الرئيسية| مقالات وآراء| تفاصيل الخبر

تحليل مؤشرات القوة والضعف في المواجهة الأمريكية الإيرانية

12:45 م،25 يوليو 2026

وليد عبد الحي

يقتضي تحليل المواجهة الخشنة في العلاقات الدولية رصد ثلاثة أبعاد:

أ- ميزان القوى في أبعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والتقنية بين أطراف المواجهة.

ب- فن إدارة متغيرات القوة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب أو أقل قدر من الخسائر.

ت- طبيعة الظرف الدولي لحظة المواجهة (هل هو حرب ساخنة أو باردة أو أميل إلى التعاون، أو يعيش أزمات اقتصادية حادة... إلخ).

وعند قراءة المشهد الحالي بين إيران والولايات المتحدة، تتبدى لنا ملامح أولية:

1- نقاط الضعف الإيرانية:

أ- يعاني الاقتصاد الإيراني من مجموعة من المؤشرات، تتمثل بشكل رئيسي في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة المحلية، ثم تآكل القدرة على جذب الاستثمارات الخارجية، ناهيك عن قصور القدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية بالقدر الكافي.

ب- قدرات إيران العسكرية فيها جوانب ضعف، لعل أبرزها الاعتماد على طائرات حربية يكاد معظمها أن يكون قديمًا، كما أن دفاعاتها الجوية، رغم بعض التحسن مؤخرًا، لا تتناسب في قدرتها مع التفوق الجوي الأمريكي، كما أن توظيفاتها للحرب غير المتناظرة في المجال البحري ما تزال أقل كفاءة مما يستوجبه الميدان القائم. وتتعزز هذه الثغرات العسكرية بضيق شبكة الحلفاء الدوليين لإيران، مما يجعل إسنادها في هذا الجانب محدودًا.

ت- تعاني إيران من جوار جيوسياسي، في معظمه، لا يتعاطف مع مواقفها في الحد الأدنى، ويعاديها في الحد الأعلى، وهو ما يتضح في الجوار العربي والجوار الأذري والتردد التركي والباكستاني، وهو ما يضيق حركة إيران استراتيجيًا.

ث- وجود حركات مسلحة داخلية معارضة للنظام لأسباب قومية أو مذهبية (سنة وشيعة) أو أيديولوجية في معظم أطراف الجغرافيا الإيرانية، وهو ما يجعلها أكثر نزوعًا إلى الحركة ضد المركز (الأكراد والبلوش والعرب... إلخ)، وبخاصة مع التحريض الخارجي لهذه القوى.

ج- قدرة الإعلام الغربي والعربي والإسرائيلي على تكريس فكرة «دعم إيران للإرهاب»، وهو ما يجعل درجة التعاطف معها أقل مما تنتظره إيران، التي تحاول تقديم نفسها على أنها تقاوم «الطغيان الدولي».

ح- إن معدلات الاستقرار السياسي والفساد والديمقراطية في إيران ما تزال تضع إيران في الصف الخلفي قياسًا إلى موقعها الدولي.

خ- لا يزال الإعلام الإيراني، وخاصة التصريحات الرسمية التي ينقلها الإعلام الرسمي، يعاني من مبالغات في تقييم القدرات الذاتية والقدرة على إيذاء الطرف الآخر، وهو ما يخلق انتظارًا من المجتمع وأنصار إيران لنتائج مبهرة – طبقًا لوعود القادة الإيرانيين – ولكنهم لا يكتشفون نتائج تتوازى مع الوعود الرسمية، وهو ما يفقد هذه التصريحات بعضًا من مصداقيتها.

لكن لإيران رصيدًا من متغيرات القوة التي قد تقلص من وزن متغيرات الضعف:

أ- القيمة الكبيرة لدور الجغرافيا الإيرانية؛ فإيران، بمساحتها التي تعادل حوالي أربعة أضعاف مساحة العراق، وانتشار سلاسل جبال حولها، وبخاصة في المناطق الاستراتيجية والحساسة، تجعل احتمالات الاحتلال البري نوعًا من المغامرة عالية التكلفة وغير مضمونة النتائج.

ب- لعل منهج «الغموض الاستراتيجي» الإيراني في المجال النووي، وإدراك المجتمع الدولي بأن إيران تقف عند العتبة النووية، يجعلان احتمالات الانتقال إلى الدولة النووية أمرًا لا يجوز استبعاده، ناهيك عن تزايد الشكوك بعد تلميحات كورية شمالية مؤخرًا عن موضوع حلفاء أمريكا النوويين، وبعد طرح فكرة إعادة تأويل الفتوى الدينية النووية الإيرانية بتحريم القنبلة النووية، بحيث يقتصر التحريم على الاستخدام لا على الملكية، مما يعزز احتمالات المفاجأة، مهما كانت نسبة هذا الاحتمال متدنية، لكنها تنقلنا إلى مستوى ما تسميه الدراسات المستقبلية: المتغير قليل الاحتمال عظيم التأثير (Low Probability-High Impact).

ت- عند استعراض الأهداف العسكرية (بخاصة ذات العلاقة بالبرنامج النووي الإيراني) أو المنشآت الأخرى، نجد أنها موزعة بشكل متباعد وبمسافات كبيرة؛ فعدد المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني يقارب 22 وحدة، غير أن المسافات الفاصلة بين هذه المرافق تتراوح بين 130 كيلومترًا، في حدها الأدنى، و450 كيلومترًا، في حدها الأقصى، مما يجعل استهدافها أكثر تعقيدًا (المفاعل النووي العراقي تم تدميره بضربة واحدة؛ لأنه في موقع واحد).

ث- القدرة التصنيعية العسكرية الإيرانية، والتي تتجاوز 70% من حاجة إيران، بخاصة في مجال الصواريخ المختلفة (الباليستية والكروز) والطائرات المسيرة، وهي أسلحة ذات وظيفة ردعية واضحة، ناهيك عن توفر قاعدة علمية متنامية في إيران، تجعلها قادرة على التطوير وتعويض الخسائر البشرية بين نخبها العلمية التي يجري اغتيالها.

ج- التحكم العالي في مضيق هرمز؛ فضيق المضيق، وانتشار حوالي تسع جزر إيرانية فيه، لكل منها مياهها الإقليمية، وتواجد قوات الحرس الثوري في كل هذه الجزر، ناهيك عن إشراف سلسلة جبال زاغروس على المضيق بارتفاعات جبلية تتراوح بين ثلاثة آلاف متر وأكثر من خمسة آلاف متر، وهي مناطق وعرة جدًا وذات صخور رسوبية، وتتواجد على امتدادها مواقع محصنة للحرس الثوري. ولعل هذا التحكم في المضيق يضع إيران في موقف تفاوضي بالغ الأهمية وقابل للتوظيف السياسي والاقتصادي والعسكري.

ح- نجحت إيران في بناء شبكة تحالفات إقليمية قادرة على التأثير بمستويات متباينة، وتكاد تتسم هذه التحالفات بأنها ذات طابع شعبي أكثر منها ذات طابع رسمي، مما يجعل حركتها أكثر استقلالية عن القوى الرسمية في مجتمعاتها.

خ- رغم الحصار الاقتصادي على إيران، فإنها تمكنت من التكيف مع متغيرات هذا الحصار من خلال:

1- تنويع أسواق التصدير، مع التركيز على آسيا، بخاصة الصين والعراق وتركيا، بل والإمارات العربية... إلخ.

2- إغراء بعض الدول باستخدام عملات هذه الدول أو عملات غير الدولار في عقد الصفقات مع إيران.

3- زيادة نمط المقايضة التجارية، أي بيع النفط مقابل الحصول على سلع، لا على دفع نقدي.

4- اتساع شبكة الوسطاء التجاريين الذين يشكلون طرفًا ثالثًا في الصفقات؛ فتتم الصفقة مع دولة معينة، وتشتري هذه الدولة السلع لها، ثم تعود لتصديرها إلى إيران لتجنب البيع المباشر من الدولة الأولى إلى إيران، وهو ما ساهم في نمو القطاع غير الرسمي في التجارة.

5- التركيز على تعزيز الصناعات المحلية، بخاصة في مجالات الدواء والغذاء والقطاعات الهندسية.

6- ساهم انضمام إيران إلى بعض التكتلات الآسيوية والأوراسية (البريكس وشنغهاي... إلخ) في لجم أو تعويض بعض الثغرات في المجال الاقتصادي.

ورغم قوة الولايات المتحدة في الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية والتقنية، فإن إيران تحاول استغلال نقاط الضعف الأمريكية، وأهم الجوانب هنا هي:

1- إدراك إيران أن الرأي العام الأمريكي يشكل عاملًا مهمًا في بنية السلطة الأمريكية (عبر الانتخابات للرئيس والكونغرس... إلخ)، ومن هنا فهي تحاول استثمار أخطاء سياسات ترامب التي لا تلقى ترحيبًا من المجتمع الأمريكي وقواه السياسية، وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي العام الأمريكية.

2- تشكل القواعد الأمريكية في المنطقة نقطة ضعف لأمريكا في «أحد أبعادها»؛ فكل القواعد الأمريكية تطالها اليد الإيرانية، وهو ما يشكل عامل ضغط لصالح إيران.

3- القدرة على اضطراب السوق النفطي من حيث:

أ- تقليص كميات العرض بسبب إغلاق المضيق، مما يقود إلى ارتفاع أسعار الطاقة (الغاز والنفط)، وهو عامل ضغط كبير، بخاصة لأوروبا واليابان... إلخ.

ب- إجبار الولايات المتحدة وأغلب حلفائها على السحب من احتياطيات النفط والغاز المخزنة لديها، وهو أمر يشكل مشكلة في حالة استمراره لفترة طويلة.

ت- إن ارتفاع الأسعار وضيق الوصول إلى موارد النفط والغاز يعززان الموقف الروسي ماليًا واستراتيجيًا، وهو أمر قد تقدم روسيا مقابله لإيران.

4- تراهن إيران على أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الولايات المتحدة تفشل في الحروب طويلة الأمد، أو تكون نتائج حروبها الطويلة دون الهدف الذي حددته.

5- يبدو أن الثقافة السياسية في المعارضة الإيرانية يغلب عليها التمييز بين معارضة سياسات النظام وبين «استقلال وسيادة الكيان السياسي»، ومن هنا لم نرَ المعارضة الإيرانية تستجيب لنداءات التحريض الغربية والإسرائيلية والمطبعين العرب – على الأقل حتى الآن –. ولعل ذلك جعل الرهان على إسقاط النظام يتوارى تدريجيًا.

6- تحاول إيران أن تستثمر الصورة السلبية المتزايدة في المجتمع الدولي ضد إسرائيل، وهو ما يلقى تفهمًا «نسبيًا»، قياسًا إلى الفترات الماضية، من المجتمع الدولي للعداء الإيراني لإسرائيل.

الخلاصة:

يبدو أن النصر المطلق لن يكون لأحد الطرفين في المدى الزمني المباشر، كما أن احتمالات نشوب مواجهات دولية، إضافة إلى ما هو قائم، ستزيد الصورة اضطرابًا. ويبدو أن احتمالات تحولات في الخليج العربي، وبخاصة مع تنامي التهديدات المتبادلة بين اليمن والسعودية، أو في مضيق تايوان، أو مفاجآت ترامبية، ستزيد من هذا التعقيد... لكن تقديري التمهيدي هو أن الطرف العربي هو الخاسر الأول، أيًّا تكن النتائج... ربما.