الرئيسية| مقالات وآراء| تفاصيل الخبر

الشرق الأوسط إلى أين؟

03:23 م،20 أغسطس 2026

وليد عبد الحي

من غير الممكن استشراف مستقبل الشرق الأوسط بعيدًا عن وعي بنيته القائمة، ووعي الأهداف الاستراتيجية للقوى الدولية، ثم محاولة الربط بين الصراعات القائمة أو المتجددة لفهم مآلاتها المستقبلية.

أولًا: البنية القائمة

بالقياس الكمي، وبمنهجيات علمية صارمة، فإن منطقتنا تحتل، بين الأقاليم الجيوسياسية التسعة في العالم، مكانة على النحو الآتي:

  1. هي أعلى مناطق العالم في عدم الاستقرار السياسي من ناحية، والاستبداد السياسي من ناحية ثانية.
  2. هي من أقل مناطق العالم في معدل الإنفاق على البحث العلمي، رغم أن هذا البعد هو دالة التطور.
  3. هي الأعلى عالميًا في درجة الاختراق الخارجي لها، ما يجعلها الأقل سيادةً واستقلالًا في قرارها الداخلي والخارجي.
  4. هي الأعلى في معدلات الإنفاق العسكري، لكنها الأعلى في الهزائم الاستراتيجية.

هنا يصبح طرح التساؤل الآتي ضروريًا: هل بنية بهذه المعطيات مؤهلة للتطور؟

ثانيًا: الصراع على المنطقة وفيها

إن الصراع الدائر حاليًا بين الولايات المتحدة وإيران، والصراع بين الفلسطينيين و«إسرائيل»، والصدوع الاجتماعية في لبنان وسوريا والعراق والسودان وليبيا واليمن، شاخصة وبقوة، بينما باقي الدول العربية «النار تحت الرماد». وكل ذلك لا يجوز استبعاده عند تحليل المعركة الحالية بين إيران والولايات المتحدة، والتي أمامها اتجاهات ثلاثة:

أ- تغيّر القوة المركزية للنظام الإقليمي الشرق أوسطي:

يبدو أن بعض الملامح تعزز هذا التوقع، ولكن دون مغالاة؛ فكل مؤشرات الصراع الحالي تشير إلى أن الولايات المتحدة «لم تنتصر» على إيران، رغم العبء الثقيل الذي تحملته إيران من الضربات الأمريكية و«الإسرائيلية»، كما أن إيران لم تُهزم، رغم تفاوت الإمكانات بين الطرفين. وهذه النتيجة تغوي المراقب ليتلمس بوادر «تآكل» في المنظومة الإقليمية التي سعت الولايات المتحدة، منذ كامب ديفيد، إلى تكريسها.

وهنا من الضروري أن نربط بين «عدم انتصار الولايات المتحدة» في إيران حاليًا، وفشلها السابق في أفغانستان عندما انسحبت منها في أغسطس/آب 2021، بعد عشرين عامًا من غزوها. كما يمكن توظيف الفشل الأمريكي في ترتيب الوضع العراقي مؤشرًا على أن قدرة الولايات المتحدة على تنظيم «الإقليم» استراتيجيًا أصابها بعض العطب. وجاءت ثالثة الأثافي مع حرب إيران الحالية؛ فلا هي قادرة على إسقاط النظام، ولا على فتح مضيق هرمز، ولا على تقييد أذرع إيران في الإقليم، ولا حتى على التحكم في أسعار الطاقة التي تُعد مسألة استراتيجية للعالم كله. كما أن النظام الإيراني كشف عن قدرة تكيّف لا بأس بها مع تفاعلات المواجهة في مختلف تطوراتها.

فإذا أضفنا إلى المشهد الإقليمي الفشل الأمريكي في تسوية القضية الفلسطينية، ولو بأي شكل، فإن ذلك يعزز الشعور بـ«فشل أمريكي متزايد» في ترتيب الإقليم، وهو ما يقود تدريجيًا إلى تآكل مصداقية الاستراتيجية الأمريكية في عيون حلفائها في المنطقة، بما فيها «إسرائيل»، بخاصة مع تنامي النفور المجتمعي الأمريكي تدريجيًا من «السياسات الإسرائيلية»، وهو ما يقيّد حرية الرئيس الأمريكي في مواصلة تعاطفه ومساندته لـ«إسرائيل».

وفي بعض المظاهر، يتبين أن الولايات المتحدة ذاتها أضرّت بنفسها؛ فإذا كانت إيران هي مركز الخطر على المصالح الأمريكية، من خلال تثوير المنطقة، وتأجيج الإسلام السياسي، والتمدد التكتيكي والاستراتيجي في أوصال المنطقة، والنزوع النووي، والتحالفات مع روسيا والصين وكوريا الشمالية... إلخ، فإن أمريكا لجمت قوى معادية وأساسية لإيران، وفي طليعتها النظام البعثي في العراق. فدول الخليج الأخرى أعجز من أن تناطح إيران، ومع إسقاط النظام الصدامي، أصبح العراق، في قطاع غير بسيط منه، عونًا لإيران بدلًا من أن يكون عبئًا عليها، وكأن الولايات المتحدة أطلقت النار على قدمها.

ومع أن إيران لم تصل إلى مرحلة النموذج الجاذب لقطاعات عربية واسعة، فإن أداءها في المواجهة الأخيرة خلق «انطباعًا أكبر بعض الشيء من التهيّب والتوقير للأداء الإيراني». وبهذا تكون الولايات المتحدة قد فتحت قناة جديدة لإيران لترشيحها «مركزًا للإقليم»، وبالتالي تكون إحدى محددات القرار الإقليمي، ما يعني تهميش القوى التقليدية التي التصقت تاريخيًا بالقطار الأمريكي. وقد تعزز ذلك بدفع هذه الدول التقليدية أثمانًا عالية في بنياتها التحتية بسبب القصف الإيراني، واكتشاف أن القواعد العسكرية فيها تحولت إلى عبء، بعد الوهم بأنها درع، وهو ما شكّل بذرة تساؤلات داخل مجتمعات هذه الأقطار العربية ذاتها.

ب- إذا كان الوزن الأمريكي في صنع القرار في المنطقة قد أصابه «بعض الخلل»، لا كله، فإن القوى الدولية لا تبدو متلهفة، كما كان الحال في فترة الحرب الباردة، على ملء الفراغات التي تتركها أمريكا. فاستراتيجية الصين تقوم على براغماتية مفرطة، غاياتها التوسع من منطلق منظور غير صفري، وهي معنية بمشروعها الاستراتيجي للمنطقة، «الحزام والطريق»، أكثر من عنايتها بالتمدد من منظور صفري.

كما أن روسيا منخرطة في صراع دموي متواصل مع أوروبا في أوكرانيا، ولها هموم جيوستراتيجية أكثر من همومها الأيديولوجية، كما كان الوضع في الحرب الباردة. ولعل هذا التراخي من القوى الدولية المركزية تجاه المنطقة، نتيجة تبني استراتيجيات متشابكة مع منظور غير صفري متزايد في العلاقات الدولية، سيجعل التراخي الأمريكي في المنطقة متسقًا مع «بنية الإقليم الجديدة» من ناحية، ومع التراجع الأمريكي عالميًا من ناحية ثانية.

ت- يبدو أن «إسرائيل» هي المستفيد الأول من كل ما يجري، وإن تكن لهذه الفائدة أثمان لم تعهدها «إسرائيل»، تتمثل في تراجعها بنحو 40 مرتبة في معدل الاستقرار السياسي، والتراجع الكبير في مكانتها الدولية، وتزايد نفقاتها الاقتصادية والعسكرية، ناهيك عن النزيف البشري من خلال الهجرة والحروب التي لم تتوقف تقريبًا.

أما الفائدة «الإسرائيلية» فتتجلى في تحييد القوى العسكرية العربية في الدول المجاورة لها، عبر التطبيع، أو القوة المباشرة، أو الصراع الداخلي في هذه الأقطار العربية، واستمرار التوسع مترافقًا مع استمرار الانفتاح العربي عليها. وهو ما تفسره «إسرائيل» بأنه تنامٍ لفك الدول العربية ارتباطها بالقضية الفلسطينية، ناهيك عن قدرتها على تحويل سلطة أوسلو إلى وكيل أمني لها، وانصراف هذه السلطة عن الموضوع الاستراتيجي، وهو التحرير.

ولعل ذلك هو ما يشير إلى أن «إسرائيل» ستبني تصورها القادم على النحو الآتي:

  1. تسريع الاستيطان لتكريس أمر واقع، ليتم حل المشكلات مع الفلسطينيين لاحقًا من خلال هذا الواقع. وهذا تكتيك «إسرائيلي» ثابت: خلق واقع مطلوب «إسرائيليًا»، ثم دعوة الطرف الآخر إلى التفاوض ضمن جدران الواقع الذي صنعته.
  2. العمل بقوة على تكريس مناطق عازلة بينها وبين الدول العربية المجاورة، ونعتقد أن هذا هدف لن تتخلى عنه «إسرائيل»؛ فستعمل على احتلال أشرطة برية بجوار كل دولة من هذه الدول: مصر والأردن وسوريا ولبنان، وجعلها إما مناطق محايدة (No Man’s Land)، أو فارغة من السكان، أو تنتشر فيها قوات دولية.
  3. خلق ظروف طاردة للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، من خلال التضييق الاقتصادي، وجلب عمالة غير فلسطينية، ومصادرة المزيد من الأراضي، ثم تعطيل إعادة الإعمار في غزة والضفة. وربما البدء لاحقًا بإغلاق مؤسسات السلطة تدريجيًا، مع العمل على تشجيع دول مثل كندا وأستراليا وبعض دول أمريكا اللاتينية أو أوروبا على استقبال الفلسطينيين.
  4. توسيع دائرة الدول التي لم تعد تتعامل مع وكالة الغوث، ثم إقناع دول عربية بدمج المهاجرين الفلسطينيين فيها بأكبر قدر ممكن.
  5. قد تراهن «إسرائيل» على احتمالين قادمين:

أ- أن تتمكن من جر الولايات المتحدة مرة أخرى إلى مواجهة أقسى مع إيران.

ب- أن تشعر إيران بأن الانخراط في الشرق الأوسط أصبح مرهقًا، ما قد يدفعها إلى التحول نحو فضاءات جيوستراتيجية خبرتها تاريخيًا في القوقاز وآسيا الوسطى... إلخ.

  1. العمل بكل جهد على إبقاء مصر في حالة انشغال عن البيئة الإقليمية، عبر اختراقها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتقنيًا.
  2. تعزيز الاختراقات الأمنية في العالم العربي بشريًا، بخاصة من خلال الأقليات والثقافات الفرعية، وتكنولوجيًا، ولا سيما سيبرانيًا.
  3. استمرار السعي إلى توسيع قاعدة التطبيع، وصولًا إلى احتمال أن تطلب مقعد «عضو مراقب» في الجامعة العربية.
  4. لكن «إسرائيل» تدرك أن التسلح النووي في إيران هو خيار استراتيجي، وأن إيران تقف، في أدنى تقدير، عند العتبة النووية، وهو ما ينطوي على ضرورة التفكير بطريقة غير تقليدية. كما أن التطور التكنولوجي، حتى على مستوى التنظيمات السياسية المسلحة، أضحى من السيناريوهات المحتملة جدًا، والتي تنطوي على مخاطر عليها من هذه التنظيمات، ومن إيران أو غيرها.

لمواجهة الفرص والتحديات، على الدول العربية أن تدرك أن استمرار أولوية أمن النظام على حساب أمن المجتمع أو أمن الدولة لم يعد يصلح على الإطلاق؛ لأن نتيجة هذه السياسات هي فقدان أمن المجتمع والدولة والنظام... فاصنعوا التغيير بدلًا من أن تنتظروه... ربما.