس" أن الموقف ينبع من بوصلة أخلاقية، ويقدّر تيم بيل أن الخطوة "رمزية أكثر منها جوهرية" وأن بريطانيا باتت قريبة من سقف ما يمكنها فعله. [15]
وقد أثارت مواقفه جدلًا في اتجاهين متعاكسين: فقد أعرب مجلس نواب اليهود البريطانيين ومجلس القيادة اليهودية عن "قلق بالغ" إزاء صياغته لملف غزة مع ترحيبهما بالتزامه مكافحة معاداة السامية؛ فيما اتهمه زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي بتقديم نسخة مخفّفة، وبأنه لم يشر إلى نيّته وقف بيع السلاح رغم اعتذاره. [16]
رابعًا: مآلات مستقبلية
يُرجَّح أن يكون التغيير تحوّلًا في النبرة والتوصيف أكثر منه في البنية والأدوات، على الأقل في المدى القصير، استنادًا إلى أربعة مؤشرات: بقاء الإطار المرجعي على حاله (التمسك بحل الدولتين ورفض عزل إسرائيل)؛ وأولوية الملف الداخلي بعد تعريف الحكومة بأنها "حكومة كلفة المعيشة"؛ والقيود الأطلسية في ظل إدارة أمريكية شديدة الانحياز؛ وحساسية ملف معاداة السامية داخل الحزب.
وفي المقابل، ثمة هوامش للتغيير الفعلي: فحظر تجارة سلع المستوطنات دخل مرحلة الدراسة التقنية داخل وزارة الخارجية وهو الأقرب إلى التنفيذ لاتساقه مع الموقف القانوني البريطاني المعلن؛ وتوسيع العقوبات الفردية لا يستدعي كلفة سياسية عالية؛ والضغط البرلماني والقاعدي على ملف السلاح سيبقى متصاعدًا. وقد دعا خبراء الشرق الأوسط إلى التنفيذ الفعلي للضمانات القائمة على صادرات السلاح لا الاكتفاء ببقائها حبرًا على ورق. [17]
وعليه، فإن المعيار العملي لقياس جدية التحوّل يرتكز إلى ثلاثة اختبارات محددة: هل يُترجم حظر تجارة سلع المستوطنات إلى قرار ملزم؟ وهل تُراجَع منظومة تراخيص السلاح بما يشمل استثناء F-35؟ وهل يُعاد النظر في تصنيف "العمل من أجل فلسطين" منظمةً إرهابية؟
[1]"2026 Labour Party Leadership Election," Wikipedia, accessed July 22, 2026, https://en.wikipedia.org/wiki/2026_Labour_Party_leadership_election.
[2]"Andy Burnham," Encyclopædia Britannica, last modified July 21, 2026, https://www.britannica.com/biography/Andy-Burnham.
[3]"Who Is Andy Burnham? Biography, Policies and Political Record," The Burnham Programme, accessed July 22, 2026, https://theburnhamprogramme.co.uk/who-is-andy-burnham؛ و"Andy Burnham," Wikipedia, accessed July 22, 2026, https://en.wikipedia.org/wiki/Andy_Burnham.
[4]"Who is Andy Burnham? Ex-Manchester Mayor Set to Be the Next Prime Minister," BBC News, يونيو/حزيران 2026, https://2u.pw/0PO4bJ.
[5]Georgina Blakeley, "Andy Burnham Promised to Change Greater Manchester. Almost Ten Years On, How Did He Do?," The Conversation, July 16, 2026, https://theconversation.com/andy-burnham-promised-to-change-greater-manchester-almost-ten-years-on-how-did-he-do-286893.
[7]"British Leader Burnham Gathers His Cabinet after Sweeping Away Starmer Supporters," Associated Press/The Washington Times, July 21, 2026, https://www.washingtontimes.com/news/2026/jul/21/british-leader-andy-burnham-gathers-cabinet-sweeping-away-keir/؛ و"Bold Pledges, Upbeat Mood and Informality," CNN, July 20, 2026, https://www.cnn.com/2026/07/20/uk/andy-burnham-new-uk-prime-minister-intl.
[8]"Where New UK Prime Minister Andy Burnham Stands on the Middle East," The Jerusalem Post, July 20, 2026, https://www.jpost.com/international/article-903038؛ و"As Burnham Emerges as PM Contender, Where Does He Stand on Gaza?," The New Arab, May 18, 2026, https://www.newarab.com/news/burnham-emerges-pm-contender-where-does-he-stand-gaza.
[9]"Labour Divisions Deepen over Gaza Ceasefire Stance," BBC News, October 27, 2023, https://feeds.bbci.co.uk/news/uk-politics-67238594؛ و"Andy Burnham Nears UK Premiership as Israel Record Comes under Scrutiny," Ynetnews, يونيو/حزيران 2026, https://www.ynetnews.com/article/bkgolciggg.
[10]Yashraj Sharma, "Andy Burnham Apology for Labour Stance on Gaza: Is UK's Position Shifting?," Al Jazeera, July 10, 2026, https://www.aljazeera.com/features/2026/7/10/andy-burnham-apology-for-labour-stance-on-gaza-is-uks-position-shifting؛ و"غزة تشعل انقسامًا: آندي بورنهام يعتذر عن موقف حزب العمال تجاه القطاع"، يورونيوز، تموز/يوليو 2026، https://2u.pw/YTtqNI.
[11]"UK's New Prime Minister Takes Office with Israel Sanctions on Agenda," Ynetnews, July 20, 2026, https://www.ynetnews.com/article/r1xdyss4me.
[12]"Will Andy Burnham Mark a Shift in the UK's Gaza Policy?," Al Jazeera, June 29, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/6/29/will-andy-burnham-mark-a-shift-in-the-uks-gaza-policy.
[13]Sharma, "Andy Burnham Apology for Labour Stance on Gaza"؛ ويستند إلى تقرير أوكسفام بشأن تراخيص التصدير العسكري البريطانية إلى إسرائيل منذ عام 2015.
[14]المرجع نفسه. وتشمل الاستطلاعات المشار إليها استطلاع "يوغوف" بتكليف من مجلس التفاهم العربي البريطاني (Caabu)، واستطلاع حملة التضامن الفلسطينية.
[15]"What Andy Burnham Means for UK Policy in the Middle East," The New Arab, July 20, 2026, https://www.newarab.com/analysis/what-andy-burnham-means-uk-policy-middle-east.
[16]"Where Does Andy Burnham, the New British Prime Minister, Stand on Israel and Antisemitism?," Jewish Telegraphic Agency, July 20, 2026, https://www.jta.org/2026/07/20/global/where-does-andy-burnham-the-new-british-prime-minister-stand-on-israel-and-antisemitism؛ و"Polanski Criticises Burnham for Not Imposing Full Arms Embargo on Israel," The Jewish Chronicle, July 17, 2026, https://www.thejc.com/news/politics/polanski-burnham-arms-embargo-israel-guh9y6ed.
[17]"Middle East Experts Urge Andy Burnham to Go Further on Palestinian Policy," The National, July 10, 2026, https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/07/10/middle-east-experts-urge-andy-burnham-to-go-further-on-palestinian-policy/.