الرئيسية| مقالات وآراء| تفاصيل الخبر

أرقام متناقضة وسلوك يصعب تفسيره

مفارقات الواقع العربي: الإنفاق العسكري وما تكشفه الأرقام

04:57 م،24 سبتمبر 2026

وليد عبد الحي

من العسير على الباحث أن "يُنَمْذِج" البنية العربية ليتمكن من اقتراح إطار نظري تفسيري لفهم التفاعلات العربية البينية والدولية؛ فمن السهل وضع نموذج تحليلي لفهم تفاعلات الاتحاد الأوروبي مع البيئة الذاتية أو الدولية، ومن اليسير فهم الفروق في بعض معطيات البنية، لكنها تبقى قابلة «للنمذجة» لبناء تحليل نظري على أساسها.

لتوضيح الفكرة أعلاه، لنتوقف عند الملاحظات العربية التالية لمؤشرات الفترة 2024–2025:

أولًا: الإنفاق العسكري العربي

تشير مراكز الأبحاث المتخصصة، وبخاصة معهد ستوكهولم (SIPRI)، إلى أن إجمالي الإنفاق العسكري العربي للدول الـ22 الأعضاء في الجامعة العربية لعام 2025 بلغ ما بين 165 و170 مليار دولار (حسب عدد من التقارير الأكاديمية)، ولكن عند تحليل البيانات يتبين أن:

أ- يشكل الإنفاق العسكري السعودي ما نسبته بين 57 و59% من إجمالي الإنفاق العربي، وهو ما يعني أن إنفاق السعودية يساوي، كمعدل، 58%، بينما قيمة إنفاق الـ21 دولة عربية الأخرى هي 42%، علمًا أن عدد سكان السعودية يمثل حوالي 8% من إجمالي عدد سكان الدول العربية، كما أن مساحتها لا تشكل إلا 16.9% من مساحة الدول الـ21 الأخرى. وإذا حسبنا معدل الناتج المحلي السعودي، فإن نسبته تصل إلى 27% من إجمالي الناتج المحلي العربي (على أساس المعادل الشرائي PPP). وعند العودة إلى عدد من نماذج قياس التهديد الأمني للدول، مثل نموذج Political Risk Services (وهو المعروف بقدرته التنبؤية)، أو نموذج Structural Geopolitical Risk، أو نموذج Geopolitical Risk Index، يتبين أن السعودية تحتل المرتبة الثالثة في مستوى الأمن من المخاطر (أي أن مؤشرات الأمن الجيوسياسي تجعلها أفضل من الـ19 دولة عربية الأخرى).

فإذا كانت السعودية هي الأقل عرضة للتهديد (بالقياس الكمي لا بالانطباع)، وهي الأعلى في الناتج المحلي وضمن الأكبر مساحةً (بعد الجزائر)، فكيف نفسر أنها تنفق ما يفوق إنفاق الـ21 دولة عربية الأخرى؟

ب- لو قارنا حجم الإنفاق العسكري المصري حتى حرب أكتوبر 1973 بما هو عليه الآن، سنجد تراجعًا كبيرًا للغاية؛ ففي فترة السبعينيات بلغ الإنفاق العسكري حدود 17%، ثم بدأ يتراجع مع المعاهدة مع "إسرائيل"، إلى أن بلغ حاليًا حدود 0.61%. ورغم هذا التراجع الهائل، فإن حجم الديون والتزايد غير العادي في معدلات التضخم والتراجع غير المسبوق في قيمة الجنيه المصري والتصاعد الخطي في حجم الديون، وانكماش القدرة الشرائية للفرد، يزداد سوءًا، وبرغم أن جزءًا من الإنفاق العسكري يتم تمويله من المساعدات الأمريكية (حوالي 1.3 مليار سنويًا).

والملفت أن التخفيض في الإنفاق العسكري (كنسبة من الإنتاج المحلي) ترافق مع عجز مزمن في الموازنة بلغ حاليًا 7.6%، ودين جعل قيمة نصيب الفرد من الدين ترتفع من 105 آلاف جنيه إلى 150 ألف جنيه، كما أن خدمة الدين تلتهم 63% من إيرادات الحكومة، إلى جانب نسبة تضخم تجاوزت 13.4%.

ولعل التمعن في البيئة الجيوسياسية والجيواستراتيجية لمصر يشير إلى أن تعرضها للخطر عالٍ جدًا بسبب عدم الاستقرار العالي جدًا حولها في السودان وليبيا وفلسطين (غزة) والبحر الأحمر والخليج؛ أي أن مصر خفضت إنفاقها العسكري في وقت تراجع معدل الأمن فيها وحولها، وتخفيض الإنفاق العسكري لم ينعكس على صحة الاقتصاد المصري. أليس كل هذا يثير ارتباكًا؟

ت- لو حددنا الدول العربية الأعلى في نسبة الإنفاق العسكري من إجمالي الناتج المحلي، سنجد أن ترتيبها على النحو التالي:

1. الجزائر: 8.8%.

2. السعودية: 6.5%.

3. سلطنة عُمان: 5.7%.

4. الكويت: 4.7%.

5. الأردن: 4.56%.

الملاحظ أن الأردن في هذا المؤشر يحتل المرتبة الخامسة بين الدول العربية، ويحتل المرتبة العاشرة عالميًا، وهذا يثير ملاحظة؛ فالأردن يقع في المرتبة العاشرة عربيًا في معدل دخل الفرد، لكنه يقع في المرتبة الخامسة في نسبة الإنفاق العسكري، وهو ما يعني أن العبء الدفاعي لا يتسق مع معدل الدخل الفردي.

وكيف نفسر أنه رغم المعاهدة مع "إسرائيل"، فإن الأردن ما زال يحتل مرتبة متقدمة عالميًا وعربيًا في نسبة الإنفاق العسكري؟ وهنا نعود للمقارنة: لماذا انخفض المعدل المصري بنسبة تفوق انخفاض معدله الأردني؟ تتعدد التفسيرات، لكنها تبقينا عند نقطة صعوبة اتساق الواقع مع نموذج قياس دقيق.

الملاحظ أن الإنفاق العسكري الأردني عام 1995 كان حوالي 4.45%، لكنه عاد للارتفاع حتى عام 2009، وعاد للتراجع إلى معدله الذي كان عام 1995 تقريبًا (4.6%) خلال الفترة من 2012 إلى 2025. فكيف نفسر ذلك؟

نلاحظ تراجعًا في أول عام بعد المعاهدة، ثم عودة لنسبة أعلى خلال السنوات الخمس التالية، وبقي حتى عام 2009 أعلى من فترة المعاهدة، ثم عاد للتراجع إلى حدود فترة المعاهدة تقريبًا من 2013 إلى الآن، وهي فترة عدم الاستقرار السياسي الأوسع في المنطقة العربية (ما سُمي الربيع العربي). فكيف ننمذج ذلك؟

والملاحظ أن معدلات النمو الاقتصادي في الأردن ومعدلات الإنفاق العسكري لا تشير إلى معامل ارتباط عالٍ (+0.23)، وهو معدل ارتباط إيجابي، لكنه ضعيف بشكل واضح.

ث- لو قارنا التفاوض العربي- العربي (بين الدول العربية عند وقوع مشكلات) والتفاوض العربي مع الدول الأجنبية، ستجد أن "الكرم العربي يتجسد من الجلسات الأولى مع الأجنبي، بينما تحضر الأنفة المفتعلة عند التفاوض مع ذوي القربى". ويكفي أن تنظر إلى أي بلد عربي حاليًا، ستجد أن لكل منها مشاكل مع جواره العربي، بل إن أغلب الدول العربية تتناحر داخليًا لخلاف بين شخصين. تخيلوا أن السودان يحترق لخلاف على المكاسب بين شخصين، وليبيا كذلك، وسوريا، وعلى ذلك قِسْ في التاريخ العربي.

صحيح أن هناك جوانب موضوعية مثل الحريات والفساد والاستبداد والاحتلال أو التدخل الخارجي والفقر... إلخ، ولكن أليس هناك معادل أخلاقي (كما حلله نورمان أنجيل) للتناحر؟ فما هو النموذج الذي يمكن وضعه لفهم بيئة بهذا الخلل؟ ففي الوقت الذي يبحث الصينيون والأمريكيون في إمكانية تزويد الروبوت بالمشاعر، ما زلنا مشغولين بـ"هل تقود المرأة السيارة؟". ومع ذلك تسمع حاكمًا عربيًا يتعهد بأنه سيجعل العالم العربي خلال عامين أو ثلاثة "في طليعة دول العالم"... يا إلهي، أي نموذج أكاديمي لفهم "الوهم والمرض النفسي"؟

أخيرًا، أتمنى أن يتم فتح وحدات أكاديمية في الجامعات ومراكز الدراسات العربية لوضع نماذج قياس تستفيد من مناهج القياس الدولية وتراعي خصوصيات الوضع العربي، ثم تقدم لنا بيانات كمية، مع تفسيرها وشرحها كيفيًا من خلال مناقشات علمية، لوضع نظريات علمية. وبهذا تكون النتائج أقل إتاحةً لعلماء الثرثرة، ويمكن بناء تصورات علمية استنادًا لها. ولكن هل يخدم ذلك السلطات العربية؟ الأمر متروك للنقاش.